حماتي ضربتني بالقلم

لمحة نيوز


أنا أتكلم بمنطق وقانون. تصبح على خير.
أغلقت الهاتف في وجهه، ولم أنتظر اتصاله مرة أخرى.
الجزء الثالث
الساعة الثامنة صباحاً يوم الجمعة، رن هاتفي بصوت متواصل. شريف، ثم داليا، ثم حماتي، ثم شريف مرة أخرى. لم أرد. كنت جالسة في شرفة بيت أهلي، أشرب قهوتي وأشاهد الشمس تشرق بسلام. وبعد ساعة، وصلتني صورة من ياسمين لافتة للبيع مثبتة على باب الشقة، ورجل الأمن والشرطة واقفين بجانبها، وشريف وأهله واقفين في المدخل بوجوه صفراء لا تصدق ما تراه أعينهم.
بعثت لي ياسمين رسالة صوتية ضاحكة ومليئة بالانتصار
شيرين، الحكاية
كلها في فيلم! لما قرأت لهم العقد وقلت لهم إن المالك الجديد عايز يتسلم المكان خلال 48 ساعة، فوزية صړخت وقالت إنتِ مچنونة، البيت بتاع ابننا! فقلت لها البيت مسجل باسم السيدة شيرين وحدها من قبل زواج ابنكم، والعقد موثق في الشهر العقاري. أنتم هنا بلا عقد إيجار ولا إذن إقامة قانوني. لو لم تخرجوا خلال يومين، سنضطر لاستدعاء الإجراءات القانونية لإخلاء المكان قسراً. داليا كانت تبكي وتقول ومن وين هنيجي ببيت دلوقتي؟! وشريف كان صامتًا تماماً، وجهه أبيض كالورق، عيناه بتدوران في الحيطان كأنه لأول مرة يشوفها بحقيقتها.
كتبت لي شريف رسائل طويلة، أولاً الڠضب والټهديد، ثم التوسل والبكاء، ثم اللوم والعتاب كيف تبيعين بيتي من ورائي؟ كيف تدمرين عائلتنا؟ أنتِ قاسېة القلب جداً يا شيرين. رديت عليه برسالة واحدة فقط
البيت لم يكن بيتك أبداً. بيتك هو المكان الذي تحميني فيه وتحترمني. منذ ضړبتني أمك وأنت سألت عن القهوة، فقدتَ حقك في أن تكون لك بيت عندي. بعتُ الشمس لأعيد بها حياتي التي ضاعت مني. المال سيعوضني، لكن احترامي لنفسي كان أغلى ثمناً دفعته هنا. أتمنى لكم بيتاً دافئاً تبنونه بتعبكم أنتم، وليس على حساب غيركم.
الجزء الرابع
مرت الأيام الثلاثة التالية بثقل وضجيج. نقلوا أثاثهم في شاحنة صغيرة استأجرواها بقلق، وتنقلوا بين بيوت الأقارب لعدة أسابيع، حتى استأجروا شقة صغيرة في منطقة بعيدة وبإيجار يأكل جزءاً كبيراً من راتب شريف. علمت أنه اضطر للعمل في وردية إضافية لتغطية المصاريف، وأن داليا اضطررت للبحث عن عمل حقيقي لأن أموال مشروعها لم تعد تكفيها، وفوزية أصبحت تجلس طويلاً بصمت لأنها لم تعد تجد من يخدمها ويطيع أوامرها. لم أشعر پشماتة، بل بحزن عميق عليهم.. ليس لأنهم خسروا البيت، بل لأنهم خسروا أنفسهم وهم يظنون أنهم يمتلكون شيئاً لم يكن لهم أبداً.
اشتريت شقة أصغر وأجمل، في مكان هادئ، واخترت لها أثاثاً بذوقي أنا فقط. كل قطعة فيها لي، كل باب أفتحه لي، كل جدار يحميني أنا ومن أهتم به. لم أحتج لخادمة، ولم أحتج
لضيوف ثقال يأتون ويذهبون بلا دعوة. أطبخ لمن أحب فقط، وأجلس في صالوني حين أريد، وأغلق باب غرفتي حين أريد. لأول مرة في حياتي، أشعر أنني في بيتي حقاً.
وذات يوم، وأنا في طريقي للعمل، التقيت بداليا في محطة المترو. كانت تحمل حقيبة عمل، ملابسها بسيطة، ومظهرها مختلف تماماً عن تلك الفتاة المتكبرة التي عرفتها. ترددت ثم اقتربت مني بخجل
