اربع بلطجية

لمحة نيوز

واقف قدامه.
إنتوا إنتوا فعلًا شغالين عند أليكس؟
الرجل ردّ ببساطة
أيوه.
جاك حس إن قلبه بدأ يدق بسرعة.
لأنه كان يعرف اسم أليكس.
مش معرفة شخصية، لكنه كان سمع عنه كتير.
كان عارف إن شركته كبيرة، وإن رجاله ملتزمين، وإن أليكس نفسه معروف إنه ما بيحبش حد يستغل سلطته، لكنه كمان ما بيسيبش حد يهين الناس اللي تحت مسؤوليته.
وفجأة، فهم جاك إنهم ما اتورطوش مع صاحب مطعم غاضب.
هم اتورطوا مع ابن الست اللي قرروا يستهينوا بيها، من غير ما يعرفوا إن ورا هدوئها عيلة تقدر توصل لهم في دقائق.
محاولة أخيرة للهروب من المسؤولية!
جاك حاول يستعيد توازنه.
قال للرجل
بص، إحنا ما كناش نعرف إنها أمه. لو كنا نعرف، كنا دفعنا من الأول.
الرجل بصّ له باستغراب.
يعني لو كانت ست عادية، كان عادي عندكم تاكلوا عندها من غير ما تدفعوا؟
جاك سكت.
ريك حاول يتدخل
هو يقصد إننا ما كناش عايزين نعمل مشكلة. الموضوع كله هزار.
الرجل ردّ عليه فورًا
هي كانت بتضحك؟
ريك ما عرفش يرد.
الرجل كمل
كانت بتضحك لما طلبت منكم تدفعوا؟ ولا كانت بتحاول تفهم ليه أربعة رجالة كبار قرروا ياخدوا تعبها ببلاش؟
توم بصّ للأرض.
أما داني فقال بصوت واضح
إحنا غلطنا. المفروض كنا دفعنا من الأول.
جاك لفّ ناحيته پغضب.
إنت هتتكلم دلوقتي؟
داني ردّ عليه لأول مرة من غير خوف
أيوه، هتكلم. لأن اللي حصل غلط فعلًا.
جاك قرب منه خطوة، لكن الرجل اللي واقف قدامهم رفع إيده بهدوء، مش عشان يهدده، لكن عشان يوقف أي مشادة قبل ما تبدأ.
مفيش داعي للخناق. الموضوع بسيط. الفاتورة تتدفع، وبعدها كل واحد يكمّل طريقه.
جاك قال بعصبية
وإنتوا عايزين إيه كمان؟ اعتذار يعني؟
الرجل ردّ
الاعتذار مش لينا.
وبعدين أشار ناحية الطريق اللي جايين منه.
لو عايزين تصلحوا اللي عملتوه، تقدروا تعتذروا لماريا بنفسكم.
جاك بصّ له بحدة.
يعني لازم نرجع لها؟
محدش هيجبركم. لكن لو سألتني إيه التصرف الصحيح، هقول لك ترجعوا وتعتذروا عن الإهانة اللي حصلت.
ريك بدأ يخرج الفلوس من محفظته.
خلاص. أنا هدفع نصيبي.
جاك بصّ له باستنكار.
نصيبك إيه؟ إحنا كلنا أكلنا!
ريك ردّ
أيوه، وكلنا غلطنا.
كانت دي أول مرة ريك يعترف فيها بالموضوع من غير ما يحاول يضحك أو يبرر.
توم طلع محفظته، وداني عمل زيه.
لكن جاك فضل واقف مكانه، بيحاول يستوعب إزاي الموقف اللي كان بالنسبة له لعبة سخيفة، اتحول لمواجهة حقيقية مع ناس مش هتقبل منه نفس الأسلوب المتعالي.
في النهاية، مدّ إيده لمحفظته، وطلع المبلغ المطلوب.
حطّوا الفلوس كلها على الطاولة الصغيرة الموجودة جنب مكتب المحطة، واتأكد الرجل من قيمة الفاتورة.
كانت مية وسبعة وتمانين دولار بالضبط.
واحد من الرجالة حاول يضيف مبلغًا إضافيًا.
خدوا الباقي. اعتبروه تعويضًا عن الوقت اللي ضيعتوه.
