سر ممرضة اخو الشيخ
له بخجل.
أنا كنت خاېف الدكتور يمنعني من المحاولة لو عرف إني وقعت أكتر من مرة. وليلى كانت بتشجعني، وكنت فاكر إني ممكن أقدر أعملها لوحدي.
أمير اتنهد، وقال بحزم ممزوج بالحنان
يا سمير، أنا فرحان إنك لسه عندك أمل، وفرحان إنك بتحاول. لكن صحتك أهم من أي حاجة. مش هسمح لك تعرض نفسك للخطړ علشان تثبت إنك تقدر تمشي. من النهارده، أي تدريب هيكون مع متخصصين، وبالطريقة اللي تناسب حالتك.
سمير هز راسه موافقًا.
وبعدين أمير سأله
طب وليلى؟ هي اللي كانت بتساعدك؟
سمير ابتسم وقال
أيوه. هي أول واحدة سمعتني وأنا بقول إني نفسي أقف. ما ضحكتش عليا، وماقالتش لي إن ده مستحيل. قالت لي إننا لازم نعرف من المتخصصين إيه اللي أقدر أعمله بأمان، ونبدأ خطوة خطوة.
أمير بص ناحية الباب، وكأنه افتكر حاجة مهمة.
وقال
أنا لازم أشكرها.
الحقيقة اللي كشفت معدن ليلى
بعد ما طمّن على أخوه، أمير طلب مقابلة ليلى في مكتبه.
المرة دي، ليلى دخلت وهي متوترة.
كانت فاكرة إنه استدعاها علشان يلومها على الإصابات اللي ظهرت على جسم سمير، أو يمكن علشان ينهي شغلها.
وقفت قدامه وقالت
حضرتك طلبتني يا فندم؟
أمير أشار لها تقعد.
فضل ساكت ثواني، وبعدها قال
أنا شوفت تسجيلات الكاميرات.
ليلى وشها اتغير، وقالت
أنا أنا أقدر أوضح لحضرتك
أمير رفع إيده بهدوء وقال
استني، خليني أتكلم الأول.
بصلها مباشرة وقال
أنا كنت فاكر إنك بټأذي أخويا، وإنك بتستغلي إنه مش قادر يدافع عن نفسه. وكنت مستعد أبلغ عنك لو لقيت دليل على ده.
ليلى نزلت عينيها، وردت
أنا فاهمة قلق حضرتك، وحقك تطمن على أخوك.
أمير كمل
لكن اللي شوفته كان مختلف تمامًا. شوفتك وإنتِ بتساعديه يحاول يقف، وشوفتك وإنتِ بتسانديه لما وقع. وشوفت كمان إن أخويا كان بيحاول يخبي عني الموضوع كله.
ليلى اتنهدت، وقالت
أنا ماكنتش عايزة أخبي عن حضرتك حاجة تضره. لكن سمير كان خاېف جدًا من إنه يفشل، وكان محتاج حد يسمعه من غير ما يحس إنه تحت ضغط.
أمير هز راسه، وبعدها قال
أنا مقدّر إنك حاولتي تساعديه، لكن فيه حاجة لازم تكون واضحة. أي تدريب أو محاولة للوقوف لازم تكون متوافقة مع تعليمات الفريق الطبي، علشان مايتعرضش لإصابة. وإحنا لازم نعرف أي كدمة أو سقوط يحصل له، مهما كانت الأسباب.
ليلى ردت بجدية
عندك حق يا فندم. وأنا كان المفروض أصرّ على وجود خطة علاجية واضحة، وأبلغ الطبيب بأي إصابة. مش هكرر ده تاني.
أمير سكت لحظات، وبعدها قال
أنا مش هقدر أوصف لك أنا حاسس بإيه دلوقتي. أنا دخلت أتابع التسجيلات وأنا فاكر إني هكتشف چريمة، لكن اكتشفت إن أخويا لسه بيحارب، وإنه كان مخبي عني خوفه أكتر من أي حاجة تانية.
ليلى ابتسمت ابتسامة بسيطة، وقالت
سمير عنده إرادة قوية يا فندم. هو بس محتاج يتعامل مع حالته من غير ما يحس إن كل محاولة لازم تنتهي بنتيجة كبيرة.
أمير بص لها باهتمام.
قولي لي، إنتِ إزاي قدرتي تخليه يحاول بعد ما كان فقد الأمل؟
ليلى فكرت شوية، وبعدها ردت
أنا ماقدرتش أخليه يعمل حاجة هو مش عايزها. كل اللي عملته إني سمعته. في البداية، كان بيتكلم عن حاجات بسيطة نفسه يعملها، زي إنه يقدر يغير وضعه بنفسه أو يقعد بشكل أريح. وبعدها بدأ يتكلم عن الوقوف. أنا شجعته يسأل الطبيب عن الخيارات المتاحة، ويسعى إنه يشارك في خطة العلاج بدل ما يحس إن كل القرارات بتتاخد عنه.
