فحص قبل الجواز
المحتويات
التعامل معاها رسميًا. إحنا هنحتفظ بنسخ من المستندات، وهنراجع المسؤوليات المرتبطة بيها.
لأول مرة من بداية الحكاية، حسيت إن فيه حد بيتعامل مع اللي حصل باعتباره مشكلة حقيقية، مش سر عائلي لازم يتدفن.
لكن لسه كان فيه سؤال واحد بيطاردني.
ليه أمي كتبت إنها ما سابتنيش بإرادتها؟
استنيت لحد ما خلصوا تسجيل أقوالنا، وبعدها طلبت من أبويا يخرج معايا للممر.
وقفنا قدام شباك طويل بيطل على الشارع.
قلت له
أنا عايزة أعرف كل حاجة عن ماما. مش بس موضوع ندى.
غمض عينه.
عارف.
لأ، إنت مش عارف. إنت طول عمرك بتحكي لي إنها ماټت بعد مرض قصير، وإنها كانت بتحبني، وإنها ما كانش عندها أسرار. دلوقتي اكتشفت إنك كنت بتخبي عني جزء كبير من حياتها.
قال بصوت متعب
أمك كانت بتحبك أكتر من أي حاجة في الدنيا.
يبقى ليه ما قالتليش الحقيقة؟
أبويا سند ضهره على الحيطة، وفضل ساكت لحظات طويلة.
وبعدين بدأ يحكي.
قبل ما أموت أنا في الحكاية دي بخمس سنين، كانت أمي عرفت إن ندى رجعت مصر. حاولت تساعدها، وبدأت تتواصل معاها من غير ما تقول لأبوها، لأن أبو ندى كان لسه بيدور عليها.
أمي كانت شايفة إن ندى تستحق تستعيد حقها، وكانت بتحاول تجمع أوراق تثبت إن فيه ممتلكات اتسجلت باسم أبوها رغم إن جزءًا منها كان من حق أم ندى.
لكن قبل ما تقدر تكمل، مرضت أمي فجأة.
في الأيام الأخيرة من حياتها، طلبت من أبويا يوصل رسالة لندى، وقالت له إن فيه أوراق لازم تتسلم لمحامي، وإنه لازم يحافظ على نسخة منها بعيدًا عن أبو ندى.
أبويا وعدها.
لكن بعد ۏفاة أمي، اتخض من حجم الموضوع. خاف يدخل في ڼزاع مع رجل عنده فلوس ونفوذ، وخاف كمان إن مشاكل ندى تأثر على حياتي.
فاحتفظ بالأوراق، وما سلمهاش للمحامي.
ولما ندى رجعت بعد سنين، وطلبت منه مساعدته، افتكر إن دي فرصته يصلح جزءًا من غلطه القديم.
لكنه بدل ما يصلح الغلط، ارتكب غلطًا أكبر.
سألته
طيب، إيه اللي حصل لندى في الآخر؟
قال
كانت بتتعالج، لكن حالتها كانت متأخرة. فضلت فترة بتتنقل بين المستشفيات، لحد ما ټوفيت بعد شهور من رجوعها. قبل ۏفاتها، ادتني صندوق صغير فيه أوراق أمك، وطلبت مني أسلمه للمحامي اللي كانت بتتعامل معاه.
وسلمته؟
هز راسه.
لأ.
بصيت له پصدمة.
إنت ليه عملت كده؟
كنت خاېف. لما عرفت إن أبو ندى بيدور على الأوراق، خفت أكون دخلت نفسي في قضية كبيرة، وخفت كمان إنك تعرفي إني استخدمت بياناتك. فخبيت الصندوق.
والست اللي أحمد شافها؟
كانت واحدة من الناس اللي بتساعد ندى. اسمها هالة. بعد ۏفاة ندى، حاولت توصل لي أكتر من مرة عشان أديها الأوراق. وأنا كنت بتهرب منها.
والتقرير الأخير؟
هالة رجعت المستشفى عشان تصحح بيانات ملف ندى، وتثبت إن العمليات ما كانتش تخصك. كانت عايزة تقفل الموضوع بشكل رسمي، لكن الموظفين اكتشفوا إن الملفات محتاجة مراجعة. وأنا لما عرفت، خفت واتصرفت بغباء تاني.