الرجل رفض.
الفاتورة بس. إحنا مش جايين ناخد منكم أكتر من حق المطعم.
الكلمات دي خلت داني يبصّ له باستغراب.
كان متوقعًا إنهم يلاقوا مجموعة جاية ټنتقم، أو تهددهم، أو تحاول تخوفهم لمجرد إنها تقدر.
لكن اللي حصل كان مختلفًا.
رجال الأمن ما مدّوش إيديهم على حد، وما شتموش حد، وما حاولوش يستغلوا قوتهم عشان ياخدوا فلوس زيادة.
هم بس وصلوا لهم، وطلبوا منهم يرجّعوا الحق لصاحبته.
وده خلّى داني يحس بخجل أكبر من اللي كان حاسس بيه قبل كده.
لأن الرجالة اللي كانوا بيستهينوا بيهم طلعوا أكثر احترامًا منهم.
لكن أليكس كان لسه ما قالش كلمته الأخيرة!
بعد ما اتدفعت الفاتورة، الرجل المسؤول قال لهم
تقدروا تمشوا دلوقتي.
جاك تنفس براحة، وبدأ يتحرك ناحية موتوسيكلِه.
لكنه سمع صوتًا جايًا من خلفه
لحظة واحدة.
الټفت، فلقى رجلًا آخر نازل من العربية السودا، وكان ماسك موبايل في إيده.
الرجل قرب منهم وقال
أليكس عايز يتكلم معاكم.
جاك حس إن الأرض بتتحرك من تحته.
يتكلم معانا؟ ليه؟
الرجل ردّ
لأنه عايز يسمع منكم بنفسه إيه اللي حصل.
ريك قال بسرعة
إحنا دفعنا الفلوس خلاص!
عارفين. هو مش طالب فلوس تانية.
الرجل مدّ الموبايل ناحية جاك.
اتفضل.
جاك بصّ للموبايل كأنه شايف حاجة ممكن ټنفجر في إيده.
وبعد تردد، أخده.
ألو؟
جاله صوت رجالي هادي من الطرف التاني.
إنت جاك؟
جاك ردّ بحذر
أيوه.
أنا أليكس، ابن ماريا.
جاك حاول يتكلم بثقة.
أستاذ أليكس، إحنا آسفين لو حصل سوء تفاهم. إحنا دفعنا الحساب كاملًا، ومش عايزين أي مشاكل.
أليكس سكت للحظة، ثم قال
أنا مش بتصل عشان الحساب.
جاك ما عرفش يقول إيه.
أليكس كمل
أمي ست كبيرة، لكنها مش ضعيفة. وهي مش محتاجة حد يتدخل عشان يثبت لها إنها تقدر تحمي نفسها. أنا عارف ده كويس.
الكلام فاجأ جاك.
كان متوقعًا يسمع تهديدات، لكن أليكس كان بيتكلم بطريقة مختلفة تمامًا.
أمي اختارت تفضل تشتغل في مطعم صغير لأنها بتحب شغلها. كان ممكن تعيش في بيت كبير، وتجيب ناس تعمل لها كل حاجة، لكنها اختارت تفضل قريبة من الناس، وتطبخ بإيديها، وتساعد اللي محتاج.
وبعدين سأل أليكس سؤالًا واحدًا
إنتوا شفتوا ده كله، وقررتوا إنكم تستغلوا الست دي لأنها لوحدها. صح؟
جاك حاول يدافع عن نفسه.
إحنا كنا بنهزر، والموضوع خرج عن السيطرة.
صوت أليكس فضل هاديًا.
الهزار بيكون بين ناس كلهم موافقين عليه. إنك تاكل عند شخص، وترفض تدفع، وتسخر منه لما يطلب حقه، ده مش هزار.
جاك سكت.
أليكس كمل
أنا مش ههددكم، ومش هطلب من حد يلمسكم. أنتم دفعتوا الفاتورة، وده حق المطعم. لكن قبل ما تقفلوا المكالمة، عايزكم تفكروا في حاجة واحدة.
جاك قال بصوت منخفض
إيه هي؟
لو أمي كانت أصغر سنًا، أو لو كان فيه أربعة رجالة أقوياء واقفين جنبها، كنتوا هتعملوا نفس التصرف؟
جاك ما ردش.