أمير سمع كلامها باهتمام.
كان فاكر إن الفلوس والخبراء والأجهزة هم كل اللي أخوه محتاجه، لكنه بدأ يفهم إن فيه جانب تاني مهم جدًا إن سمير يحس إن ليه صوت، وإن حياته لسه ملكه، حتى لو قدرته على الحركة محدودة.
قال لليلى
شكرًا لأنك اهتميتي بأخويا، ولأنك ماخلتيهوش يحس إنه مجرد حالة مرضية.
ليلى ابتسمت، لكنها ردت بتواضع
أنا عملت اللي أي حد بيحب شغله المفروض يعمله يا فندم. وسمير يستحق إننا نساعده يعيش بأفضل طريقة ممكنة، سواء قدر يمشي تاني أو لأ.
الجملة دي أثرت في أمير أكتر مما توقعت.
لأنه لأول مرة من سنين، سمع حد بيتكلم عن أخوه من غير ما يربط قيمته بقدرته على الشفاء.
بداية جديدة في القصر
في الأيام اللي بعدها، أمير قرر يغيّر طريقة التعامل مع حالة أخوه.
اجتمع مع الطبيب المسؤول وفريق العلاج الطبيعي، وحكى لهم عن المحاولات اللي سمير كان بيعملها بعيد عنهم.
في البداية، الطبيب اتضايق من إن التدريبات حصلت من غير إشراف مناسب، خصوصًا مع وجود إصابات محتاجة تقييم.
لكن لما عرف تفاصيل المحاولات، قرر يعيد تقييم حالة سمير، ويحدد إيه اللي ممكن يتعمل بأمان، وإيه اللي لازم يتجنبوه.
ماوعدش أمير إن أخوه هيمشي تاني، وماقالش إن التحسن هيكون سريع.
لكنه شرح لهم إن أهداف العلاج ممكن تتغير مع الوقت، وإن أي تقدم لازم يتقاس بشكل واقعي، مع مراعاة حالة سمير وحدود جسمه.
وبدأت مرحلة جديدة.
بقى فيه برنامج تأهيل مناسب لحالته، تحت إشراف المتخصصين، مع متابعة أي كدمات أو إصابات، وتسجيل التقدم اللي بيحققه.
سمير ما بقاش
مضطر يخبي محاولاته، ولا يواجه خوفه لوحده.
وأمير، لأول مرة، بدأ يتعلم إزاي يدعم أخوه من غير ما يحمله ضغط تحقيق معجزة.
كان ساعات يحضر جزء من جلسات العلاج، ويقف بعيد يراقب، من غير ما يتدخل أو يطلب من سمير يعمل أكتر من قدرته.
وفي يوم، أثناء إحدى الجلسات، الطبيب طلب من سمير يحاول ينقل جزء من وزنه بمساعدة الأجهزة والدعم المناسب.
سمير كان متوترًا، لكن أمير كان واقف جنبه.
بص له سمير وقال
لو ماقدرتش، ماتزعلش مني.
أمير ابتسم ورد
أنا مش مستني منك نتيجة معينة. أنا مستني أشوفك بتعمل اللي تقدر عليه، وبس.
سمير أخد نفس عميق، وبدأ المحاولة.
كانت صعبة، واستغرقت وقت طويل، لكنه قدر يحقق تقدم بسيط مقارنة بالجلسات السابقة.
الطبيب ابتسم وقال
كويس يا سمير. هنكتفي باللي عملته النهارده، ونكمل حسب الخطة.
أمير ما صفقش، وما صرخش من الفرحة، وماحولش اللحظة لاحتفال كبير.
كل اللي عمله إنه قرب من أخوه، وحط إيده على كتفه، وقال
أنا فخور بيك.
سمير بص له، وابتسم.
وفي اللحظة دي، حس إن الحمل اللي كان شايله على قلبه بدأ يخف.
لأنه أخيرًا فهم إن أخوه مش بيحبه علشان يمشي، ولا علشان يثبت إنه قوي، ولا علشان يعوض الفلوس اللي اتصرفت عليه.
أمير بيحبه لأنه أخوه.
وبس.
اللي حصل بعد كده
مرّت أسابيع، وبعدها شهور.
سمير استمر في التأهيل، وكانت نتائجه بتختلف من فترة للتانية. أيام كان بيحقق فيها تقدم بسيط، وأيام كان التعب بيكون أكبر من قدرته، لكنه ما بقاش بيعتبر كل تعثر نهاية الطريق.
أما أمير، فبدأ يقضي وقت أطول معاه بعيد عن مواعيد الأطباء والجلسات.
بقوا يتفرجوا على أفلامهم القديمة، ويحكوا عن أيام المدرسة، ويتكلموا عن رحلاتهم اللي كانوا بيعملوها زمان.
وفي مرة، أمير جاب صورة قديمة ليهم وهما في العشرينات، واقفين جنب بعض وبيضحكوا.
