العجوز و الدراجه
مرت سنة.
ثم سنتان.
ثم خمس سنين.
الحراس اتغيروا.
واحد خرج على المعاش.
واحد اتنقل لمكان تاني.
وجوه جديدة جات.
لكن الجدة كانت لسه موجودة.
نفس العجلة.
نفس الطريق.
ونفس كيس الرمل.
كل يوم تقريبًا.
لدرجة إن الحراس الجدد كانوا أول ما يشوفوها يسألوا:
ـ دي الست بتاعة الرمل؟
والقدامى يردوا:
ـ أيوه… سيبوها تعدي.
ـ بس نفتش؟
ـ فتش، لو حابب تضيع وقتك.
ومع ذلك، كانوا بيفتشوا.
لأن الإجراءات إجراءات.
وفي كل مرة…
الرمل فقط.
في يوم، واحد من الحراس القدامى قال لزميله:
ـ أنا نفسي أعرف الست دي هتفضل تعمل كده لحد إمتى.
رد عليه:
ـ يمكن عندها سبب.
ـ بقالها سنين!
ـ ما يمكن السبب يستاهل.
ضحك الأول وقال:
ـ أو يمكن إحنا كلنا أغبيا ومش شايفين حاجة قدام عينينا.
الجملة دي اتقالت على سبيل الهزار.
لكن محدش كان يعرف إنها هتطلع أقرب للحقيقة مما يتخيل.
وفي صباح هادي…
الجدة ماجتش.
الحراس استغربوا.
واحد قال:
ـ هي فين؟
ـ مين؟
ـ الست بتاعة الرمل.
ـ يمكن تعبانة.
اليوم عدى.
تاني يوم ماجتش.
ولا التالت.
أسبوع كامل مر…
ولا أثر لها.
في البداية، كانوا متوقعين إنها ترجع.
لكنها ما رجعتش.
ومع الوقت، الحياة كملت.
وجاءت وجوه جديدة.
وخرجت وجوه قديمة.
والحكاية اتحولت لذكرى غريبة بيتكلموا عنها أحيانًا ويضحكوا.
لحد ما عدّت سنين طويلة.
أحد الحراس اللي كان يعرف الجدة كويس خرج على المعاش.
بقى يعيش حياة هادية في بلدة صغيرة.
وفي يوم، كان ماشي في الشارع، وفجأة لمح امرأة عجوز من بعيد بتدفع عجلة قديمة جنبها.
وقف.
بص مرة.
وبعدين مرة تانية.
حس إن شكل العجلة مألوف.
قرب أكتر.
ولما شاف وش الست، قلبه دق.
ـ يا حاجة…؟
الست رفعت رأسها.
بصت له شوية.
وبعدين ابتسمت.
ـ ياااه… إنت!
قال:
ـ إنتِ لسه عايشة!
ضحكت:
ـ ولسه فاكرني؟
ـ أنساكي إزاي؟
بص على العجلة.
وبعدين قال:
ـ طب فين كيس الرمل؟
ضحكت الجدة.
لكن الحارس السابق ما ضحكش.
قال:
ـ لأ، بجد.
سكت لحظة.
وبعدين قال:
ـ أنا فضلت سنين أفكر في الموضوع ده.
ـ أي موضوع؟
ـ الرمل.
الجدة ابتسمت.
ـ لسه فاكر؟
ـ فاكر طبعًا.
وقرب منها وقال:
ـ أنا دلوقتي طلعت معاش. يعني محدش هيحاسبني.
ـ على إيه؟
ـ على إنك تقوليلي الحقيقة.
سكتت.
ـ إحنا فتشنا الكيس ده مئات المرات.
ـ عارفة.
ـ حللنا الرمل.
ـ عارفة.
ـ فتحناه.
ـ عارفة.
ـ قلبناه.
ـ عارفة.
ـ حتى العينة راحت المعمل.
هزت رأسها.
ـ عارفة.
الحارس قال:
ـ طيب قوليلي…
إنتِ كنتِ بتهربي إيه؟
الجدة ضحكت.
وبصت للعجلة اللي جنبها.
ومدت إيدها على المقود.
وقالت بهدوء:
ـ أنتم فحصتم كل حاجة…
وبعدين سكتت ثواني.
ـ إلا أهم حاجة.
الحارس قطّب جبينه:
ـ أهم حاجة إيه؟
رفعت الجدة عينها عليه وقالت:
ـ العجلة.
الرجل سكت.
ـ العجلة؟
ـ أيوه.
ـ يعني إيه؟
ابتسمت وقالت:
ـ الرمل عمره ما كان الحاجة اللي كنت بنقلها.
ـ أمال إيه؟
قالت:
ـ العجلة نفسها.
الرجل فضل باصص لها كأنه مش فاهم.
قالت:
ـ كل يوم كنت بعدّي بيها من قدامكم.
ـ وإنتوا كنتوا مركزين في الكيس.
ـ تفتحوه.
ـ تفضوه.
ـ تحللوا الرمل.
ـ وتسيبوا العجلة.
اتسعت عيون الرجل.
وبدأ يضحك وهو بيحط إيده على دماغه.
ـ يا نهار أبيض…
الجدة ضحكت وقالت:
ـ عشان كده كنت بقولكم دايمًا: “وأروح فين يعني؟”
فضل الرجل ساكت شوية.
وبعدين قال:
ـ وإحنا كنا فاكرين نفسنا أذكياء!
ردت الجدة:
ـ إنتوا كنتوا بتعملوا شغلكم.
ـ بس أحيانًا يا ابني، الواحد لما يركز في تفصيلة صغيرة قوي، ممكن ينسى يبص للصورة كلها.
بص الرجل للعجلة مرة تانية.
وبعدين سألها:
ـ وكنتِ بتعملي إيه بكل العجل دي؟
ابتسمت الجدة وقالت:
ـ دي بقى حكاية تانية.
ومسكت مقود العجلة.
وبدأت تمشي ببطء.
الرجل وقف مكانه، بيتابعها وهي بتبعد.
ولأول مرة فهم إن أكتر حاجة كانت واضحة قدامهم…
هي نفسها الحاجة اللي محدش فكر يشك فيها.
كانوا بيفتشوا كيس الرمل كل يوم… بينما السر الحقيقي كان بيتعدى قدامهم على عجلتين.
وأحيانًا، مش المشكلة إن الحقيقة مستخبية…
المشكلة إننا بنفضل ندور عليها في المكان الغلط.