لو اشتريت لي جاتوه هحكي لك
المحتويات
البريد الإلكتروني القديمة. رسائل شريف كانت دائمًا ما تصلها باللغة العربية، أما الرسائل الأصلية باليابانية فكان يرفقها كملفات لا تفتحها عادةً، مكتفية بترجمته. الليلة، وبمساعدة أحد المواقع الإلكترونية للترجمة، فتحت الرسالة الأولى التي تحدثت عن الرسوم الإدارية.
ذهلت تمامًا.
النص الأصلي يقول بوضوح نرجو توضيح ما إذا كانت الرسوم التنسيقية المذكورة من جانبكم مدرجة في السعر أم تُدفع بشكل منفصل لجهات خارجية، ونؤكد من جانبنا أننا لا نتحمل أي تكاليف إضافية غير المتفق عليها في العرض الأساسي.
يعني الشركة اليابانية نفسها كانت تستفسر عن هذه الرسوم، ولم تطلبها! وشريف هو من حول الكلام ليبدو وكأنه تكلفة مفروضة منها عليهم!
جلست على كرسيها، والعرق البارد يتصبب من جبينها. لم يكن الأمر مجرد سړقة؛ لقد كان مخططًا محكمًا. شريف استخدم ثقتها، واستخدم حاجز اللغة، ليخلق بندًا وهميًا يقتسم قيمته مع الجانب الآخر. والمبلغ ضخم بما يكفي ليدمر استقرار سلسلة محلاتها التي بنتها بجهد سنوات طويلة.
أمسكت بهاتفها، وكادت تتصل به فورًا، لكنها توقفت. الصوت الداخلي فيها قال لها لا تظهري أنكِ عرفتِ شيئًا. التسرع سيضيع عليكِ كل شيء.
أغلقت هاتفها، وبدأت ترتب خطتها في صمت تام. أول شيء تحتاجه هو دليل دامغ يثبت أن شريف كان شريكًا في هذه المؤامرة، وليس مجرد خطأ غير مقصود في الترجمة. وثاني شيء يجب أن تتأكد من أن الشركة اليابانية ليست متورطة بالكامل، وأن الأمر لا يخص اثنين من الموظفين فقط استغلا موقفهما.
خرجت من المكتب عند الفجر، والهواء البارد لصباح الجمع يلامس وجهها. لم تذهب إلى البيت؛ ذهبت مباشرة إلى نفس المكان الذي قابلت فيه يوسف البارحة. لم يفتح المكان بعد، فجلست على مقعد في الحديقة المقابلة، بانتظار أن يفتح صبري أبوابه. كانت تعلم أن اليوم هو يوم الموعد المحدد للتوقيع النهائي، والوقت يدق بسرعة مخيفة.
الجزء الثالث
الساعة الثامنة صباحًا، رأت صبري يفتح الأبواب ويبدأ في ترتيب المكان. بعد دقائق، ظهر يوسف يحمل حقيبة مدرسته، ويبدو على وجهه النعاس، لكنه ابتسم فورًا حين رآها قادمة نحوه.
صباح الخير يا يوسف.
صباح النور يا فندم.. جبتلك جاتوه تاني؟
ضحكت رغم ثقل قلبها
مش جاتوه النهاردة يا يوسف.. جيت أطلب منك مساعدة كبيرة. وأنت الوحيد اللي تقدر تساعدني فيها.
جلست مع صبري ويوسف على طاولة جانبية. أخبرتهما بكل ما اكتشفته، ولم تخفِ شيئًا. صبري كان مصدومًا تمامًا
يعني الولد كان صادق؟ ده شريف كان بيحط نفسه في مكانة ابن الأصول والأمين قدامك كل الوقت!
عشان كده محتاجة مساعدة يوسف. محتاجة أتأكد من حاجتين أولاً هل الجملة اللي سمعها تتطابق مع ما وصلني في الرسائل؟ وثانيًا.. هل أقدر أحصل على دليل يثبت أن الاتفاق كان بينهم شخصيًا؟
فكر يوسف بتركيز، ثم قال
السيد تاكيدا والسيد موري.. هما اللي جوا الاجتماع كل مرة صح؟ السيد تاكيدا كبير، والسيد موري أصغر وبيتكلم كتير؟
تمامًا.
ممكن أجيبلك كلام مظبوط لو سمعتهم يتكلمون مرة تانية. بس إزاي؟ هم مش هيتكلموا قدامي تاني.
هنا تذكرت فريدة شيئًا مهمًا. الاجتماع الأخير كان مسجلاً بصوتيًا على هاتفها، كعادتها في كل اجتماع مهم، لكنها لم تستمع إليه أبدًا، اكتفت بملخص شريف المكتوب. أخرجت هاتفها وفتحت التسجيل. كان الصوت واضحًا، لكن اللغة اليابانية سريعة ومعقدة.
بدأت تشغله لليوسف، مقطعًا مقطعًا. صبري كان يتابع بتركيز، ويوسف كان يغمض عينيه أحيانًا ليركز على النطق، ثم يفتح دفتره الصغير
ويكتب الكلمات وحسب فهمه لها. استمر الأمر لأكثر من ساعتين. حين انتهى، كان أمام فريدة صفحة كاملة من الكلمات والترجمة الحرفية التي تثبت بما لا يدع مجالاً للشك أن شريف كان يحذف ويغير معاني الجمل عمدًا، وأن موري وتاكيدا كانا يتفقان معه على إخفاء حقيقة أن الزيادة هي عمولة شخصية لهم الثلاثة، وليست تكلفة رسمية.