لأن الإجابة كانت واضحة.
أليكس قال
المشكلة مش إنكم ما دفعتوش تمن الأكل بس. المشكلة إنكم اخترتوا شخصًا اعتقدتم إنه مش هيقدر يرد عليكم، وقررتوا إن ده يديكم الحق تهينوه. المرة الجاية، قبل ما تعملوا كده مع أي حد، افتكروا إن احترام الناس مش مرتبط بقدرتهم على معاقبتكم.
وبعدها قال
سلّموا على بعض، وكمّلوا طريقكم بأمان. لكن أتمنى إنكم ما تكرروش اللي عملتوه مع أي شخص تاني.
وقفل المكالمة.
جاك فضل ماسك الموبايل لثوانٍ، وبعدين رجّعه للرجل اللي قدامه.
ما كانش فيه ټهديد صريح، ولا شتيمة، ولا حتى محاولة لإذلاله.
ومع ذلك، المكالمة
كانت أثقل عليه من أي ټهديد ممكن يسمعه.
لأنه لأول مرة، حد واجهه بالغلط اللي عمله من غير ما يسيب له فرصة يستخبى ورا الضحك أو القوة أو الأعذار.
الرجوع للمطعم أصعب من المواجهة نفسها!
بعد ما العربيتين السودا اختفوا من المحطة، الأربعة فضلوا واقفين جنب موتوسيكلاتهم.
الحر كان لسه شديد، وصوت السيارات على الطريق ما وقفش، لكن محدش فيهم كان عنده رغبة يضحك أو يتكلم.
ريك كسر الصمت.
أنا مش مصدق إننا اتصرفنا بالطريقة دي.
جاك ردّ بعصبية
خلاص، الموضوع انتهى. دفعنا الفلوس، وكل واحد يروح لحاله.
توم بصّ له.
هو انتهى فعلًا؟
أيوه. هو كان عايز الفلوس، وخدها.
داني هزّ راسه.
لأ، هو كان عايزنا نفهم إننا غلطنا.
جاك ضحك بسخرية، لكنها كانت ضحكة ضعيفة.
إنت بقيت خبير أخلاق فجأة؟
داني ردّ
لا. بس أنا من الأول كنت عارف إن اللي بنعمله غلط، وسكت. وده خلاني مشارك فيه.
الجملة دي خلت توم يبصّ له باهتمام.
داني كمل
أنا شفت الست وهي بتخدمنا بنفسها. وشفتها وهي بتلمّ الأطباق، وشفتها لما طلبت الحساب. ما كانتش بتصرخ ولا بتهددنا. كانت بس بتطلب حقها. وإحنا ضحكنا عليها.
ريك تنهد وقال
أنا كمان ما كانش لازم أشارك في ده.
جاك ما ردش.
كان جواه جزء لسه عايز يبرر اللي حصل، وجزء تاني بدأ يدرك إن المشكلة ما كانتش في المطعم، ولا في ابن ماريا، ولا في رجال الأمن اللي ظهروا فجأة.
المشكلة كانت في تصرفه هو.
كان متعود إنه لما يدخل مكان، الناس تحسب له حسابًا بسبب جسمه وصوته العالي والرجالة اللي معاه.
وكان فاكر إن ده معناه إنه يقدر يتصرف زي ما يحب.
لكن الموقف ده كشف له إن فيه فرق كبير بين إن الناس تخاف منك، وبين إنها تحترمك.
ريك ركب موتوسيكلِه، لكنه ما شغّلش المحرك.
بصّ ناحية جاك وقال
أنا هرجع للمطعم.
جاك رفع عينه.
ليه؟
عشان أعتذر.
توم قال
وأنا كمان.
داني ردّ فورًا
وأنا راجع معاكم.
جاك فضل ساكتًا، ثم بصّ ناحية الطريق.
كان قدامه اختيار بسيط يمشي ويعتبر الموضوع خلص، أو يرجع ويواجه الست اللي سخر منها قدام أصحابه.
الرجوع كان هيكون أصعب عليه من دفع الفلوس، لأن الفلوس يقدر يطلعها من محفظته، لكن الاعتذار محتاج منه يعترف إنه كان غلطان.
بعد لحظات طويلة، لبس خوذته وقال
ماشي. هنرجع.
