لما مديرها اتهمها بالسرقة وطردها
يأخذ كل حاجة. ويسرا جت وغيّرت عليه.. قالتله إنني خرفت وإن كلامي مش مهم.. بدأت تقفل عليّ الباب وتمنع الناس تدخل عليّ.. ولما شافتك بتجلسي معايا خاڤت تكتشفي الحقيقة.. عشان كده لقت الفلوس في الدرج واتهمتك بالسړقة.. كانت عايزة تخلص منك قبل ما تعرفي حاجة.
دق جرس الهاتف القديم على المنضدة بجانب السرير. الحاجة دولت مدته لكريمة
ردي.. ده المحامي طلعت.. هو مستني اتصال
مني من فترة طويلة.
اتصلت به كريمة، وبعد دقائق قليلة، كان صوت المحامي واضحاً وهادئاً على الطرف الآخر
أنا عارفة إنك بتسمعني يا سيد طلعت.. الحاجة دولت معايا وبتقول لي أقرأ لك الجملة الأخيرة في وصيتها إذا مرضت ولم أجد من يزورني ويؤنسني إلا غريبة عني، فكل ما أملك يذهب لمن أضاء وحدتي في ظلمتي الأخيرة. والآن.. أريدك أن ترسل مندوبك إلى العنوان ده فوراً.
أغلقت الهاتف، ونظرت كريمة للعجوزة بدمع في عينها
يعني إيه الكلام ده؟ مش معقول.. ده كل حاجة لطارق!
طارق أثبت إنه مش أهل للثقة ردت العجوزة بكل حزم أنتِِ جيتيني بابتسامة ما حدش بيجيبهالي بيها من سنين. أنتِِ سمعتيني حين نسوني الدنيا كلها. المال ده مش هيروح لبناتك يدرسوا ويخدموا الناس زي ما تحبي؟ والبيت ده مش هتبقي سيدة فيه وتفتحي الأبواب لكل ست محتاجة؟
الجزء الرابع
نزلت كريمة السلالم ببطء، الشنطة في إيدها، والدفتر مفتوح على الصفحة الأخيرة. طارق ويسرا كانا واقفين في الصالة بانتظارها يبتسمان بسخرية متوقعة. لما شافوها نازلة بالشنطة القديمة، ضحكت يسرا بصوت عالٍ
وأخيراً.. هل كنتِ بتسرقي دهب قديم كمان؟ هاتي شوف إيه اللي معاكي!
كريمة وقفت في منتصف الصالة، ووضعت الشنطة على الطاولة الرخامية ببطء شديد
أنا مش مسروقة يا فندم.. بس جيت أقولكم كلمة واحدة قبل ما أمشي.
فتحت الدفتر، ورفعت الصفحة لفوق ليشوفوها
طارق باشا.. يسرا هانم.. أريدكم تقرؤا الكلام ده كويس.
نظر طارق للورقة، وتغير لون وجهه تدريجياً حتى أصبح شاحباً كالورق. يسرا اقتربت بقلق، ولما قرأت الاسم والتوقيع صړخت بصوت مړعوپ
إيه ده؟! يعني إيه كل الأصول باسمها؟ ده مستحيل! أنتِ بتكذبي!
في نفس اللحظة، دق جرس الباب بقوة. لما فتحته يسرا، وجدت نفسها قدام رجلين بملابس رسمية
أنا المحامي طلعت زهران. معي خطاب موثق من السيدة دولت يوسف يسحب جميع الصلاحيات والوكالات من السيد طارق فؤاد، وينقل ملكية الفيلا وجميع الأصول إلى السيدة كريمة حسن بموجب وصية سارية المفعول. لديكم ٤٨ ساعة لمغادرة المكان بكل احترام.
طارق تهاوى على أقرب كنبة، وقال
بصوت مهزوز
أمي.. هي كويسة؟ ممكن أتكلم معاها؟ أرجوكِ قوليلي إنها مجرد سوء فهم!
كريمة ردت بهدوء
الحاجة دولت بخير.. بس هي قالتلي تقولك كلمة واحدة يا بني.. المال اللي بيشتري فيه قلبك على أمك مش بيبقى مال، بيبقى لعڼة تتبعك طول عمرك. لما افتكرت إنك تقدر تشتري كل حاجة بالفلوس، خسړت أغلى ما تملك نفسك وأمك. هي مش طرداك يا طارق.. هي بس قالت إن البيت ده ما ينفعش يسكنه من نسى إنه كان صغيراً بيحضن فيه أمه.
