حماتي و عادتها الغريبة

لمحة نيوز

محدش بيمنعك تتعاملي معاه، بالعكس، إحنا عايزينه يحبك ويقرب منك. لكن محبتك ليه مش معناها إنك تعملي حاجة إحنا طلبنا منك ما تعمليهاش.
حماتي بدأت ټعيط.
أنا كبرت يا أحمد، وبقيت مش مرغوب فيا في أي مكان. أبوك ماټ، وبيتي بعته، ودلوقتي حتى إنت مش عايزني أعيش معاك!
أحمد اتأثر بكلامها، وأنا شفت ده في عينيه.
لكنه المرة دي ما خلاش إحساسه بالذنب يغيّر قراره.
قال لها إنتِ مش مش مرغوب فيكي. إحنا طلبنا منك تحترمي قواعد بسيطة، وده مش معناه إننا مش بنحبك. ولو إنتِ مش مرتاحة في بيتنا، نقدر نساعدك تلاقي مكان تقعدي فيه لحد ما شقتك تجهز. لكن مش هينفع نفضل كل يوم في نفس الخناقة.
حماتي بصت له پصدمة.
يمكن لأنها لأول مرة تكتشف إن دموعها مش هتخلي كل حاجة ترجع زي ما كانت.
دخلت أوضتها وقفلت الباب.
وبالليل، أحمد راح قعد معاها شوية، ولما خرج، قال لي إنها قررت تكلم منى وتقعد عندها مؤقتًا لحد ما الشقة الجديدة تجهز.
أنا ما حسيتش بالانتصار.
بالعكس، كنت زعلانة إن الموضوع وصل للمرحلة دي، لكني كنت مرتاحة لأننا أخيرًا بطلنا نتعامل مع كل خلاف كأنه اختبار للحب والوفاء.
ومع ذلك، ما كنتش أعرف إن أصعب مواجهة لسه مستنيانا.
بعد أسبوع تقريبًا، رن تليفوني.
كانت منى.
رديت عليها، فسمعت صوتها المتوتر إنتِ فين دلوقتي؟
قلت لها في البيت، خير؟
قالت ماما هنا بقالها أسبوع، وأنا مش قادرة أستحمل. ممكن تيجي تاخديها النهارده؟
اټصدمت من طلبها.
يا منى، هي مش شنطة بننقلها من بيت لبيت! إنتِ اللي قلتي إنها تقعد عندك، وإحنا ما منعناهاش ترجع عندنا.
منى تنهدت وقالت أنا عارفة، وأنا آسفة على طريقتي. بس والله يا سارة، أنا مش عارفة أتصرف معاها. كل ما أطلب منها حاجة، بتقول إني بقسو عليها، ولما أحاول أشرح لها، بتقلب الموضوع خناقة.
سكتُّ لحظة، وبعدين سألتها طيب، هي بتعمل إيه؟
قالت نفس الحكاية. بتستخدم نفس المعلقة في الأكل، ولما أعترض، بتقول لي إني مكبرة الموضوع. امبارح كنت عاملة سلطة، ولقيتها بتاكل منها بالمعلقة وترجعها تاني. ولما قلت لها ما تعملش كده، اتخانقت معايا وقالت إني مش متربية!
ما قدرتش أمنع نفسي من التنهد.
قلت لها يا منى، أنا مش عايزة أقول لك إني قلت لك كده من الأول، لكن المشكلة مش في إني بحب النظافة أكتر منك أو إنك بتبالغي. المشكلة إنها مش بتقبل إن حد يقول لها إن تصرف معين غلط.
منى قالت بصوت واطي أنا عارفة دلوقتي. وأنا آسفة إني اتهمتك إنك مش بتحتويها.
الجملة دي كانت أول مرة أسمعها منها، وحسيت إنها أخيرًا بدأت تفهم الموقف من غير ما تكون مضطرة تدافع عن أمها في كل كلمة.
لكن قلت لها أنا مش هقدر أقول لك خديها عندنا وخلاص، لأننا جربنا قبل كده، والمشكلة رجعت تاني. خلينا نتكلم كلنا ونشوف حل يناسب الجميع، من غير ما حد يحس إنه بيتطرد أو بيتعاقب.
اتفقنا إن أحمد ييجي عندها بعد الشغل، وإننا نتكلم مع حماتي بهدوء.
وبالفعل، في المساء، رحنا بيت منى.
لقينا حماتي قاعدة في الصالة، ووشها متجهم.
أول ما شافتنا، قالت إيه؟ جايين تاخدوا بعضكم عليّا؟
أحمد رد لأ يا أمي،
إحنا جايين نتكلم ونحل المشكلة.
قالت المشكلة واضحة. إنتوا مش عايزيني عندكم، ومنى مش عايزاني عندها. خلاص، أنا هتصرف.