كان الدليل قائمًا، لكنه ليس كافيًا للمحكمة. هم سيقولون إن مجرد اختلاف في الترجمة أو سوء فهم. تحتاج إلى دليل مادي، دليل يربط شريف بالمال أو بالاتفاق المباشر معهم.
قامت فريدة بالاتصال بمحاميها الخاص، الأستاذ كمال. لم تذكر التفاصيل كاملة في الهاتف، طلبت منه فقط أن يكون جاهزًا مع وصول العصر، وأن يجهز فريقًا قانونيًا متكاملاً. ثم اتصلت بشريف. رد عليها بسرعة كالمعتاد
صباح الخير يا فريدة.. جاهزة للعقد النهائي؟ الساعة العصر في الفندق تمام؟
تمام يا شريف.. بس حبيت أطلب منك خدمة سريعة. محتاجة ملف المراسلات كامل من أول يوم، عشان أرفعه للإدارة المالية قبل التوقيع، وبيقولولي فيه بعض التفاصيل المفقودة عندي. ممكن ترسله لي كامل؟
طبعاً طبعاً.. سأرفعه لك خلال ساعة. لا تقلقي، كل حاجة تمام.
أغلقت الهاتف، وعرفت أن هذه فرصتها الأخيرة. إذا أرسلها الملف، قد يكون قد حذف أو عدل الرسائل التي تثبت تورطه. لكنها كانت تعرف شيئًا واحدًا الرسائل الإلكترونية لا تختفي تمامًا، وهناك دائمًا نسخ يمكن استرجاعها.
في تمام الساعة العاشرة صباحًا، وصلتها رسالة بريدية تحتوي على ملف مضغوط يحمل اسم المراسلات الكاملة. فتحتها، وكما توقعت، كانت هناك رسائل مفقودة، وتواريخ غريبة لبعض الملفات. ابتسمت لأول مرة بابتسامة حازمة لقد أخطأ شريف حين اعتقد أن الملف المعدل هو نهاية الطريق.
ذهبت إلى مكتبها، واستدعت موظف تكنولوجيا المعلومات المختص، وطلبت منه استرجاع أي بيانات محذوفة أو تعديلات حديثة على الملفات والبريد الإلكتروني لشريف منذ تعيينه. الشاب بدأ العمل فورًا، بينما فريدة كانت تعد خطتها للموعد القادم.
كان عليها أن تلعب دور الجاهلة حتى اللحظة الأخيرة. أي خطأ الآن، وسيفر هاربًا، وسيصعب إثبات التهمة.
في تمام الساعة الثانية ظهرًا، ظهرت النتائج. هناك رسائل محذوفة بين شريف وموري، تتحدث صراحة عن تقاسم المبلغ، وتفاصيل الحسابات البنكية التي سيدفع إليها نصيبه. لم يكتفِ شريف بتغيير الكلام؛ لقد أثبتت الرسائل أنهم كانوا على اتصال مباشر خارج نطاق العمل، ويتفاوضون حول نسبة كل منهم.
وضعت فريدة كل الأدلة في حقيبتها، وأخفت نسخًا متعددة في أماكن مختلفة. ودعت صبري ويوسف، وشكرتهما بدموع في عينيها، وأعطت ليوسف بطاقتها قائلة له
أنت سبب ما بدأت أعرف الحقيقة. لو كان عندك أي مشكلة في الدراسة أو محتاج أي مساعدة في أي وقت، اتصلي بي مباشرة. وعد مني.
يوسف ابتسم بابتسامة صادقة
ربنا ينجحك يا فريدة. كن حذرة، شريف شكله مش كويس من جوا.
كلمات الطفل كانت كالنذير، لكنها مضت في طريقها، عازمة على استرداد حقها وحماية عملها الذي تعب فيه سنوات طويلة.
الجزء الرابع
وصلت إلى الفندق الذي حددوه للاجتماع قبل نصف ساعة من الموعد المحدد. طلبت من مدير العلاقات في الفندق توفير غرفة مجاورة، وقالت له سأجري اجتماعًا مهمًا، وأريد تسجيلًا صوتيًا ومرئيًا للغرفة من أجل الحفاظ على حقوق الطرفين في العقد. لم يعترض، وثبّت الكاميرات وجهاز التسجيل بحيث يكون غير مرئي، وأكد لها أن كل شيء سيسجل بدقة.
عند الساعة الرابعة عصرًا، وصل شريف ومعه موري وتاكيدا. بدا موري متوترًا قليلاً، أما تاكيدا فكان يبدو هادئًا وواثقًا، وكأنه لم
يرتكب أي خطأ.
تبادلوا التحيات، وجلسوا حول الطاولة المستديرة في الغرفة المطلة على النيل.
أهلاً بكم جميعًا قالت فريدة بنبرة هادئة واثقة شكرًا لحضوركم. كنا على وشك إنهاء التوقيع اليوم، لكنني صادفت
متابعة القراءة