جيراني قعدوا يتريقوا عليا
أسفل شجرة النخيم القديمة في طرف أرضنا.. الوثيقة التي وقعها أجدادنا قبل مائة وعشرين عاماً، والتي تثبت أن ينبوع المياه القديم الذي يتنازعونه لم يكن ملكاً لأحد أبداً.. بل كان ملكاً مشاعاً لكل سكان العزبة، وفرج
وأبوه كانا يحتكرونه ويمنعون الناس عنه بكل جبروت طوال عقود طويلة.
الجزء الرابع يوم المحكمة.. حين بكى الشهود على أنفسهم
بعد ثلاثة أيام، كان يوم الجلسة الأولى في المحكمة في مدينة الزقازيق. وقفتُ أمام القاضي، ولم أكن أحمل سلاحاً سوى الحقيقة والوثيقة العتيقة التي استخرجتها من مخبئها بدموع الفرح في عينيّ. سعيد كان بجانبي، يرتجف قلبي عليه، لكنه أمسك بيدي بكل شجاعة لم أتوقعها منه.
بدأ فرج بكل ثقة وكبرياء، وأحضر شهوده الذين استأجرهم ليشهدوا كذباً بأن أرضنا كانت تابعة لوالده وبأننا نحتكر المياه عن الجميع. لكن حين سألني القاضي أن أقدم حجتي، فتحتُ الملف القديم ببطء، وخرجت الوثيقة الممزقة حوافها لكن كتابتها واضحة لا لبس فيها
هذه وثيقة توقيع من شيوخ العزبة الستة قبل 120 عاماً. تنص على أن هذا النبع ملك للجميع، ولا يحق لأي فرد أن يمنع الناس عنه أو يفرض إتاوة على الماء. وتوقيع أجدادكم موجود هنا يا معلم فرج.. تفضل، انظر لاسم جدك مكتوباً بيده!
تغير لون وجه فرج فجأة، وبدأت أصابعه ترتجف وهو يقرأ الأسطر القديمة. ثم وقف الشيخ عبد الحكيم ليشهد بذاكرته التي لم تخنه بعد كل هذه السنين
أنا شهدت على ما أقول بحق الله.. آباؤنا وأجدادنا كانوا يشربون من هذا النبع بحرية تامة. ومنذ أن تولى أبو فرج الأمر، بدأ يمنع الناس ويأخذ منهم المال مقابل كل جردل ماء. زينب لم تمنع الماء عن أحد.. هي فقط أعادت للأرض ما سلبوه منها حقها في الراحة والري بالعدل.
وهنا حدث ما لم يتوقعه أحد.. أحد الشهود الذين استأجرهم فرج تقدم بخطوة مترددة، وخفض رأسه وقال بصوت مسموع للجميع
أنا آسف يا حضرة القاضي.. أنا كذبت. فرج دفع لي مالاً لأشهد زوراً. الحقيقة إن زينب لم تظلم أحد في حياتها.. ونحن كنا نحسدها على زرعها لأننا كنا نعرف إنها تعمل بضمير ونحن كنا كسالى ننتظر المطر ولا نعمل شيئاً. سامحيني يا زينب.. سامحيني لأنك كنتِ أكرم منا جميعاً.
اڼهارت دعوى فرج من أساسها، وبكى سعيد من فرط السعادة والارتياح حين سمع القاضي يعلن براءته تماماً من جميع التهم الملفقة ضده. لكن الأهم من ذلك.. أصدر القاضي قراراً بإعادة فتح النبع القديم أمام جميع أهل العزبة، وتشكيل لجنة منهم لإدارته بالتساوي دون أن يملكه أحد أو يحتكره.
الجزء الخامس حين أصبحت مدرستي في الحقول
عدتُ إلى العزبة، ولم أجد غضباً في قلبي لأحد. فرج ابتعد عنا، ولم يعد يمر بجانب أرضنا. لكنني لم أتركه وحيداً في محنته. حين رأيت حقوله ټموت وتذبل، أرسلتُ له سعيداً يقول له أمي بتقولك الأرض مش بتحقد يا معلم فرج.. بتنتظرك تعتني بيها بضمير من جديد، وهي هترد عليك أضعاف ما تمنيت.
بعد أسابيع، جاءني فرج بنفسه، ووقف
على البوابة خجولاً متردداً، يحمل في يده كيساً من البذور الجديدة
يا زينب.. تعبتني كرامتي وما لقيتش حد غيرك يعلمني. علميني سر القلل الفخار.. أرضي ماټت وأنا مش عايز أموت معاها.
ابتسمتُ له وفتحتُ له الباب
السر مش في الطين يا فرج.. السر في القلب اللي بيتواضع للأرض قبل ما يطلب منها الخير. تعال ساعدني نحفر معاً، وتعلم من البداية زي ما تعلمت أنا.
لم يقتصر الأمر على تعليمه فقط. بدأتُ أجمع شباب العزبة في الفناء كل صباح باكر، وأعلمهم طرق الري الحديث القديم الجديد.. كيف تحفر القلل الفخارية، وكيف تختار مكانها بجانب الجذور، وكيف تحافظ على كل قطرة ماء كما لو كانت دمك الذي يجري في عروقك. أصبح لدينا مشروعنا الخاص، كل بيت ډفن قلله بنفسه، وكل أرض بقت تشرب بانتظام وبحب.
وفي عام واحد، تحولت العزبة من مكان ينتظر المطر خائفاً كل عام، إلى واحة خضراء تشتهر بثمارها وجودة منتجاتها في كل القرى المجاورة. لم أصبح غنية بمال.. لكنني أصبحت أغنى أم في الدنيا باحترام الناس لي وبثقة ابني وفخوره بي.
الجزء السادس الحكمة التي دفنتها ثم أخرجتها للنور
في مساء أحد الأيام، وبينما كنت جالسة على كرسيي القديم أراقب الشمس وهي تغرب على حقولنا الخضراء الواسعة، جاءني سعيد وجلس بجانبي وأمسك بيدي المجعدة
يا أمي.. كنتِ تعرفين إن الحقيقة هتطلع؟ كنتِ واثقة إنهم هيتعلموا الدرس؟
نظرتُ إليه، ثم مددت يدي وأشرت إلى القلل الفخارية المدفونة بجانب الشجر، وقلت له بصوت هادئ عميق
يا بني.. القلل اللي دفنتها مش بس لحفظ الماء.. هي رمز لحفظ الحق. لما ټدفن الحق في باطل، ما بېموت.. بيبقى يرتشح ببطء وبصبر، لحد ما يروي الجذور ويطلع النبات أقوى وأعمق من أي وقت.
الناس كانت تضحك عليّ لأنني حطيت ثقتي في شيء ما تراه أعينهم.. ولم تضحك عليّ الأرض أبداً. الأرض لا تسمع الكلام الفارغ ولا تخاف من التهديدات.. الأرض تشعر بيدك حين تعمل بصدق، وتعطيك حين تؤمن بها بكل قلبك.
لم أكن أملك ينبوعاً سحرياً.. كنت فقط أملك الإيمان بأن الخير لا يمكن أن يضيع طالما نحن نحفظه بقلوبنا قبل أيدينا. وها هي الأيام أثبتت من يزرع بالكرم، يحصد بالوفاء. ومن يزرع بالجشع،
ټموت أرضه تحت قدميه مهما كان يملك من مال وسلطة.
تمت القصة بحمد الله