وقفت قدامه، وحسيت إن الڠضب اللي جوايا بدأ يتحول لحزن ثقيل.
إنت ما كنتش بتحمي ندى بس يا بابا. إنت كنت بتحمي نفسك من مواجهة غلطك.
نزل عينه للأرض.
عندك حق.
ما حاولش يدافع عن نفسه، وده خلاني أستوعب حجم الندم اللي عايش فيه.
لكن الندم، مهما كان صادقًا، ما كانش كفاية يمسح اللي حصل.
قلت له
أنا هكمل الإجراءات القانونية. وهسلم كل الورق للمستشفى والجهات المختصة. ومش هطلب من حد يخفي حاجة عشان اسم العيلة أو عشان خاطري.
هز راسه.
أنا مش همنعك.
وكمان هتروح معايا للمحامي اللي كانت ندى بتتعامل معاه، لو قدرنا نوصل له.
قال
هروح.
رجعنا للغرفة، وسلم أبويا المستشار سامح نسخة من الخطاب، واتفقنا على تسليم الصندوق القديم بمجرد ما نرجع البيت.
لكن قبل ما نغادر، حصلت حاجة ما كنتش متوقعاها.
المستشار سامح طلب من أحمد يفضل شوية.
خرجت أنا وأبويا للممر، وبعد حوالي عشر دقايق، خرج أحمد ووشه مختلف.
كان واضح إنه عارف إن فيه قرار لازم ياخده.
قرب مني وقال
مريم، ممكن نتكلم؟
بصيت له ببرود.
اتفضل.
قال
أنا عارف إنك فقدتي ثقتك فيا، وعارف إن ده مش هيتصلح بكلمتين. لكن فيه حاجة لازم تعرفيها. يوم ما روحت المستشفى، أنا ما كنتش مجرد واحد بيوصل ظرف زي ما قلت لك.
قلبي انقبض.
يعني إيه؟
أبوكي طلب مني أوصل الظرف، وبعدها قال لي إن فيه مستندات لازم أوقع على استلامها. أنا رفضت
أمضي على أي حاجة تخصك من غير ما تكوني موجودة، لكنه قال لي إن التوقيع مجرد إثبات استلام للظرف، مش موافقة على إجراء طبي.
وإنت وقعت؟
هز راسه.
أيوه. وده كان غلط مني. ما قريتش الورقة كويس، وافتكرت إن الموضوع إداري. بعدين، لما رجعت البيت، حسيت إن فيه حاجة مش طبيعية، فرجعت أسأله. قال لي إن الموضوع انتهى، وإنه هيشرح لك كل حاجة في الوقت المناسب.
بصيت له بۏجع.
وعديت تمانية شهور من غير ما تقولي؟
أيوه. وده أكبر غلط عملته.
سكت لحظة، وبعدين كمل
أنا ما كنتش عارف إن الورقة مرتبطة بملف طبي، لكن كان لازم أتأكد. أنا مش هطلب منك تسامحيني دلوقتي، ولا هضغط عليك عشان نكمل الجواز. أنا مستعد أقول كل اللي أعرفه للمراجعة القانونية، حتى لو ده هيحطني في موقف صعب.
لأول مرة، حسيت إن أحمد بدأ يتحمل مسؤولية قراره بدل ما يختبئ ورا ثقة في أبويا.
لكن ده ما كانش معناه إني سامحته.
قلت له
أنا محتاجة وقت. وكتب الكتاب هيتأجل لحد ما الموضوع يخلص، ولحد ما أعرف إذا كنت أقدر أثق فيك تاني ولا لأ.
أحمد أومأ.
من حقك.
ما حاولش يمسك إيدي، ولا يطلب مني فرصة، ولا يقول لي إن الحب كفاية.
وساعتها بس حسيت إنه فهم إن الاعتذار الحقيقي مش إنك تطلب من الشخص اللي اتأذى إنه ينسى، لكن إنك تقبل نتيجة اللي عملته.
رجعنا البيت بعد المغرب.
