من علي سرير المستشقي

لمحة نيوز

كان بيوريني إيصالاته كل شهر 40 ألف جنيه تخرج من حسابه وتدخل على نفس الحساب بالظبط. 160 ألف جنيه شهريًا.. لمدة عشر سنوات! يعني أكثر من 19 مليون جنيه! كلها كانت تجمع في حسابها، وتحولها تدريجيًا لحساب هشام، تحت أعذار واهية مصاريف دراسته، قسط شقته، علاج له، استثمار باسمه.
جدي مسك كتفي بيده الخشنة المرتعشة
أنا غبي يا بني.. صدقتها لما قالتلي إنك عزيز نفس ومش تقبل مساعدة، وإنها بتخدمنا وبتوصل فلوسي ليك بذكاء عشان ما تحس بحرج. وكنت فرحان إني أقدر أساعدك من بعيد.. طلعنا نحن الاتنين الضحېة في مسرحيتهم السخيفة!
الدموع نزلت من عينيه بغض ومرارة. لم أصرخ، لم أشتكِ. شكرته على مجيئه، وطلبت منه يروح يرتاح وأنا هتصرف كل حاجة. قبل ما يخرج، مسك إيدي وقال بصوت حازم
البيت بيتك يا طارق. وأنا معاك في أي خطوة تاخدها. ما حدش يقدر ياخد حقك بالكلام. الحق بينا وبين القانون.
بعد ما راح، جلست لوحدي في ظلام الغرفة، وبصيت لصورتي وصورة يوسف على تليفوني. عشر سنوات.. عشر سنوات وأنا عايش في كڈبة مدبرة من أقرب الناس ليا. ابني كان محروم من أبسط الأشياء، وأنا كنت أظن أنني أفعله خيرًا. واللي وجعني أكتر.. إنهم ما فكروش في يوم يسألوا عن يوسف، ولا يزورونا، ولا حتى يتأكدوا إننا بخير. طالما الفلوس جاية، كل حاجة كانت تمام عندهم.
الجزء الثالث
بكرة الصبح، اتصلت بالمحامي الخاص بيا، وأعطيته كل البيانات والتحويلات والإيصالات اللي جمعتها. صممت على ألا أخبر أحدًا منهم أنني عرفت الحقيقة. أردتهم يكملوا تمثيليتهم لحد ما يكشفوا نفسهم بنفسهم.
بعد ثلاثة أيام، خرجت من
المستشفى وعندي عكازين. أول ما وصلت لشقتي الصغيرة، سمعت رنة تليفوني. كانت أمي
وينك يا طارق؟ ليه الفلوس ما نزلت الشهر ده؟ البنك اتصل بيا وقال القسط متأخر! هتخرب علينا الدنيا ولا إيه؟
رديت بصوت تعبان وهادي
أنا تعبان يا أمي. الحاډثة أثرت عليا كتير، ومش عايز أتكلم في الفلوس دلوقتي.
تعبان؟! قالتلي بحدة مين اللي مش تعبان؟ هشام محتاج فلوس عشان مشروعه الجديد! أنت بتتأخر عمدًا صح؟
قفلت الخط في وشها بهدوء. لم أكن أريد الخصام.. أردتهم يكشفوا أوراقهم بأنفسهم.
بعد يومين، جاءوا لي البيت كلهم أمي، أبويا، وهشام. دخلوا وكأنهم أصحاب حق ضايع. أمي وقفت في الصالة ترفع صوتها
إيه اللي وصلت له يا طارق؟ توقف الفلوس عشان حاډثة؟ ده يبقى أناني وبدون مسؤولية! وأخوك محتاج الدعم ده عشان يقدر يقف على رجليه!
هشام تقدم بخطوته المتراخية وقال
يعني إيه مش هتبعتي الفلوس؟ أنا معتمد عليك! ده حقّي من ميراث الجد!
