تمن الراحة الجزء الثاني حكايات مني السيد
الفصل الثالث والأخير
السكوت اللي نزل على الصالة بعد كلمتي دي كان يقطع پسكينة تلمة. حماتي كانت واقفة بوقها مفتوح وعينها مبرقة، كأنها مستنية إني أدخل أترمي على رجلها وأبوس راسها زي ما كنت بعمل زمان لما تزعل من أتفه سبب. حمايا، عمي منصور، رفع راسه بالراحة، وبصلي بصه فيها خليط غريب من الإحراج والكسوف، ووطى صوته وقال اقعدي يا ولاء يا بنتي، عيب الكلام ده.. إحنا أهل وميصحش اللي بيحصل في بيوتنا يتنشر على حبال الغسيل كدة.
أنا مفرشتش حبال غسيل لحد يا عمي منصور، قولتله وأنا بقرب وبقعد على كرسي السفرة المفرد، حاطة رجل على رجل وفاتحة جاكيت البدلة الفورمال بكل روقان أنا بس ريحتكم من النكد والدراما اللي كنتوا بتقولوا إني بفتعلها. مش كلكم كنتوا مقتنعين إني عايشة ملكة زماني، باكل وبشرب ومريحة ع السرير، والبيت ده بيمشي نفسه بالبركة؟ أهو بقى.. بقالكم يدوبك أربع وعشرين ساعة بس ماسكين الدفة، مالكم كدة كأنكم طالعين من حاډثة قطر؟
الست فوزية مجاتش على هواها نبرة الهدوء بتاعتي دي، دي ست بتتغذى على العياط والولولة، فلما لقتني باردة، اتعصبت أكتر وصوتها شق الشقة شوفي البجاحة وقلة الحيا! ابني مهندس أد الدنيا، يتصل بيه مديره الصبح يبهدله ويخصم له تلت أيام عشان منزلش الميتنج بتاع البروجكت، والواد الصغير يضيع عليه يوم دراسي كامل ويفضل من غير فطار لحد العصر عشان الهانم سايبة بيتها ورايحة تتمايص في المعادي؟! هي دي الأمانة اللي ائتمنك عليها ربنا يا شيخة؟!
بصيت للست فوزية من فوق لتحت، ومن غير ما أرفع صوتي ربع درجة يا طنط فوزية، أحمد من تلت سنين وهو بينزل شغله في ميعاده، قميصه مكوي، فنجان قهوته جنبه، ساندوتشاته في شنطته، وابنه نازل قبله بربع ساعة لابس شوز نضيف ومسرح شعره ومخلص واجبه. تلت سنين أحمد ميعرفش ميعاد ولا باص مدرسة، ولا ميعاد تطعيم، ولا دكتور أطفال، ولا بيشيل هم تلاجة فاضية ولا بيت مقلوب. تلت سنين كان بيطلع السلم يلاقي لقمة سخنة وهدوم مغسولة وممسوحة بريحة الداوني.. كل ده كان بالنسبة لحضرتك وليه قعدة بيت ومبلطة ولا شغلة ولا مشغلة. هو بس يوم واحد، يوم واحد حس فيه بربع اللي كنت بشيله كل دقيقة.. جراله إيه؟ شغله باظ، والواد مقدرش يلبسه، والأكل ملقاش ياكل. يبقى مين فينا اللي كان شايل التاني؟ ومين فينا اللي كان عايش على قفا التاني؟
أحمد وشه كان بيجيب ألوان. كان واقف ورا كرسيه، ساند بإيديه الاتنين على الضهر، صوابعه كانت مبيضة من كتر ما هو ضاغط عليها پعنف. اتكلم وصوته فيه رجفة غيظ إنتي عايزة تصغّريني قدام أهلي يا ولاء؟ فرحانة باللي بتعمليه؟ جاية تفرجي عليا أمي وأبويا وتقولي مبيعرفش يربي ولا
يدير بيت؟
إنت اللي صغرت نفسك يا أحمد يوم ما ضحكت لابنك وهو بيهين أمه ويقولها ده فقر ونحس إني وقعت فيكي، رديت عليه وأنا باصة في عينيه ومفيهاش دمعة واحدة إنت اللي صغرت نفسك يوم ما سمحت لأمك تقولي فتافيتك وملاليمك متسواش، وإنك بتشحت عليا وإني عايشة بفضلك. أنا مهندسة زيك، متخرجة بنفس التقدير ومن نفس الكلية، وكنت شاطرة وناجحة أكتر منك، وقعدت عشان مصلحة ابنك مش عشان سواد عيونك. ولما قررت اشتغل عشان أسند معاك في الغلا ده، استكترتوا عليا التعب واستكترتوا عليا الكلمة الطيبة.
عمي منصور خبط كفه على ركبته وقال بنبرة عتاب حقيقية لابنه الكلام ده حصل يا أحمد؟ سكت لابنك يشتم أمه ويقل أدبه عليها قدامكم؟ أحمد وطى راسه في الأرض ومردش. عمي منصور بص لمراته الست فوزية، وبان على وشه الڠضب اللي كان بيكتمه سنين وإنتي يا أم أحمد، من امتى وإحنا بنعاير واحدة بمرتبها ولا بنقول على تعبها ملاليم؟ مش دي اللي لما كان ابنك بيزنق في قسط العربية في أول جوازهم كانت بتفك دهبها وتديهوله من سكات؟ مش دي اللي كانت بتجيلك المستشفى لما كان عندك المرارة تفضل سهرانة تحت رجلك تغيرلك وتنقيلك العلاج وبناتك الاتنين نايمين في بيوتهم؟ بقى ده جزاتها؟!
الست فوزية بلعت ريقها وبصت في السقف، ولأول مرة ملقيتش رد ولا عرفت تعمل مناحة، عشان عمي منصور مكنش من النوع اللي يظلم، ولما بيتكلم بجد الكل بيسكت.
في اللحظة دي، سمعت صوت حركة في الصالة، يوسف كان صحي. خرج من تحت البطانية اللي كانت مكوّمة على الكنبة، وشه كان شاحب وعينيه منفوخة من كتر العياط. مشي بالراحة، خطوة ورا خطوة، وعينه عليا. كان لابس الترنج بتاعه بالمقلوب، ورجليه حافية سقعانة. وقف قدام الكرسي اللي أنا قاعدة عليه، وشفته بدأت ترتعش ماما...
فضلت باصة له بهدوء، محاولتش أفتك ولا أقوم أحضنه زي زمان. كان لازم يتعلم الدرس، وكان لازم يعرف إن الأم مش حيطة مايلة تتشتم وتتهان وتفضل فاتحة حضنها كأن مفيش كرامة. نعم يا يوسف.
دموعه نزلت على خدوده، ومسحها بكم الترنج أنا آسف... والله العظيم آسف يا ماما. بابا وتيتا قالولي متزعلش منها دي بتزعق وخلاص، بس أنا النهاردة مروحتش المدرسة عشان معرفتش ألبس، وبابا فضل يزعقلي ويقولي مش عارف أعملك حاجة، وبطني وجعتني من الأكل اللي جابه، والبيت وحش أوي من غيرك.. متسيبنيش يا ماما، أنا مش قليل الأدب والله.
نزل على ركبه ومسك في بنطلوني، وډفن وشه في رجلي وهو بيعيط بحړقة حقيقية، عياط طفل حس إن الأمان الوحيد اللي في حياته كان هيضيع عشان سمع كلام غلط وضيع احترامه لأكتر إنسانة بتحبه في الدنيا. نزلت لمستواه، حطيت إيدي تحت دقنه ورفعت وشه
يوسف، تبص