اخترت نفسي الثاني و الاخير

لمحة نيوز

بنفاذ صبر وهو حاطط إيده في وسطه
لحد إمتى المهزلة دي يا سارة؟ إحنا عايشين في فندق؟ البيت متبهدل، ومفيش أكل، وفلوسي خلصت! إنتِ إيه مابتتحسّيش؟
سارة قومت ملك براحة وقالتلها ادخلي العبي جوه يا لوكا.
أول ما
البنت خرجت، سارة وقفت وبصت لأحمد وقالتله بنبرة هادية لكن حاسمة
أهو ده بقى اللي أنا كنت عايشة فيه بقالي خمس سنين. فلوسي بتخلص، وبجري بين الشغل والحضانة والسوق، وبطلع على رجلي والأسانسير بايظ، وكنت باجي ألاقي كلام يسمّ البدن من مامتك وبسكاتك إنت.
قربت منه خطوة وقالت
عرفت بقى إن طلبات البيت مكنتش بتظهر لوحدها؟ عرفت إن الست الشاطرة مش هي اللي بتتداس بالجزمة وتتسمم بلكلام وهي دافعة ډم قلبها؟ إنت مكنتش متجوز ست يا أحمد.. إنت كنت جايب ممول ومغسلة وطباخة ودادا، وفوق كل ده كنت مستخسر فيا كلمة شكر، وجايب مامتك تقيّم شغلي.
أحمد كان باصص لها، ولأول مرة يشوف في عينها القوة دي. مكنش فيه عياط ولا شكوى.. كان فيه شروط. حكايات منال
علي. بلع ريقه وصوته هدي شوية
وطب وبعدين؟ هنفضل عايشين كدة كأننا أغراب؟
سارة ردت بثقة
الغُرب هما اللي بيعيشوا بياكلوا خير بعض وميعرفوش قيمة بعض. لو عايز المركب تمشي.. من النهارده البيت ده ليه نظام جديد. النص بالنص في كل حاجة.. ماديات، ومسؤولية، ونضافة. ومامتك تدخل بيتي ضيفة مكرمة، تاكل وتشرب وتتفسح، لكن تفتح ضلفة دولاب أو تعلّق على مج في الحوض.. دي خط أحمر لو اتعدته، أنا اللي هقفل الباب ده وللأبد.. هاه.. قولت إيه يا أبو ملك؟
أحمد بص حواليه.. بص للشقة المكركبة، واكتشف لأول مرة إنه من غير سارة وسعيها، البيت ده عبارة عن جدران ضلمة وملهاش أي روح. عرف إن التكة الخفيفة بتاعة باب التلاجة، كانت فعلاً إعلان نهاية عصر الاستغلال.
أحمد وقف مكانه، عينيه كانت بتتحرك بين ملامح سارة الهدية بشكل يخوف، وبين الكركبة اللي مالية الصالة وراه. لأول مرة يحس إن الشقة دي واسعة عليه زيادة عن اللزوم، وإن الحيطة اللي كان ساند عليها طول عمره وهو مغمض عينه، اتهدت ب تكة باب التلاجة.
حاول يتكلم، يزعق، يعيد أسطوانته القديمة بتاعة الست ومسؤوليتها، بس الكلمات اتخنق في زوره لما افتكر شكل محفظته الفاضية، وشكل المطبخ اللي مابقاش يخرج منه ريحة أكل. عرف، ولأول مرة بجد، إن سارة مكنتش بتشتكي عشان تتدلع، دي كانت پتنزف مجهود وعمر وهو واخد كل ده حق مكتسب.
بلع ريقه، حط إيده في جيبه وبص للأرض وقال بنبرة مکسورة ومفهامهاش قبل كدة
ماشي يا سارة.. اللي إنتِ عايزاه هيكون. النص بالنص.. وأمي مش هتدخل في اللي مالهاش فيه تاني. بس إيدك معايا.. البيت كدة هيخرب.
سارة مبصتلوش بنظرة انتصار رخيصة، ولا قعدت تلومه. لفت وشها وبصت من الشباك على أنوار الشارع وقالت بكلمتين لخصوا كل حاجة حكايات منال علي 
البيت كان خربان فعلاً يا أحمد.. بس إنت مكنتش شايفه طول ما أنا كنت مصلحاه ب صحتي. من بكرة هنبدأ صفحة
جديدة.. ب شروطي أنا.
بعد مرور شهرين.. المشهد الأخير
الهدوء رجع للشقة، بس مكنش هدوء الاستسلام بتاع زمان، كان هدوء العدل.
أحمد بقى
ينزل بنفسه يوم الجمعة، يشيل أكياس الخضار ويدفع تمنها من مرتبه، ويطلع السلم وهو بيتحسبن على الأسانسير البايظ، ولما كان يرجع ويرمي جسمه على الكنبة وتعبان، كانت سارة تبص له من بعيد لبعيد.. نظرة معناها أهو ده بقى اللي كنت بعمله كل يوم لوحدي.
مابقاش فيه كلمة إنتِ بتعملي إيه يعني؟، لأن أحمد جرب بإيده وعِرف إن لقمة العيش والبيت النضيف بيطلعوا من الروح.
وفي يوم.. الباب خبط.
كانت أمينة. دخلت الشنطة في إيدها، بس المرة دي خطواتها كانت حذرة. قعدت على الكنبة، وبصت حواليها. البيت كان مترتب، بس مش بالطريقة اللي هي عايزاها، بالطريقة اللي تريح سارة وأحمد.
أمينة لوت بوزها وكانت لسه هتفتح بوقها وتقول هو إنتوا غيرتوا مكان السفرة ليه؟ والست الشاطرة...
لكن قبل ما تكمل الجملة، أحمد قطع عليها ب نبرة حاسمة ومفيهاش هزار
مكانها كدة أحسن يا ماما ومريحنا.. قوليلي بقى، تشربي شاي ولا كاكاو مع ملك؟
أمينة اټصدمت، وبصت لابنها اللي عمره ما وقف قصادها، وبعدين لفت عينها لسارة. سارة كانت واقفة عند باب المطبخ، سانده ضهرها على الحيطة، ولابسة ترنج بيتها بكل راحة، وفي إيدها مج الشاي بتاعها. مكنتش خاېفة، ولا متوترة، ولا مستنية تقييم حد.
سارة ابتسمت لأمينة ابتسامة هادية جداً، ودخلت المطبخ. فتحت التلاجة، طلعت علبة عصير لملك، وقفت قفلت الباب بنفس الهدوء.. مجرد تك خفيفة.
بس المرة دي، ال تك دي مكنتش إعلان حرب.. دي كانت إعلان إن الملكية رجعت لأصحابها، وإن الست اللي شالت ودفعت وصبرت، مابقتش تقبل بأقل من قيمتها. سارة قعدت وسط بنتها وجوزها وهي حاسة بأكبر انتصار ممكن ست تحققه.. إنها حطت لكل حاجة حد، ورجعت بيتها.. بيتها هي، مش محطة مصر.
تمت

تم نسخ الرابط