أبويا دخل أوضته، وطلع صندوقًا خشبيًا صغيرًا، كان مخبيه في الدولاب من سنين. حطه قدامي على السفرة، وفتح القفل بمفتاح قديم.
جواه كانت فيه رزمة خطابات، وصور، ونسخ من عقود ملكية، وملف طبي قديم باسم ندى.
وكان فيه ظرف مكتوب عليه بخط أمي
إلى مريم، لو كبرت وعرفت الحقيقة.
إيدي كانت بتترعش وأنا بفتحه.
الخطاب كان قصيرًا، لكن كل كلمة فيه كانت بتفتح بابًا من الذكريات.
أمي كتبت إنها كانت عارفة إن علاقتها بأختها سلوى اتقطعت بسبب خلافات قديمة، وإنها فضلت طول عمرها ندمانة إنها ما قدرتش تصلح العلاقة بينهم.
وكتبت إن ندى ما كانتش مجرد بنت خالتها، لكنها كانت بنتًا عانت من ظلم طويل، وإنها كانت بتحاول تساعدها تستعيد حقها.
وفي آخر الخطاب، كتبت
يا مريم، لو وصل لك الكلام ده يومًا، ما تخليش خوف الناس من الڤضيحة يخليكي تسكتي عن حقك. الغلط مش بيتصلح بإخفائه، والستر مش معناه إننا نسيب المظلوم لوحده. الحقيقة ممكن توجعنا، لكنها بتدينا فرصة نبدأ من جديد من غير كڈب.
وقفت عند الجملة الأخيرة، ودموعي نزلت من غير ما أحس.
أمي ما كانتش بتكلمني عن ندى بس.
كانت بتكلمني عن اللي حصل بعد ۏفاتها، عن خوف أبويا، وعن القرار اللي أخده بدل ما يواجه الحقيقة.
طويت الخطاب بهدوء، وحطيته في الظرف.
أبويا كان واقف بعيد، وعينه مليانة دموع.
قال
أنا آسف يا بنتي.
بصيت له.
أنا عارفة إنك كنت خاېف. وعارفة إنك كنت فاكر إنك بتحمي ناس بتحبهم. لكن الخۏف مش مبرر إنك تاخد حقي في معرفة الحقيقة.
عارف.
أنا مش هقدر أرجع أثق فيك زي الأول في يوم وليلة. لكن لو عايز تصلح اللي حصل، لازم تتحمل المسؤولية كاملة.
هز راسه.
هعمل كده.
وفي اليوم التالي، بدأنا أول خطوة فعلية.
اتصلنا بالمحامي اللي كانت ندى بتتعامل معاه، واسمه عادل فوزي. لما سمع اسم ندى، سكت لحظة طويلة، وبعدين طلب يشوفنا في مكتبه.
لما وصلنا، استقبلنا بحذر، لكنه أول ما شاف الخطاب القديم، عرف خط أمي.
قال
أنا كنت مستني الأوراق دي من سنين.
بصيت له.
حضرتك كنت تعرف إن فيه ملفات طبية اتسجلت باسمي؟
هز راسه.
عرفت مؤخرًا إن فيه مشكلة في السجلات، لكن ما كنتش أعرف مين المسؤول عنها. ندى كانت عايزة تثبت هويتها الحقيقية، وتحمي حقها في الميراث. كانت عارفة إن أبوها ممكن يستخدم أي خطأ ضدها، وعشان كده كانت حريصة جدًا على الأوراق.
فتح الملف اللي جابه، وطلع منه مستندات ملكية وشهادات رسمية.
وأوضح إن ندى كانت تمتلك نصيبًا قانونيًا في عقار قديم ورثته عن أمها، وإن أبوها كان بيحاول ينقل الملكية كلها لنفسه. بعد ۏفاة ندى، الحق ده ما اختفاش، لكن إثباته بقى أصعب بسبب نقص بعض المستندات.
الخطابات اللي كانت في الصندوق أثبتت إن أمي كانت بتساعد ندى في جمع الأدلة، وإن فيه مستندات أصلية كانت محفوظة عندها.
لكن المحامي وضح نقطة مهمة
الأوراق دي ممكن تساعد في مراجعة حقوق
متابعة القراءة