رحت ازور قبر مراتي المرحومة

لمحة نيوز

إيدي على المقود والتانية بمسح العرق اللي نزل على جبيني، وقلب بيخبط في صدري كأنه هينفجر من مكانه. لا يارب.. ما جيت لحد هنا عشان أخسرهم! سارة أرجوكِ ساعدني.. خليهم بخير، أرجوكِ!
وصلت قدام البناية القديمة اللي ساكنين فيها، لقيت جيران متجمعين قدام الباب، وبعضهم بيحاول يكسر القفل بس المكان ضيق ومحدش عايز يتصرف. صعدت السلالم جري خطوتين خطوة، وصلت لباب الشقة، شميت رائحة الغاز القوية وهي بتطلع من تحت الباب. لمېت كتفي ودفعت بكل قوتي، الباب اتفتح بقوة والحطام وقع على الأرض. ركبت جوة، الشقة معتمة والغاز بيملا المكان، بصيت يمين وشمال، وشفت نور ملقية على المرتبة بتاعتها بتكح بقوة، وفريدة واقفة جنبها بتحركها بضعف وجسمها بيتنشج من البكاء
يا أستاذ سليم.. نور مش بترد عليا! جسمها بارد ومش بتكلم!
جرت عليهم، لفيت المنشفة حول وجهي، رفعت نور في حضڼي وهي خفيفة أوي وعظمها باين من تحت ملابسها الرقيقة، ومسكت إيد فريدة
تعالي معايا يا حبيبتي بسرعة!
خرجت بهم على السلالم، الهواء الطلق خدتهم في حضڼي، نور كانت فاقدة للوعي، لونها شاحب وتنفسها ضعيف أوي. الجيران نادوا بالإسعاف، ودقايق وكانت سيارة الإسعاف واصلة بصفارة الإنذار بتقطع الشارع كله. في الطريق للمستشفى، مسكت إيد فريدة اللي كانت بترتعش في إيدي
مټخافيش يا فريدة.. أنا معاكم دلوقتي. محدش هيقدر يأذيكم تاني أبداً.
بصت لي بعيونها الكبيرة اللي مليانة دموع وړعب
صدقني؟ إحنا هنبقى معاك؟ مش هنرجع لخالتي نجوى تاني؟
أبداً.. مش هنرجع هناك أبداً. أنا وعدتكِ. وعد مني ما حدش يفرق بينك وبين نور تاني.
وصلنا المستشفى، ودخلوا نور العناية المركزة فوراً بسبب استنشاقها لغاز وعدم قدرتها على التنفس بشكل طبيعي. جلست أنا وفريدة في صالة الانتظار، وهي جالسة جنبي متلصقة بيا كأنها پتخاف لو ابتعدت شوية هتفقدني. جبتلها سندوتشات وحليب، أكلت بخجل وحرمان، وبعدين نامت متكئة على كتفي، وشعرها الناعم مسك على قميصي. جلست ساكت أتأملها، وشفت في ملامحها شيء من صمود سارة وطيبتها.. وكأنها كانت بتبعتلي هدية من بعيد، وأنا كنت تقريباً أضيعها من يدي ببطئي وتأخري.
بعد ساعتين، طلع الدكتور وابتسم ليا براحة
الحمد لله، حالتها استقرت. هتبقى محتاجة ملاحظة يومين تانيين وبعدين تقدر تاخدها معاك. هي محتاجة رعاية وتغذية كويسة، وزنها أقل من المعدل الطبيعي بكتير. وأيضاً عندها التهاب صدرى حاد محتاج علاج مستمر فترة.
تنهدت براحة ودمعة نزلت من عيني
شكراً يا دكتور.. شكراً من كل قلبي.
اتصلت بالمحامي، قلتله يتابع الإجراءات القانونية ويحجز لهم في فندق مؤقتاً لحد ما نجهز كل حاجة. بس في اللحظة دي، عرفت إن البيت ده مش مجرد مكان يناموا فيه.. هم محتاجين بيت حقيقي، دفء، أمان، وكل حاجة اتحرموا منها طويلاً. وقررت في تلك اللحظة مش هيروحوا لمكان تاني غير بيتي. بيتي اللي كان مليان بذكرى سارة، واللي هيلألأ فيه ضياء جديد بوجودهم.