هنا ضحكت بصوت خفيف، وفتحت الدرج، وسحبت ملفًا كبيرًا وضعته على الطاولة بيننا
حقك؟ من أي ميراث يا هشام؟ بيت جدي مفكوك رهنه من عشرين سنة. وأنتِ يا أمي.. كل شهر أنا بدفع 120 ألف، وجدي بيدفع لكِ 40 ألف، وتحويلات كلها واصلة لحسابك ثم لحسابه. هل تريدين أن أقرأ لكم تواريخ المبالغ والأرقام بصوت عالٍ أمام الجيران؟
لون وشهم تحول فجأة. أبويا حاول يتدخل
دي أموال عائلية وخلاص اتصرفت.. ليه تكبر الموضوع؟
اتصرفت بغير وجه حق يا أبايا رديت ببرود أنا طالبي فقط ما يخصني. جدي طالب بما سلمه لكم بغير وجه حق. والمحامي هيتراسل معاكم رسميًا من بكرة.
هشام صړخ
وأنت تظن إنك تقدر تاخد حاجة؟ الفلوس خلاص خلصت! اشتريت الشقة والعربية والمشروع! ما عندناش نردلك حاجة!
وقفت ببطء على رجلي المصاپة، وبصيت لهم واحد واحد
إذا كان كده.. فالقانون هو اللي يفصل بيننا. وأنا مش هتساهل في قرش واحد من حقي وحق ابني.
خرجوا من بيتي وهم ېهددون ويتوعدون، لكنني لم أخشَهم. لأنني كنت واقف على أرض الحق، والحق لا ېخاف شيئًا.
الجزء الرابع
بدأت الإجراءات القانونية، واتضحت الصورة كاملة أمام القاضي. المحكمة أمرت بتجميد أرصدتهم العقارية والبنكية لحين الفصل في القضية. اتضح أن هشام أنفق معظم الأموال على سيارات فارهة ورحلات وأصدقاء السوء، والشقة التي اشتراها باسمه كانت بملايين الجنيهات، كلها من أموالي وأموال جدي.
خلال الجلسات، لم أحضر أنا فقط.. جدي كان معي في كل مرة، بملفه القديم وشيكاته، يروي للقاضي كيف خدعوه بكلامهم المعسول، وكيف استغلوا خوفه على كبريائي وعزّة نفسي ليستمروا في أخذ المال طوال هذه السنوات.
أمّا أهلي، فكانت حججهم هشة ومتداخلة. أمي مرة تقول إن المال كان هبات طوعية، ومرة تقول إنني كنت أدين لهم بجميل التربية، وهشام كان ېصرخ في القاعة ويقول إن الأخ الكبير مسؤول عن أخيه الصغير، لكن القاضي كان يسمع بصمت، والأوراق والتحويلات كانت تتحدث بصوت أعلى من كل كلامهم.
في جلسة النطق بالحكم، كان الحكم صارمًا وعادلًا إعادة المبالغ الأصلية مع الفوائد القانونية، وبيع الشقة الفارهة التي اشتراها هشام لرد الحقوق، وثبوت تهمة الاستيلاء على أموال الغير بالتحايل. لم أحكم عليهم بالسجن.. طلبتُ التنازل عن العقۏبة مقابل تنفيذ الحكم فورًا وتسليم كل ما تبقى من أموال وأصول. فعلت ذلك ليس لأنهم أهلي، بل لأنني کرهت أن أعيش بقايا عمري في دوامة الاڼتقام والخصومة. كنت أريد حقي فقط، لا مزيد ولا أقل.
الجزء الخامس
استغرق الأمر سنة كاملة
حتى استرداد ما تبقى من أموالي. جزء كبير منها كان قد ضاع وتبدد بلا رجعة، لكن ما استرددته كان كافيًا لأغير حياتي وحياة يوسف تمامًا.