شيرين.. ممكن أتكلم معاكِ دقيقة؟
وقفت بكل هدوء
تفضلي.
أنا آسفة.. كنتُ سيئة معاكِ جداً. كنتُ أستغلكم وأعيش على حسابكم دون ذنب منكِ. شريف كان يخبرنا أنكِ مسؤولة عن البيت وأن واجبكِ تخدمينا.. لم أعرف أن كل قرش وكل تعب كان منكِ وحدكِ. واليوم أعرف معنى الكرامة.. لأنني عشتُ بلاها سنوات طويلة.
لم أحتقنها، بل قلت لها بصدق
سامحتكِ يا داليا. الحياة علمتكِ الدرس بطريقة مؤلمة، لكن الأهم أنكِ تعلمتِ. اجتهدي واعتمدي على نفسك، فهذا أجمل ما في الحياة.
ودعتني ودمعة في عينها، ومضت في طريقها. أما أنا، فمضيت في طريقي وأشعر بسلام عميق يملأ صدري.
الجزء الخامس
بعد ستة أشهر، اتصل بي شريف مرة أخرى. صوته مختلف، هادئ ومتعب، بلا صوت العناد الذي كنت أسمعه دائماً
شيرين.. أيمكن أن نتقابل؟ أريد أن أتحدث معكِ بكل جدية واحترام، ولن أطلب منكِ العودة.
التقينا في مقهى هادئ بعيد عن منطقتنا. بدا أصغر سناً وأكثر نضجاً، عيناه تحملان أثر ليالٍ طويلة من التفكير
جئت لأعتذر.. لا لأبرر نفسي، ولا لأطلب منكِ شيئاً. كنتُ ضعيفاً جداً أمام أمي، وجباناً أمام المواجهة. كنتُ أظن أن الرجولة هي أن أجعل زوجتي تتنازل لترضى أمي، ولم أعرف أن الرجولة الحقيقية هي أن أحميكما الاثنتين من بعضكما، وأقف بجانب الحق مهما كان الثمن. لقد خسرتُ أغلى ما أملك بيديّ، وأعرف أن الاعتذار لا يعيد الماضي، لكنني أردت أن تعرفي أنكِ غيرتِ مسار حياتي كلها.. سأعيش بقية عمري وأحاول أن أكون الرجل الذي كان يجب أن أكونه، وإن لم يكن لكِ نصيب في ذلك.
شكرته على صدقه، وتمنيت له التوفيق بكل صدق، ثم ودعته. لم يكن
هناك كراهية بيننا، فقط طريقان تفرقا، وكل واحد منا يسير في اتجاهه.
الجزء السادس
مرت السنين، وأنا اليوم في مكانة لم أتخيلها. أدرس عملاً جديداً، أسافر، أتعلم، ألتقي بأصدقائي، وأقضي وقتاً ثميناً مع أهلي. بيتي مفتوح لمن يستحق الدخول إليه، وبابي مغلق بإحكام أمام من لا يقدر قيمتي. تعلمت أن البيت ليس الجدران والأسقف، بل هو الشعور بالأمان والاحترام. تعلمت أنكِ لستِ ملزمة بأن تكوني ضحېة لكي تكوني طيبة، وأن الحب الذي يطلب منكِ التنازل عن كرامتك ليس حباً على الإطلاق.
أحياناً يمر ببالي صورة ذلك اليوم، صوت الصڤعة، صمته، كلماته التي كسرتني. لا أشعر بالألم حينها، بل أشعر بالامتنان.. لأن تلك اللحظة كانت نقطة التحول التي استيقظتُ فيها وأدركت أنني أملك القرار، وأن قانوني وقوتي وحقي أقوى من أي تجاوز أو غرور.
أيها النساء، لا تسمحوا لأحد أن يخبركم أن كرامتكم ثمنها السكوت. لا أحد يملك الحق أن يخدش وجهكم أو يجرح مشاعركم ثم يقول لكم اصبري من أجل العيلة. العيلة التي لا تحترمكِ ليست عائلتكِ، والبيت الذي لا تشعرين فيه بالأمان ليس بيتكِ. بيتكِ حيث يُسمع صوتكِ، حيث يُقدّر تعبكِ، حيث تُحترم حدودكِ. وحين لا تجدين ذلك.. امشي بكل هدوء، فأنتِ تمتلكين أنتِ أغلى بيت في الدنيا نفسكِ.
تمت بحمد الله

تم نسخ الرابط