انتقام الاخ الجزء الثالث حكايات مني السيد
والپهدلة اللي عملوها، وحتى أمه وأخته اللي جابهم يقعدوا هنا، كان عشان يزهقوكي وتسيبي البيت خالص فيطفحوا الشقة براحتهم ويقلبوها حتة حتة من غير ما يشك فيهم حد. ولما ملقوش حاجة في أول سنة، بدأ يضيق عليكي الخناق عشان يطردك برة بالتوكيل المزور وياخد الشقة وضع يد ويبيعها لعاصم خاله بعقد مسجل، وبعدها يهدوا الحيطان كلها ويدوروا على اللي عايزينه براحتهم!
مريم وقفت فجأة على حيلها. العياط اللي كان في عينيها نشف. الۏجع اتحول لڼار بټحرق كل الضعف اللي كان ساكن جواها. بصت ناحية أوضة المكتب المقفولة، الأوضة اللي كان هشام قافلها بقفل حديد من تلت سنين ومانعها تدخلها بحجة إنه عاملها مخزن لكراكيبه وشغله الخاص.
المكتبة... مريم همست وهي بتشاور بصابعها هو كان قافل أوضة بابا... كان بيقعد فيها بالساعات بليل، وأنا فاكراه بيشتغل عشان يوفر مصاريف البيت...
طارق قام وقف، وقال بنبرة حاسمة تعالي معايا.
طارق مشى ناحية باب الأوضة، مسك القفل الحديد، ومن غير ما يدوّر على مفتاح، طلع من جيب الجاكيت عتلة حديد صغيرة كان مجهزها معاه، وحطها في حلقة القفل، وبضغطة واحدة من دراعه العريض، القفل طق واتكسر في ثانية.
الباب فتح بصرير قديم. ريحة التراب والورق القديم وريحة برفان أبوهم المميزة، اللي كانت لسه لاصقة في خشب الأرو، هبت في وشهم. الأوضة كانت مكركبة، كراتين مقطوعة، وأدراج مفتوحة ومبعثرة، هشام كان بالفعل حافر في كل ركن ومش سايب كتاب إلا ومقلبه.
طارق راح ناحية المكتبة الضخمة اللي واخدة الحيطة كلها. وقف قدام الرف التالت، الرف اللي كان فيه مجلدات الهندسة المعمارية القديمة بتاعة والدهم.
بابا كان دايماً يقولي الحقيقة يا طارق بتستخبى في الأساس، مش في
الديكور، طارق قالها وهو بينزل على ركبه في الأرض.
شال تلت مجلدات تقيلة، ومد إيده ورا الرف الخشب، ضغط على سوستة مخفية في البانوه الجانبي. فجأة، حتة من الباركيه اللي تحت رجل المكتبة اتحركت بمليمترات. طارق مسك طرف الخشب ورفعه.
تحت البلاطة كان في علبة صاج صغيرة، من بتاعة السېجار القديم.
طارق فتح العلبة. جواها كانت شريحة ميكروفيلم سودا صغيرة، ومعاها فلاشة حديثة مشفرة، وصور ضوئية لتحويلات بنكية بملايين الجنيهات بين حسابات عاصم المنياوي وشركات توريد وهمية في بورسعيد وإسكندرية، وتقرير مختوم من هندسة الإسكندرية بيثبت فساد خرسانات تلت أبراج سكنية.
رامي بص للورق وعينيه بتلمع الله أكبر... ده كدة عاصم المنياوي مش بس هيتحبس في قضايا فساد، ده هيتفتحله ملف جنائي في أمن الدولة پتهمة تعريض حياة آلاف المواطنين للخطړ وغسيل أموال. والملف ده يا كابتن طارق هيتقفل بيه تاريخ عيلة المنياوي كلها، وهشام هيبقى الشاهد والمتهم في نفس الوقت، ومفيش قوة على الأرض هتعرف تخرجه من تهمة الاشتراك في جناية تزوير وقتل بالتحريض لو ثبتت علاقة الحاډثة بالأوراق دي!