لكن قبل ما يركب، أضاف بنبرة حادة
وخلّونا نخلّص الموضوع من غير كلام كتير.
ريك ما ردش.
كان عارف إن جاك لسه بيحاول يحافظ على صورته قدامهم، لكنه كمان كان عارف إن قرار الرجوع في حد ذاته خطوة في الاتجاه الصح.
شغّلوا الموتوسيكلات، وانطلقوا ناحية المطعم مرة تانية.
وفي الطريق، كل واحد منهم كان بيفكر في حاجة مختلفة.
أما جاك، فكان بيفكر في سؤال أليكس
لو ماريا كانت أصغر سنًا، أو لو كان جنبها أربعة رجالة أقوياء، هل كان هيعمل نفس اللي عمله؟
ولأول مرة، ما قدرش يقنع نفسه إن إجابته كانت هتكون نعم.
ماريا ما كانتش مستنية حد يرجع!
في الوقت ده، كانت ماريا خلصت غسل الأطباق، وبدأت تجهّز وجبة جديدة لواحد من الزباين اللي وصلوا للمطعم.
كانت بتتحرك بين المطبخ والترابيزة، وبتسأل الزبون إذا كان عايز شوية خبز زيادة.
بعد ما خلصت، راحت ناحية صندوق النقود القديم الموجود تحت الكاشير.
حطت إيديها جوه جيب المريلة، وطلعت الفلوس اللي كانت معاها من الصبح، وبدأت ترتبها.
ما كانتش بتحسب خسارتها بسبب الرجال الأربعة.
هي عارفة إن المبلغ مش هيغيّر حياتها، وإن يومها هيكمل سواء دفعت الفاتورة أو ما دفعتهاش.
لكنها كانت عايزة تفضل قادرة تشتغل في المكان اللي بتحبه من غير ما تحس إن أي حد يقدر يدخل وېهينها لمجرد إنها كبيرة في السن.
في اللحظة دي، رنّ الموبايل.
كان أليكس.
ردّت بسرعة
أيوه يا حبيبي.
إنتِ كويسة؟
أيوه، كويسة. إنت عملت إيه؟
الفاتورة اتدفعت كاملة.
ماريا تنفست براحة.
الحمد لله.
أليكس سألها
إنتِ زعلانة؟
سكتت شوية، ثم قالت
زعلانة من تصرفهم، مش من الفلوس.
عارف.
كنت أتمنى إنهم يفهموا إنهم غلطوا من غير ما يحتاجوا يعرفوا أنا أم مين.
أليكس ابتسم رغم إنها ما كانتش شايفاه.
عندك حق.
ماريا كملت
لو كانوا اعتذروا من نفسهم، كان الموضوع انتهى عندي من أول لحظة.
أنا ما أجبرتش حد يعمل حاجة، يا أمي. طلبت منهم يدفعوا حقك، وقلت لهم إنهم يقدروا يرجعوا يعتذروا لو حبوا.
كويس. أنا مش عايزة حد يتأذى بسببي.
محدش هيتأذى. اطمني.
قفلت ماريا المكالمة، ورجعت للمطبخ.
وبعد دقائق، سمعت صوت موتوسيكلات جاية من بعيد.
رفعت راسها ناحية الباب.
أربع موتوسيكلات وقفت قدام المطعم.
نزل منها نفس الرجالة الأربعة.
للحظة، افتكرت ماريا إنهم ممكن يكونوا رجعوا عشان يفتعلوا مشكلة جديدة.
لكنها لاحظت إنهم المرة دي ما كانوش بيضحكوا، ولا بيتكلموا بصوت عالي.
جاك نزل من موتوسيكلِه، وشال خوذته، وفضل واقف لحظات قبل ما يدخل.
ريك وتوم وداني مشيوا وراه.
ماريا مسحت إيديها في المريلة، وخرجت من المطبخ.
خير يا ولاد؟ نسيتوا حاجة؟
الأربعة بصّوا لبعض.
كان واضح إن محدش فيهم عارف يبدأ الكلام إزاي.
في النهاية، جاك تقدم خطوة.
يا مدام ماريا
كانت دي أول مرة يناديها باسمها.
ماريا بصّت له بهدوء.
أيوه يا
تم نسخ الرابط