قناع الامومة الجزء الأول حكايات مني السيد

لمحة نيوز

بيدق في وداني بصوت عالي لدرجة إني خفت هما الاتنين يسمعوه. سحبت رجلي ببطء شديد، خطوة ورا التانية، عيني على الأرض عشان كعبي ميعملش صوت على البورسلين، لحد ما دخلت الممر الطويل ووصلت لفتحة الأسانسيرات.
دست على الزرار بإيد مرتعشة تمامًا، كإني في كابوس ومش قادرة أصرخ. لما باب الأسانسير فتح، رميت نفسي جواه وضغطت على زرار الأرضي عشر مرات ورا بعض بتوتر چنوني. المراية الكبيرة في الأسانسير عكست وشي شفايفي بيضا، وعيني مبرقة، وشكلي تايه كإني لسه خارجة من حاډثة عربية.
خرجت من بوابة البرج الزجاجية الضخمة للهوا المفتوح، لكن حتى الهوا السخن بتاع شوارع القاهرة في عز الضهر ما قدرش يدفّي التلج اللي حسيت بيه ماشي في عروقي. بصيت حواليا على الناس اللي بتجري وبتعدي الشارع، العربيات، الزحمة، وسألت نفسي هو ده بجد؟ هو اللي حصل جوه ده حقيقي ولا أنا بيتهيألي؟
مشيت على رجلي مسافة طويلة من غير ما أحس، كإني بهرب من البرج ومن ميرفت ومن نفسي. وقفت فجأة قدام كافيه صغير، اشتريت إزازة مية وقعدت على كرسي خشب مكسور على الرصيف، وبدأت أجمع الخيوط في دماغي.
أنا اسمي ياسمين، عندي تمانية وعشرين سنة. عشت عمري كله وأنا عارفة إن أمي ماټت أو سابتنا وإحنا صغيرين، وبابا دايمًا كان يقفل الموضوع ده بنظرة حزن وقهرة تخليني أخاف أفتحه تاني. بس بابا اتجوز طنط ماجدة وأنا عندي ست سنين. ماجدة اللي باعت دهبها عشان تدفعلي مصاريف دروس الثانوية العامة، ماجدة اللي كانت بتسهر جنبي لما أسخن وتكمدلي راسي، واللي لما بابا ماټ وسابلنا معاش صغير وشقة إيجار قديم، نزلت اشتغلت تفصيل وخياطة في البيت عشان متمدش إيدها لحد وعشان أحمد أخويا الصغير وعشاني منقصناش حاجة.
والنهاردة... في ظرف ساعتين بس، تظهر ميرفت الجوهري، المليارديرة، سيدة الأعمال الحديدية، وټعيط في حضڼي وتقولي انتي بنتي، وتديني وظيفة الأحلام بمرتب مكنتش أحلم بربعه، وكل ده مش عشان حنت، ولا عشان ضميرها صحي... لأ، عشان تستر ڤضيحة بيزنس وتستخدم بنتها اللي رمتها زمان كدرع بشړي يغسل سمعتها قدام الكاميرات!
طلعت موبايلي وفتحت جوجل فورًا وكتبت مجموعة القمة أزمة العمال. الرسايل والأخبار كانت مالية المواقع الإخبارية الاقتصادية تحقيق في ۏفاة تلات عمال في موقع إنشاءات تابع لمجموعة القمة بسبب غياب معايير الأمان، واټهامات مباشرة لمدام ميرفت الجوهري بالتقاعس والتهرب من دفع تعويضات لأسر الضحايا، ومقاطعة مبدئية من مستثمرين خليجيين كانوا داخلين شراكة بالمليارات في مشروعها الجديد أبراج النيل.
حطيت إيدي على وشي وأنا بضحك بمرارة وسخرية. الحكاية كده وضحت تمامًا. الست دي مش سيدة أعمال، دي ممثلة محترفة، مخرجة شاطرة بتعرف ترتب المشهد بالمللي. لما شافتني وشافت الشبه والحسنة اللي ورا ودني وافتكرت الماضي، مكنتش بتشوف بنتها... كانت بتشوف طوق نجاة، مانشيت عريض في الصحف سيدة الأعمال الإنسانية تجتمع بابنتها المفقودة بعد ثلاثين عامًا وتعينها في منصب قيادي. صورة الأم العطوفة اللي هتمسح صورة المستغلة اللي بتضحي بأرواح العمال عشان توفر فلوس الأمان الصناعي.
الموبايل رن في إيدي فجأة ونفضني من أفكاري. كان الرقم الخاص بمكتب ميرفت. أخدت نفس عميق جدًا، حاولت أهدي دقات قلبي، ومسحت وشي بإيدي عشان صوتي ميبانش فيه البكا ولا الرجفة. فتحت الخط ألو... أستاذة ياسمين؟ كان صوت السكرتيرة الخاصة بيها.
أيوة، ألو؟ مدام ميرفت مستنياكي النهاردة على العشا في مطعم في الزمالك، الساعة تمانية. بعتتلك اللوكيشن على الواتساب وبتقولك متتأخريش لأنها محجوزة ترابيزة خاصة جدًا، وفيه مفاجأة لطيفة مجهزهالك.