طارق قفل العلبة الصاج وحطها في جيب صدره الداخلي، وبص لأخته حق بابا وماما مش هيروح، وحق سنين عمرك اللي اتسرقت مش هيروح يا مريم. بكرة الصبح، المستشار فريد هيقدم الملف ده للنائب العام بنفسه، والصبحية دي مش هتطلع على عاصم المنياوي غير وهو في مكتب التحقيق، وهشام هيكون بيتعرض عليه في نفس القضية.
مريم غمضت عينيها، وخدت نفس عميق... أول نفس نضيف تحس بيه بيدخل رئتها من يوم ما أبوها وأمها سابوا الدنيا. حست كأن هم تلت سنين كان متكوم على صدرها واتشال بضغطة زرار. الكسرة، الإهانة، كلمة بهيمة اللي كانت بتسمعها كل يوم، ريحة البانيه والزيت اللي كانت بتتحرق بيه وهي بتخدم ناس معندهمش شرف ولا أصل... كل ده اتداس عليه تحت الجزم الليلة دي.
عدى تلت شهور على الليلة دي.
القاهرة في شهر مارس كانت في أحلى أوقاتها. شمس العصر كانت دافية وبتدخل من شباك بلكونة مصر الجديدة، متنقية بستارة بيضا شيفون خفيفة بتتهز مع النسمة الهادية.
الشقة كانت اتغيرت تماماً. العفش القديم بتاع حنان اللي كان مالي الصالة كآبة اتشال كله واترمى، الحيطان اتدهنت بلون أوف وايت مريح للعين، والسجادة التبريزي بتاعة مامتهم كانت اتغسلت ورجعت لمعتها كأنها لسه طالعة من الأتيليه. وعلى الترابيزة اللي في النص، كانت محطوطة فازة ورد بلدي أحمر ريحته فايحة في البيت كله، جنب صورة كبيرة للمهندس شريف وطنط هدى وهما بيضحكوا.
مريم كانت واقفة في المطبخ. المطبخ كان نضيف وبيلمع، مفيش زيت مغلي ولا قهر. كانت بتصب شاي بنعناع في مجين بورسلين شيك، وبتضحك وهي سامعة صوت مزيكا هادية جاية من الصالة؛ أسطوانة قديمة لأم كلثوم كانت مامتهم بتحبها زمان.
طلعت برة بالصينية، كان طارق قاعد على فوتيه مريح، لابس قميص كاجوال كحلي وباصص في اللاب توب بتاعه.
شاي بنعناع يا باشمهندس؟ مريم قالتها بابتسامة صافية، وشها كان رجع لونه الوردي، وعينيها بتلمع بالحياة من تاني. الهالات السودة اللي كانت تحت عينيها اختفت، وقصة شعرها الجديدة كانت مخلياها تبان بنت عندها خمسة وعشرين سنة مش تلاتين.
طارق قفل اللاب توب وابتسم تسلم إيدك يا ستي. هو في أحسن من شاي مريم في بلكونة بيتنا؟
مريم قعدت قدامه، وحطت رجل على رجل براحة واسترخاء قولي بقى، إيه آخر أخبار المحكمة؟ الأستاذ فريد كلمك النهاردة؟
طارق مسك المج ورشف رشفة، وقال بنبرة مليانة هدوء ونصر
فريد باشا لسه قافل معايا من نص ساعة.
محكمة جنايات شمال القاهرة أصدرت حكمها النهائي النهاردة في الشق الأول من القضية.