سمير بص للصورة، وبعدها ضحك وقال
فاكر اليوم ده؟ إنت كنت مصرّ إنك أسرع مني في الجري، مع إنك عمرك ما كسبتني!
أمير اڼفجر في الضحك.
إنت بتحلم يا عم! أنا كنت بسيبك تكسب علشان ماتزعلش.
سمير ضحك أكتر، وقال
أهو ده اللي كنت محتاج أسمعه. كنت عارف إنك كداب من زمان!
ضحكوا هما الاتنين، والضحكة دي كانت مختلفة عن أي ضحكة سمعها أمير من سنين.
مش لأنها دليل على إن سمير اتحسن جسديًا، لكن لأنها رجّعت لهم جزء من الحياة اللي كانوا فاكرين إنهم فقدوها للأبد.
وفي يوم، ليلى كانت خارجة من جناح سمير بعد انتهاء ورديتها، فوقفها أمير عند باب المكتب.
قال لها
ليلى، أنا عايز أقول لك حاجة.
وقفت وبصت له.
أمير كمل
أنا في البداية ظلمتك بشكوكي، حتى لو ما اتهمتكيش قدام الناس. كنت خاېف على أخويا، وده خلاني أشوف كل حاجة من زاوية واحدة. أنا آسف.
ليلى ردت بهدوء
أنا مقدّرة خوف حضرتك يا فندم. أي حد مكانك كان هيقلق لو شاف كدمات بتظهر على جسم أخوه من غير تفسير واضح.
أمير هز راسه.
يمكن، لكن كان
لازم أسمع وأتحقق قبل ما أكون حكم. والأهم إننا اتعلمنا إن أي حاجة تخص سلامة سمير لازم تكون واضحة، وإن محدش يشيل المسؤولية لوحده.
وبعدها شكرها مرة تانية على اهتمامها بأخوه، وأكد إن الفريق الطبي هو اللي هيحدد خطوات التأهيل من هنا ورايح.
ليلى ابتسمت، ومشيت تكمل شغلها.
وأمير رجع لأوضة أخوه، ووقف عند الشباك شوية.
كان لسه فيه خوف جواه، ولسه فيه أسئلة عن المستقبل، ولسه مش عارف إذا كان سمير هيقدر يمشي يومًا ما ولا لأ.
لكن لأول مرة، ماحسش إنه لازم يعرف الإجابة النهارده.
لأنه فهم إن الأمل مش وعد مضمون، وإن الحب الحقيقي مش معناه إنك تقدر تصلح كل حاجة بتحصل للي بتحبهم.
أحيانًا، كل اللي تقدر تعمله إنك تفضل جنبهم، وتساعدهم يواجهوا يوم جديد.
وفي المساء، أمير قعد جنب سمير، وحط الصورة القديمة على الترابيزة قدامه.
سمير بص للصورة، وبعدها قال
عارف يا أمير؟ أنا كنت فاكر إن اليوم اللي هقف فيه على رجلي هو اليوم اللي هحس فيه إني رجعت لحياتي.
أمير بص له وسأله
ودلوقتي شايف إيه؟
سمير ابتسم وقال
شايف إن حياتي ماوقفتش يوم الحاډث. هي اتغيرت، وأنا لسه بتعلم أعيشها من جديد. ووجودك جنبي هو اللي مخليني أقدر أكمل.
أمير حس إن عينيه دمعت، لكنه ابتسم وقال
وإحنا هنكمل مع بعض، زي ما عملنا طول عمرنا.
ومسك إيد أخوه، وفضلوا قاعدين جنب بعض في هدوء.
القصر اللي عاش سنين طويلة مليان قلق وصمت، بدأ يرجع له صوت الضحك من جديد.
أما الكدمات اللي كانت سبب الخۏف والشك، فكانت مجرد جزء من حكاية أكبر عن إنسان حاول يستعيد قدرته على الحركة، وأخ خاف عليه لدرجة إنه نسي يسمع منه، وممرضة فهمت إن الرعاية مش مجرد أدوية ومواعيد، لكنها كمان احترام للإنسان وأمله وكرامته.
وأهم درس اتعلمه أمير إن أخوه ماكانش محتاج معجزة علشان يفضل أخوه كان محتاج يعرف إن حبه ليه مش مشروط بأي نتيجة.
ومن يومها، بقى أمير لما يسألوه عن أكتر حاجة اتعلمها في السنين الصعبة دي، يرد ويقول
اتعلمت إن الفلوس ممكن تفتح أبواب كتير، وممكن تجيب أحسن علاج وأكبر خبراء، لكن مفيش حاجة تقدر تعوض وجود حد جنبك وقت ضعفك. واتعلمت كمان إن الإنسان مش لازم يمشي على رجليه علشان يبقى قوي ساعات أقوى حاجة فيه هي إنه يفضل يحاول، حتى وهو خاېف من الفشل.
تمت الحكاية.