أحمد قال يا أمي، إحنا عايزينك تكوني مرتاحة، لكن لازم كمان نكون مرتاحين في بيوتنا. مش معقول كل مرة يحصل خلاف، يبقى الحل إن حد يسيب بيته أو حد يعتذر عن حاجة ما غلطش فيها.
حماتي سكتت.
لأول مرة، ما ردتش بسرعة.
منى قعدت جنبها وقالت يا ماما، أنا بحبك، والله. لكن لما أقول لك استخدمي معلقة نضيفة، ده مش معناه إني شايفاكي مش نضيفة. ده معناه إني عايزة أحافظ على الأكل اللي هناكل منه كلنا.
حماتي بصت لها وقالت إنتِ كمان بقيتي زيها؟
منى ردت لأ يا ماما. أنا كنت فاكرة إن سارة بتبالغ، لكن لما عشت معاكي، فهمت إن الموضوع مش خاص بيها. إنتِ بتزعلي من أي حد يطلب منك تغيري تصرف إنتِ متعودة عليه.
الجملة دي أثرت في حماتي أكتر من أي كلام سمعته قبل كده.
بصت لأحمد، وبعدين لي، وقالت يعني أنا بقيت وحشة في نظركم؟
أنا رديت عليها بهدوء لأ يا حماتي، إنتِ مش وحشة. إحنا مش بنحكم عليكي كإنسانة، إحنا بنتكلم عن تصرفات معينة. وإحنا كلنا عندنا عادات ممكن تضايق غيرنا، والمفروض لما حد يطلب مننا نراعي حاجة، نسمعه بدل ما نتهمه إنه بيكرهنا.
حماتي فضلت ساكتة فترة طويلة.
وبعدين قالت جملة ما كنتش متوقعة أسمعها منها أبدًا
أنا اتعودت من وأنا صغيرة إننا ناكل كلنا من نفس الطبق، وإن مفيش حاجة اسمها معلقة دي ومعلقة دي. وأمي كانت بتعمل كده، وأنا كبرت على ده. لما إنتوا بدأتوا تعترضوا، حسيت إنكم بتقولوا إني مش نضيفة، وإنكم شايفيني أقل منكم.
الكلام ده خلاني أفهم جزء من اللي كانت حاسة بيه.
يمكن هي فعلًا كانت شايفة طلبنا إهانة، لأنها ربطت بين العادة اللي اتربت عليها وبين قيمتها كإنسانة.
لكن فهمي لمشاعرها ما كانش معناه إن تصرفها صح.
قلت لها أنا فاهمة إنك اتعودتي على طريقة معينة، ومش بقول إنك قصدك تضايقينا. لكن العادات بتختلف من بيت لبيت، وإحنا من حقنا نحافظ على الطريقة اللي تريحنا، خصوصًا لما يكون في طفل صغير في البيت.
أحمد كمل يا أمي، إحنا مش بنطلب منك تغيري شخصيتك، ولا بنقول لك إن كل حاجة كنتِ بتعمليها زمان غلط. إحنا بس بنطلب منك تحترمي قواعد بيتنا، زي ما إحنا بنحترمك.
حماتي نزلت عينيها، وفضلت ساكتة شوية.
وبعدين قالت أنا مش بعرف أغير عادتي دي بسهولة.
أحمد رد مش مطلوب منك تتغيري في يوم وليلة، لكن المطلوب إنك تحاولي، ولما حد يفكرك، ما تزعليش منه.
المرة دي، حماتي ما عيطتش، وما قفلتش باب الأوضة، وما اتهمتش حد إنه بيكرهها.
قالت بصوت واطي حاضر. هحاول.
ما كانش اعتذار كامل، لكنه كان أول اعتراف منها إن المشكلة مش كلها عندنا.
بعد اللقاء ده، اتفقنا على حل عملي.
حماتي هتكمل الفترة الباقية لحد ما شقتها تجهز، لكن مش هتتنقل بين بيوتنا كل ما يحصل خلاف. ولو احتاجت مساعدة، هنساعدها، من غير ما يكون ده معناه إننا نتنازل عن قواعدنا.
وأحمد كلمها بعد كده، واتفق معاها إننا هنجهز لها أدوات أكل خاصة بيها في أوضتها، وإن كل واحد هيستخدم معلقة نضيفة في الأكل المشترك.
أما أنا، فقررت إني ما أفضلش أراقب كل حركة بتعملها، ولا أتعامل معاها كأني مستنية منها الغلط. هديها فرصة حقيقية، لكن لو حصل تجاوز، هتكلم بوضوح ومن غير إهانة.
مرت الأيام بعدها بهدوء نسبي.
وفي يوم، كنت بجهز الغدا، ولقيت حماتي داخلة المطبخ
وهي ماسكة طبق صغير.
قالت لي يا سارة، أنا خدت شوية شوربة في الطبق ده. ممكن تسخنيهالي؟
بصيت للطبق، ولقيتها فعلًا أخدت الشوربة بمغرفة التقديم، وحطتها في طبقها، من غير ما تستخدم معلقتها الشخصية في الحلة.