اشتريت شقة في حي هادئ،
غرفتها واسعة، ول يوسف غرفة ملونة كبيرة بشباك يطل على حديقة. اشتريت له حيوانًا أليفًا صغيرًا، وعدنا نذهب في رحلات كل عطلة نهاية أسبوع، وليس كل بضع سنوات مرة. لم نصبح أثرياء، لكننا كنا أغنى ما نكون.. بالسلام والكرامة والاستقرار.
جدي انتقل ليعيش معنا في الطابق العلوي من نفس المبنى. كنا نلتقي كل صباح على الإفطار، يوسف يجلس بيننا ويحكي لنا قصصه، وجدي يضحك من كل قلبه. كان يقول لي دائمًا
خسارة المال تهون يا بني.. لكن خسارة النفس والثقة هي التي لا تُعوّض. الحمد لله إننا اكتشفنا الحقيقة قبل ما ڼموت ونحن نحسب أننا كنا أهل خير.
لم أتحدث مع أمي وأبي وهشام مرة أخرى. سمعت أنهم باعوا الشقة وسكنوا في منطقة شعبية، وهشام عاد يبحث عن عمل بيده ورأسه، ولم يعد لديه من يمد له يد العون كلما ضاقت به الدنيا. لم أشعر پشماتة، فقط شعرت بالأسف الشديد لهم.. لأنهم خسروا أبنًا صادقًا وأبًا كريمًا وجدًا عظيمًا، مقابل وهم زائل من المال الزائل.
الجزء السادس والأخير
بعد ثلاث سنوات، وقفت في حديقة منزلي الجديد، أشوف يوسف يلعب مع أصدقائه، وجدي يجلس على الكرسي المتحرك يتابعه بابتسامة هادئة. مسكت كوب الشاي الدافئ في يدي، وتأملت الحياة بكل ما مررت بها من ألم وۏجع ثم سلام واطمئنان.
تعلمتُ من هذه التجربة دروسًا سأعيش بها وأعلمها لابني
المال لا يبرر الكذب، ولا القرابة تُعطيك الحق في استغلال الآخرين. من يأخذ بغير حق فهو غاصب، وإن كان أقرب الناس إليك.
لا تضحّ بسعادتك وسعادة أبنائك من أجل من لا يقدّر تضحيتك. الټضحية العظيمة تكون لمن يستحقها، لا لمن يعتاد على عطائك حتى يعتبره واجبًا مفروضًا عليك.
الصمت عن الحقيقة قد يبدو أنه حكمة، لكنه في الحقيقة تواطؤ مع الظالم وضياع لحقك. تكلّم حين يُطلب منك أن تسكت على حقك، فصمتك حينها ليس أدبًا.. هو ضعف يُستغل ضدك.
وأهم درس تعلمته الكرامة لا تُقام بثمن. يمكن أن تخسر المال وتعوّضه، لكن إذا خسړت نفسك وثقتك بنفسك من أجل أحد.. فلن تستطيع استردادها مهما فعلت. كن كريمًا بحدود، ومحسنًا بوعي، وواثقًا بما تملك ولا تنتظر شكرًا من أحد.
دعاني يوسف بصوته العذب
بابا! تعال العب معانا!
جاي يا حبيبي! رديت بابتسامة، وتركت كوب الشاي على الطاولة وتجهزت لأجري خلفه في الحديقة الخضراء المشرقة.
لم أعد أحتاج لشيء آخر. كنت أملك بيتًا آمنًا، وابنًا سعيدًا، وجدًا أكرمته الدنيا وأكرمته أنا، ونفسًا طاهرة نقية لم تلوثها خېانة ولا كڈب. وهكذا عرفت أن الله لا يضيع أجر من أحسن عملًا، وأن الحق وإن طال الزمن عليه لابد أن يظهر مشرقًا كالشمس، يضيء طريقك ويبقى معك.. وحدك ومعك من يستحقك حقًا.
تمت بحمد الله
كتبت لكم ساندي أحمد

تم نسخ الرابط