الجزء الخامس
غادروا الفيلا في اليوم التالي بوجوه منكسرة، يحملون حقائبهم فقط دون أي شيء آخر. لم تنظر لهم كريمة پشماتة، بل شعرت بالحزن عليهم أكثر من أي شيء آخر. بقيت هي والحاجة دولت في الفيلا الكبيرة، لكنها لم تعد كبيرة ولا مخيفة كما كانت من قبل. أضاءت كل الغرف المقفولة، وفتحت الشبابيك ليدخل الشمس والهواء لكل ركن.
اتصلت كريمة ببنتها مريم
تعالي يا روحي.. عندي لكي مفاجأة.. بيتنا بقي كبير ومشرق، وجدة عظيمة بتستناك بكل حب.
بعد أسابيع، حولت كريمة الطابق الأرضي لملجأ صغير للنساء المسنات اللاتي تعيشن بمفردهن، حيث يجدن الرفاه والونس والاهتمام. والحاجة دولت كانت تجلس في الصالة الرئيسية تستقبل الضيوف بابتسامتها الدافئة، وتحكي لهم قصص حياتها وحكمة الأيام.
وذات مساء، جاء طارق على الباب. كان بملابس بسيطة، مظهره متعب لكن عينيه تحملان صدقاً لم نره فيه من قبل. قال بصوت خاڤت
ممكن أزور أمي؟ مش عايز شيء غير أني أشوفها وأعتذر منها.
سمحت له بالدخول. جلس بجانب أمه، مسك إيدها وبكى كطفل صغير
سامحيني يا أمي.. كنت أعمى.. كنت فاكر الفلوس هي كل حاجة.. خسړت نفسي وخسرتكِ.. أرجوكِ قوليلي إنكِ تسامحيني.
الحاجة دولت مسحت دموعه بإيدها المرتعشة
أنا سامحتك من زمان يا بني.. الباب كان دائماً مفتوحاً.. أنتِ اللي كنت تقف بعيد باختيارك. تعالَ.. خد مكانك على السفرة.. العيلة بتتجمع الليلة، ومفيش مكان أغلى من مكانك بينا.
الجزء السادس
مرت السنوات، وأصبحت الفيلا عنواناً للخير والتراحم. مريم تخرجت من كلية التمريض وتعمل في العيادة الملحقة
بالملجأ، وكرمة تدير العمل بحكمة وطيبة، والحاجة دولت تعيش أيامها الأخيرة محاطة بمن يحبها حقاً. طارق عمل مديراً لمشروعات خيرية أسستها كريمة، وتعلم أن القيمة الحقيقية للإنسان ليست فيما يملكه، بل فيما يقدمه للآخرين.
وفي يوم من الأيام، وبينما كانت كريمة تجلس بجانب الحاجة دولت في الحديقة المزهرة، قالت لها العجوزة بصوت هادئ ومرتاح
تعرفين يا بنتي.. أنا ما وهبتكِ المال لأنه كان معي.. وهبتكِ إياه لأنه كان معكِ أنتِ. لأنك عرفتي أن أغنى ما في الدنيا ليس الذهب ولا العقارات.. بل قلب صادق يسمع حين ينسى الناس السمع، ويد حانية تمتد حين تغلق الأبواب في وجوه الناس.
ټوفيت الحاجة دولت بسلام في تلك الليلة، نائمة بابتسامة على وجهها، وبين يديها صورة قديمة لزوجها والصورة الجديدة التي التقطتها العائلة الكبيرة عائلتها الحقيقية في حديقة الفيلا. لم يبكِ أحد بحزن يائس، لأنهم جميعاً شعروا أنها لم تذهب بعيداً، بل عاشت في كل خير يُفعل في هذا المكان.
عرف الجميع بعد ذلك أن العدالة قد تأتي متأخرة، لكنها تأتي دائماً. وأن أكرم الناس ليس من يملك المال، بل من يملك القلب الذي يعطي دون حساب، واليد التي تمتد دون انتظار مقابل. وأن البيت الحقيقي ليس المكان الذي تسكن فيه.. بل المكان الذي يسكنك فيه الحب والاحترام والكرامة.
تمت بحمد الله