ابتسمت وقلت حاضر يا حماتي، من عيني.
وبينما أنا بسخن لها الشوربة، دخل أحمد المطبخ، وشاف الموقف، وبص لي بابتسامة صغيرة.
ما قالش
حاجة، لكنه كان فاهم إني لاحظت زي ما هو لاحظ.
بعد الغدا، حماتي طلبت مني أقعد معاها شوية.
قعدت جنبها، فقالت يا بنتي، أنا عارفة إني تعبتك الفترة اللي فاتت.
اټصدمت، لأنها نادرًا ما كانت تعترف إنها ضايقت حد.
كملت أنا مش متعودة حد يعترض على تصرفاتي، ويمكن لما كنتِ بتتكلمي، كنت بحس إنك بتقولي إني مش بعرف أربي، أو إنك أحسن مني. بس لما منى اتكلمت معايا بنفس الطريقة، فهمت إن الموضوع مش شخصي.
قلت لها يا حماتي، أنا عمري ما شفتك أقل مني، ولا فكرت إنك مش بتعرفي تربي. أنا بس كنت خاېفة على ابني، وكنت محتاجة تحترمي طلبي.
هزت راسها وقالت أنا فهمت. ومش هقول لك إني هبقى مثالية من بكرة، لكن هحاول.
ابتسمت وقلت وأنا كمان هحاول أتكلم معاكي بهدوء، حتى لو كنت متضايقة.
مدت إيدها ومسكت إيدي، وكانت دي أول مرة أحس إننا بنتكلم بصدق، من غير ما كل واحدة فينا تكون بتحاول تثبت إنها صاحبة الحق المطلق.
بعد حوالي ثلاثة أسابيع، شقة حماتي الجديدة جهزت، وبدأنا نساعدها في نقل حاجتها.
أحمد كان مسؤول عن نقل العفش، وأنا كنت بجهز لها بعض الأكل عشان ما تتعبش أول يومين في شقتها.
قبل ما تمشي، حماتي دخلت المطبخ، وشافتني بحط الأكل في علب منفصلة.
قالت إنتِ بتعملي إيه؟
قلت بجهز لك شوية أكل تاخديه معاكي.
بصت للعلب، وبعدين قالت بابتسامة طب حطي لي شوية من سلطة البطاطس اللي إنتِ عملاها. بس هاتي لي معلقة نضيفة عشان أدوقها الأول!
ضحكت من قلبي، وهي كمان ضحكت.
ما كانش موقف كبير، لكنه كان دليل صغير إن في حاجة فعلًا اتغيرت.
قبل ما تركب العربية، حضنتني وقالت شكرًا إنك استحملتيني.
رديت إنتِ مش محتاجة تشكريني يا حماتي. المهم إننا عرفنا نتكلم مع بعض.
وبعد ما مشيت، أحمد وقف جنبي وقال عارفة إيه أكتر حاجة اتعلمتها من اللي حصل؟
قلت له إيه؟
قال إني كنت فاكر إن تجنب الخلافات مع أمي هو الطريقة اللي بحافظ بيها على حبها. لكن الحقيقة إني كنت بسمح للمشاكل تكبر، وبسيبك إنتِ اللي تتحملي نتيجتها.
مسكت إيده وقلت وإحنا كمان اتعلمنا إن السكوت مش دايمًا معناه احترام، وإن وضع الحدود مش معناه قلة حب.
بص لي وقال وأهم حاجة، إننا ما نستناش المشكلة تكبر عشان نتكلم.
من يومها، علاقتي بحماتي ما بقتش مثالية، لأن مفيش علاقة عائلية بتبقى مثالية طول الوقت. لكنها بقت أوضح، وأهدى، وفيها مساحة لكل واحد يقول اللي مضايقه من غير ما يتحول كل اعتراض لخناقة.
أما موضوع المعلقة، فبقى حكاية بنفتكرها أحيانًا ونضحك عليها، خصوصًا لما حماتي نفسها تهزر وتقول
محدش ينسى يجيب لي معلقة نضيفة، بدل ما سارة تعمل لي محاكمة تانية!
لكن بالنسبة لي، الدرس الحقيقي ما كانش إن جوزي لقّن أمه درسًا، ولا إن أمه اضطرت تغير عادة قديمة.
الدرس الحقيقي كان إن احترام الأهل مش معناه إننا نسكت عن كل حاجة، وإن الحب مش معناه إننا نسمح لحد يتجاهل حدودنا.
وأحيانًا، أكتر حاجة بتحافظ على العيلة مش إننا نتجنب الخلاف، لكن إننا نواجهه باحترام، ونفهم بعض، ونبطل نعتبر كل كلمة اعتراض إهانة.
لأن البيت
اللي فيه حب من غير احترام بيتعب أصحابه، والبيت اللي فيه احترام من غير رحمة يبقى بارد.
لكن لما الاتنين يجتمعوا، حتى أصعب الخلافات ممكن تتحل.

تم نسخ الرابط