يا قليلة الاصل بتسرقي تعب ابني
على كل شيء. عرفت قيمتكِ بعد ما خسرتكِ. وعرفت إن أمي ما كانت تحب لي الخير أبدًا، كانت تحب فقط أن أكون تابعًا لها لا إرادة لي. لقد ډمرت حياتي بيدي، وأنتِ السبب الوحيد في أنني بدأت أتغير وأفكر بتفكيري المستقل للمرة الأولى في حياتي. سأعمل على سداد كل ما عليّ من ديون، وسأبتعد عنكِ تمامًا، ولن أزعجكِ أبدًا. شكرًا لأنكِ علمتِني معنى أن يكون للإنسان كرامة وحقوق، حتى لو كان الدرس مؤلمًا ومتأخرًا.
ميرفت نظرت إليه بصدق
أتمنى لك التوفيق يا كريم. أتمنى أن تتعلم الدرس جيدًا، وأن تصبح رجلاً مسؤولاً عن قراراتك وأفعالك. ما حدش بيتغير بين يوم وليلة، لكن المحاولة هي البداية الصحيحة. سلامًا عليك.
مضى في طريقه، ومضت هي في طريقها، كل في اتجاهه، دون أن تلتفت وراءها ولو لمرة واحدة. لأن ميرفت علمت أن النظر للوراء لا يغير الماضي، لكنه بالتأكيد يعيق بناء المستقبل.
الجزء الخامس
بعد عام، أصبحت ميرفت مديرة لمكتبها الخاص للديكور والاستشارات الهندسية. عملاؤها يحبونها ليس فقط لإتقان عملها، بل لنزاهتها وصدقها واحترامها للاتفاقيات. شاركت في تصميم وتأثيث العديد من المشاريع السكنية والتعليمية، وبدأت تشارك في ورش عمل تدريبية للفتيات المقبلات على الزواج، تتحدث فيها عن حقوقهن المالية والقانونية، وأهمية الحفاظ على ممتلكاتهن وحقوقهن المشروعة.
قالت في إحدى الندوات
لا تخجلي من أن تسألي عن حقوقكِ، ولا تعتقدي أن الحب يعني أن تتخلي عن كرامتكِ أو ممتلكاتكِ. الحب الصادق لا يطلب منكِ أن تتنازلي عن ذاتكِ، بل يحفزكِ أن تكوني أفضل ما يمكنكِ أن تكوني. وإذا وجدتِ نفسكِ مضطرة للتنازل عن حقكِ لكي يستمر الحب.. فاعلمي أن هذا ليس حبًا، بل هو استغلال وسوف يأكلكِ عاجلاً أم آجلاً. احمي نفسكِ وأموالكِ وممتلكاتكِ، فهذا ليس شكًا، بل هو ضمان لاستمرار العلاقة باحترام وكرامة.
وذات مساء، زارتها الحاجة سامية ومعها طبق من الحلويات. جلستا معًا
على الشرفة تشربان الشاي، وقالت سامية بابتسامة فخورة
انظري لهذا المكان يا بنتي.. قبل سنة كان مليًا بالتوتر والخۏف، والآن هو مليء بالنور والنجاح والسلام. كل ما تفعلينه من خير سيعود إليكِ أضعافًا. والقوة التي أظهرتها في وجههم لم تكن قوة صړاخ أو عڼف، بل كانت قوة حق وثقة بالنفس، وهذه أقوى سلاح تمتلكه المرأة.
ميرفت ابتسمت بامتنان
كل هذا لم يكن ليحدث لولا وجودكِ في اللحظة المناسبة. لقد علمتِني أننا لسنا وحدنا، وأن الخير دائمًا موجود حولنا إذا ما تعلمنا أن نتمسك به. وسأظل دائمًا أتذكر أن أعين غيري كما أعانني الله بكم.
الجزء السادس
مرت السنين، وميرفت أصبحت مثالًا يُحتذى به في مجتمعها. لم تتزوج مرة أخرى، ولم تشعر بالندم أو الوحدة، لأنها امتلكت حياة مكتملة بذاتها، عملها الناجح، أصدقاؤها المخلصون، ومجتمعها الذي تحبه وتخدمه. اشترت شقة أخرى صغيرة بجانب شقتها لوالدتها لتكونا معًا، وحولت شقة جديها إلى مكتبها الخاص، حيث تعمل وتستقبل عملاءها، وفي مدخل المكتب علقت لوحة كبيرة كتبت عليها بعبارات واضحة
حقك لا يقلل منكِ المطالبة به، والكرامة لا تُقام على حساب الحق، والبيت الحقيقي هو حيث تكونين أنتِ صاحبة القرار والأمان.
وفي كل مرة تمر عليها عفاف أو شيماء في الشارع، كانتا تنحرفان في اتجاه آخر خزيًا، لأن الناس عرفوا الحقيقة، وعرفوا ما فعلوه، والسمعة السيئة التي اكتسبوها كانت عقابًا أشد من أي حكم قضائي. أما كريم، فقد سافر لمحافظة أخرى وعمل في ورشة تصليح سيارات بسيطة، محاولاً بناء حياة جديدة بعيدًا عن سيطرة والدته وأخطاء الماضي، وكتب لميرفت رسالة واحدة قبل سفره يقول فيها شكرًا لأنكِ أريتني كيف يكون الحق واضحًا كالشمس، آسف لأنني كنت عميًا طويلاً.
ولم ټندم ميرفت يومًا على ما مرت به، لأنها تعلمت دروسًا لا تُقدّر بثمن أن الصمت عن الحق ليس حكمة، وأن الهدوء أقوى من الصړاخ، وأن الأوراق الرسمية والقانونية ليست مجرد إجراءات شكلية، بل هي سياج يحميكِ حين ينهار كل شيء آخر حولك.
وظلت تقول لكل من تستمع إليها
لا تسمحي لأحد مهما
كان قريبًا منكِ أن يجعلكِ تشعرين بأن حقكِ هدية منه يمنحها لكِ أو يمنعها عنكِ. ممتلكاتكِ ليست مجرد أخشاب وأسقف وأجهزة، هي جزء من كدحكِ وتعبكِ وكرامتكِ. ومن يحبكِ حقًا، سيكون أول من يحميكِ ويحترم حقكِ، وليس أول من يطمع فيه. كوني قوية بحقكِ، واثقة بقيمتكِ، وسيمر العالم كله من حولكِ وأنتِ في أمان.
وعاشت في شقتها، شقة جديها، بأمان وسلام، لا يطرق بابها إلا من يحمل الخير والاحترام، ولم يعد أحد يجرؤ أن يقول لها كلمة لا ترضاها، لأنها علمتهم جميعًا درسًا لن ينسوه أبدًا أن المرأة حين تمتلك الحق والقانون والثقة بالنفس، لا يمكن لأي قوة في الأرض أن تنال منها.
تمت بحمد الله