الجزء الثالث
بعد يومين، طلعنا نور من المستشفى. لما وصلنا لباب الفيلا الكبيرة اللي كنت ساكن فيها لوحدي، وقفتا متسمرتين وبتبصوا حوليه بدهشة الحدائق الخضراء، الأزهار الملونة، البيت الواسع المشرق، والشمس بټضرب على الحوائط البيضاء. فريدة همست
إحنا هنعيش هنا؟ ده بيت الأميرات!
ضحكت ومسكت إيدها بكل حنان
ده بيتكم يا حبايبي. من النهاردة ده بيتكم. تعالي أوريكم أوضتكم.
صعدنا الدرج، وفتحت باب الغرفتين المتجاورتين اللي جهزتهما لهم. غرفة فريدة بلون البنفسجي اللي بتحبه سارة، وغرفة نور بلون السماوي. سرير ناعم، ملابس جديدة معلقة في الدولاب، ألعاب كتير، وكل شيء نظيف ومشرق. نور جرت على السرير وقفزت عليه بخفة وضحكة صافية أول مرة أسمعها منها
سرير ناعم أوي! شكراً يا سليم!
فريدة كانت بتلمس كل حاجة بحرص كأنها پتخاف تصحى من حلم
ده كلو لينا؟ محدش هياخده مننا؟
كلو ليكم.. ومحدش هياخد منكم حاجة تاني أبداً. أنا وعدتكم، وأنا ما بكسرش وعدي أبداً.
مرت الأسابيع الأولى ببطء وحذر. كانوا متعودين على الحرمان والخۏف، فكل ما أقدملهم حاجة كانوا بيترددوا أولًا، كأنهم مش مصدقين إن الحاجة دي لهم حقًا. كنت أجلس معاهم على السفرة، أكل معاهم، أحكي لهم قصص قبل النوم، وأخبرهم عن سارة كل يوم. كنت أجيب لهم صورها، وأقول لهم هي كانت بتحبكم كتير.. وكل اللي عملته كان عشان تكونوا في أمان.
وذات مساء، كنت جالس في مكتبي، وفريدة خبطت بخجل ودخلت ومعاها دفتر رسم صغير
ممكن أسألك سؤال؟
طبعاً يا روحي. تعالي اقعدي جنبي.
ليه اخترتنا إحنا بالذات؟ كتير ناس عندهم فلوس ومش بيتكلموا مع الأطفال زي ما بتتكلم معانا.
مسكت كفها الصغير الدافئ بين كفيّ
لأن سارة اختارتكم. وهي اللي علمتني إن البيت مش بيت بحداته.. بيت بمن فيه. ولما شفتكِ وأنتِ بتحميين نور من المطر، عرفت إنكم عيلة قوية وشجاعة. وأنا محتاج ليكم قد ما انتوا كنتوا محتاجين لي. صدقيني.. وجودكم خلاني أشوف الدنيا بألوان تانية ما كنتش شايفها من قبل.
عينها لمعت بالدموع، بس ابتسمت ومدت لي الدفتر
ده رسمة مني ليك.. شكرًا لأنك أنقذتنا.
الرسمة كانت لثلاثة أشخاص راجل طويل، وبنت كبيرة، وبنت صغيرة، والشمس بتشرق فوقهم جميعًا. تحتها مكتوب عيلتي الجديدة. قلبي اتقبض من
الفرح، وحطيت الرسمة قدامي على المكتب، مكان ما بشوفها كل يوم وأدخل الشغل.
الجزء الرابع
بعد شهرين، بدأت الإجراءات الرسمية تكتمل. النيابة استجابت نجوى وزوجها صبري، والتحقيقات كشفت فظائع كتير كانوا بيستلموا المبلغ الشهري
تم نسخ الرابط