بلعت ريقي بصعوبة. كان قدامي حلين مالهومش تالت إما إني أقفل السكة في وشها ومروحش، وأبعتلها رسالة أقولها فيها إني سمعت كل حاجة وإني بقرف منها، وأرجع لحياتي البسيطة وأدور على شغلانة تانية بملاليم... أو إني ألعب نفس اللعبة.
فكرة الهروب كانت مغرية، بس فكرة الاڼتقام، فكرة إني مخليهاش تستغفلني، وإن الست دي تدفع تمن اللي عملته في بابا وتمن الڼصب اللي ناوية تعمله عليا... كانت أقوى بكتير. تمام، قولي لمدام ميرفت إني هكون هناك في ميعادي بالظبط. قفلت الخط وأنا بحس ببرود غريب بيسري في دمي، برود أول مرة أحسه في حياتي.
ركبت مواصلات ورجعت على بيتنا في شبرا. أول ما دخلت من الباب، لقيت ريحة الأكل مالية الشقة، وصوت التلفزيون واطي، وطنط ماجدة قاعدة على الكنبة بتلضم الإبرة ونضارة القراية نازلة على مناخيرها. أول ما شافتني، وشها نور وابتسمت ابتسامتها الدايمة اللي بتمسح أي تعب حمد لله على السلامة يا سوسو! ها طمنيني يا بنتي عملتي إيه في المقابلة؟ قلبي كان واكلني عليكي من الصبح وعمالة أدعيلك.
بصيت على وشها الطيب... التجاعيد الخفيفة اللي حوالين عينيها، إيديها اللي خشنة من كتر الشغل والتعب عشان تربينا، المقارنة كانت مرعبة بينها وبين وش ميرفت المشدود بعمليات التجميل والماكياج اللي بيخفي وراه سواد وغل مشفتش زيه. قربت منها، اترميت في حضنها وحضنتها بقوة، لدرجة إنها استغربت وقالتلي وهي بتطبطب على ضهري مالك يا بنتي؟ عملتي إيه؟ رفضوكي؟ ولا يهمك يا حبيبتي، فداكي ألف شركة، رزقك مكتوب وهيجيلك لحد عندك.
رفعت راسي وبصيت في عينيها، وقولت بصوت حاولت أخليه طبيعي لأ يا ماما... اتقبلت. عين طنط ماجدة دمعت من الفرحة وزغرطت بصوت مكتوم ألف حمد وألف شكر ليك يا رب! مش قولتلك؟ ربنا مبيضيعش تعب حد أبدًا! ده أحمد هيطير من الفرحة أول ما يرجع من الكلية. تعالي بقى أحطلك تتغدي، عملالك الأكل اللي بتحبيه.
ماما... أنا مش جعانة دلوقتي، ومحتاجة أسألك على حاجة مهمة... بس توعديني تجاوبيني بصراحة وماتخبيش عليا حاجة. ماجدة قعدت وقلق بان على وشها خير يا ياسمين؟ خوفتيني يا بنتي، في إيه؟ أخدت نفس عميق وقولت الشركة اللي اتقبلت فيها... صاحبتها ومديرتها اسمها ميرفت الجوهري.
ماجدة شهقت خفيف، والإبرة اللي في إيدها وقعت على الأرض. وشها بهت تمامًا، بصتلي كأنها مش مصدقة اللي سمعته، ورجعت ضهرها للكنبة كأن حيلها اتهد. ميرفت؟ انتي... انتي شوفتيها يا ياسمين؟ نزلت على ركبي قدامها ومسكت إيديها التلج شوفتها وعرفتني يا ماما. وقعدت معايا، وقالتلي إن بابا وجدتي هما اللي طردوها وحرموها مني زمان بالسلاح ورموها في الشارع، وإنها كانت مظلومة. أنا عايزة أعرف الحقيقة يا ماما... الحقيقة كاملة، أرجوكي.
ماجدة دمعت، وهزت راسها بنفي مرير، وصوتها طلع مخڼوق أبوكي الله يرحمه كان أنضف وأرجل خلق الله، وميرضاش بالظلم. ميرفت دي كانت مراته الأولى، وكان بيحبها حب أعمى، وعمل المستحيل عشان يسعدها. بس هي كانت عينيها فارغة، كانت طماعة ومبترضاش بقليله. أول ما ولدتِك، حست إنك عبء عليها، كانت عايزة تخرج وتسافر وتدخل عالم البيزنس مع ناس مشبوهين.
سكتت ماجدة ثواني بتسترجع الماضي، وبعدين كملت أبوكي اټخانق معاها لما عرف إنها بتستلف فلوس باسمه وبتدخل في حوارات ڼصب. ويوم ما قررت تسيب
البيت، قالتله في وشه بدم بارد أنا مش هضيع شبابي مع موظف غلبان ومع عيلة تقيدني... البنت دي تلزمني في إيه؟ خليهالك اشربها، أنا هبدأ حياتي من غير
تم نسخ الرابط