مريم بصتله بتركيز حكموا بإيه؟
عاصم المنياوي خد خمستاشر سنة سجن مشدد مع الشغل والنفاذ، وغرامة مية وخمسين مليون جنيه ومصادرة أصول شركاته كلها. وهشام خد عشر سنين سجن مشدد پتهمة التزوير واستعمال محرر مزور والرشوة والاشتراك في إخفاء أدلة جنائية. وطبعاً، حكم الطلاق للضرر بتاعك صدر الأسبوع اللي فات ومعاه صيغة تنفيذية كاملة بمؤخر الصداق والنفقة والمتعة وحقك في الشقة اتسجل في الشهر العقاري باسمك وباسمي بقرار قضائي غير قابل للطعن.
مريم سكتت لحظة، بصت لصورة أهلها اللي على الترابيزة، وقالت بهمس وأمه وأخته؟
طارق ضحك بسخرية خفيفة أمه شقتها القديمة اللي في المطرية اتفتحت ورجعوا يقعدوا فيها بعد ما اتفضحت ڤضيحة السنين في العمارة هنا وفي منطقتهم. شيماء خطيبها سابها أول ما اسم أخوها نزل في الجرايد، وحنان بتلف على المحاكم والمحامين تشحت عشان تقدم نقض ومحدش راضي يمسك القضية لأنها خسرانة ومقفولة بالضبة والمفتاح. الدنيا لفت يا مريم، واللي كانوا مفكرين نفسهم أسياد وبيذلوكي بلقمتك، بقوا مش لاقيين حد يسلم عليهم في الشارع.
مريم اتنهدت تنهيدة طويلة، كان فيها راحة مكنتش حست بيها من سنين سبحان المنتقم الجبار... يمهل ولا يهمل. كنت فاكرة إن حقي ضاع، وكنت بقول ربنا ناسيني.
طارق مد إيده وطبطب على إيدها، شاف أثر الحړق بتاع الزيت كان خف خالص ومبقاش باين منه غير خط رفيع جداً ربنا مبيسبش حد يا مريم، بس كل حاجة بتيجي في وقتها. كان لازم العقدة تلف وتتحبك عشان لما تتفك، تتقطع من جدورها ومحدش يقدر يقربلك تاني.
طارق سكت شوية، وبعدين طلع من جيبه مفتاح عربية صغير، ورماه في حجرها وده بقى بمناسبة عيد ميلادك التلاتين اللي فات، اللي الكلب ده كان بيتريق عليه.
مريم بصت للمفتاح بذهول طارق! إيه ده؟!
عربيتك الجديدة تحت، واقفة قدام العمارة. ومن بكرة، استقالتك من شركة المحاسبة اللي كنتِ مطحونة فيها هتتقدم. إحنا هنفتح مكتب الاستشارات الهندسية والمحاسبية بتاع بابا من جديد، وهتديريه إنتِ معايا. كفاية خدمة في شغل الناس، إنتِ هنا صاحبة ملك وصاحبة شغل.
الدموع لمعت في عينين مريم، بس المرة دي كانت دموع فرح وامتنان. قامت من مكانها، وراحت حضنت أخوها من ضهره وهو قاعد، وحطت راسها على كتفه ربنا يخليك ليا يا طارق... أنت مكنتش بس أخ، أنت كنت السند اللي ربنا بعتهولي في أصعب لحظة كنت ھموت فيها.
طارق مسك إيدها وباسها إنتِ عرضي وشرفي يا مريومة. وابن شريف وهدى ميسيبش دمه ولا يفرط في حقه أبداً.
الشمس كانت بدأت تغرب، والسما فوق مصر الجديدة اتحولت للون برتقالي هادي. النور كان مالي البيت كله، وصوت فيروز كان طالع من الراديو بيغني أنا عندي حنين... ما بعرف لمين.
مريم بصت من البلكونة، شافت الشارع اللي كانت بتبص عليه وهي بټعيط في عز البرد، شافت العربيات والناس... بس نظرتها للمكان اتغيرت. البيت رجع بيتها، وحياتها رجعت في إيدها، والماضي اتقفل عليه بالضبة والمفتاح، زي ما اتقفل على هشام في زنزانته الضلمة ورا القضبان.
النهاية