امي و ابويا بصوا باستحقار
ليس من الحزن، بل من الراحة التي لم أشعر بها من سنين طويلة.
مرت الأيام، وبدأت أجهز بيتي ببطء. كل قطرة طلاء، كل مسمار في الحائط، كل قطعة أثاث رخيصة اشتريتها بالتقسيط، كانت تحمل اسمي وجهدي. لم أستعن بأحد، ولم أطلب من أحد قرشاً.
بين الحين والآخر، كان يصلني صدى أخبار من البيت القديم أمي تتصل وتغلق السماعة في وجهي، هبة تنشر بوستات على السوشيال ميديا عن الأخوات الذين يبيعون دمهم للفلوس، وأبويا يكتب لي رسائل طويلة يذكرني فيها بفضلهم عليّ وكيف أنا أصبحت بلا أصل.
لم أرد على رسائلهم. كنت أعلم أن الصمت أقوى جواب. لأنهم لم يكنوا يبحثون عن حل.. كانوا يبحثون عن تنازل. وأنا لم أعد أملك ما أتنازل عنه سوى كرامتي.
وذات يوم، وأنا في العمل، جاءني اتصال من محامٍ أعرفه، قال لي بصوت حذر
يا فريدة.. أبوكي وأمك جاؤوا لي يسألوا هل يمكنهم يلغوا العقد بحجة أنكِ بنت وملكك للأسرة؟ وقلت لهم بوضوح القانون معكِ بالكامل، والشقة ملكك لا أحد ينازعك فيها. بس انتبهي.. هم ما استسلموش بعد.
شكرته، وأغلقت الهاتف. لم أكن خائڤة. كنت أعرف أن الحق واضح، والقانون في جانبي، والأهم من كل شيء.. أنا لم أظلم أحداً.
الجزء الرابع المواجهة في المحكمة
بعد ثلاثة أشهر، وصلني إشعار رسمي رفعوا عليّ قضية لإثبات أن العقد مزور، وأنهم هم من دفعوا ثمن الشقة، وبأنني أخدت ميراث العائلة وهربت به.
لم أقل لهم شيئاً. فقط جهزت كل الأوراق إيصالات الدفع الشهرية من راتبي، كشوفات حساب بنكية تثبت أن كل قرش دفعته من راتبي الخاص، شهود من العمل يعرفون ظروفي، وصور للمنزل القديم تثبت أنني كنت أقتصد في كل شيء لأوفر المبلغ.
في جلسة المحكمة، وقفت أمامهم بملابسي البسيطة، وأوراقي المرتبة. أمي كانت تبكي بصوت عالٍ وتقول للقاضي
هي بنتنا وربيناها.. المفروض تكون خير لنا مش
شړ! الشقة دي كانت هدية لابنتنا التانية!
القاضي نظر لي
ما ردك على كلامهم يا أستاذة فريدة؟
تكلمت بصوت واضح وثابت
سيادة القاضي.. أنا لم أمنعهم عن هبة شقة. أنا فقط منعتهم عنها شقتي. خمس سنين، لم أطلب منهم قرشاً واحداً، ولم أشتكِ من ضيق الحال. ادخرت من تعبي وعرقي. والحق أنهم لم يطلبوا مني التنازل طوال الخمس سنين.. فقط حين قررت أختي أن تتزوج، تذكروا أن بيتي يجب أن يكون هدية زواجها. الحب الحقيقي لا يُطلب على شكل تضحية من طرف واحد. أنا أخت هبة، وسأظل أختها.. لكنني لستُ مصرفاً مفتوحاً لاحتياجاتها.
عرضت الأدلة والوثائق. سكت الجميع. لم يكن لديهم دليل واحد يثبت مساهمتهم بقرش واحد. القاضي أصدر حكمه فوراً برفض الدعوى وتحميلهم أتعاب المحاماة.
خرجت من المحكمة، ورأيتهم واقفين في الرصيف الآخر. هبة كانت تبكي، وأمي تنظر لي پغضب، وأبويا يخفي وجهه بين كفيه. لم أشمت فيهم. فقط شعرت بۏجع خفيف في قلبي.. ألم الفراق عن أشخاص اختروا أن يكونوا غرباء.
الجزء الخامس البيت الذي أصبح بيتاً حقاً
مرت سنة. أنهيت تجهيز شقتي بالكامل. لم تكن فخمة ولا كبيرة، لكن كل ركن فيها كان يحكي قصتي. رسمت لوحات بسيطة وعلقتها على الجدران، وزرعت نباتات على الشرفة، وملأت البيت ضوءاً دافئاً كنت أفتقده طويلاً.
بدأت أدعو زميلات العمل لزيارتي، لأول مرة أستضيف أحداً بقلبي مفتوحاً لا أخشى فيه نظرات التقييم أو التعليقات السامة. ذات مساء، وأنا جالسة أشاهد فيلماً على كنبة صغيرة، سمعت جرس الباب. فتحت ببطء، فرأيت هبة واقفة وراء الباب، عيناها حمراء، وفي يدها كيس بلاستيكي صغير.
ممكن أدخل؟.. سألت بصوت خاڤت.
دخلت، جلست على حافة الكنبة، ونظرت حولها بدهشة
بيتك حلو أوي.. ما كنتش أعرف إنك ذوقك كده.
شكراً يا هبة.
حاتم وأمي تخاصموا.. عرفوا إننا مش هنقدر نعيش على كلام بس. و.. وقلت له إني عايزة أشتغل زيك. ضحك وقالي إني مش قد المسؤولية. وأول مرة شعرت بۏجع اللي كنتِ تحسين به طول السنين دي.
سكتت لحظة، ثم مسحت دمعة نزلت على خدها
أنا آسفة يا فريدة. آسفة جداً. ما كنتش عارفة إنك بتدفعي تمن كل حاجة لوحدك. كنت فاكرة الفلوس بتطلع سهلة من عندك زي ما بتبدو سهلة عند ماما.
مدت يدها بالكيس
جبتلك حاجة بسيطة.. عيد ميلادك كان امبارح، وما كنتش أقدر أجي. كل سنة وإنتِ طيبة.
احتضنتها ببطء. لم أقل لها سامحتكِ في تلك اللحظة، لكنني قلت لها
تعالي بكره الصبح، هنكتب مع بعض خطة صغيرة. هنشتغل، ونحوش، ونبني حياتنا بإيدينا. بس مش هنبنيها على حساب أحد.. حتى لو كان أقرب الناس لينا.
ابتسمت هبة، وكانت أول ابتسامة صادقة أراها عليها من سنين
اتفقنا.
الجزء السادس السنين التي أثبتت أن البيت يُبنى بالإحترام لا بالجدران
مرت خمس سنوات. لم تعد العلاقة مع أهلي كما كانت من قبل، ولم أريدها أن تعود. أصبحت زياراتنا قصيرة، لكنها تحمل احتراماً متبادلاً لم يكن موجوداً في السابق. أمي تعلمت أن تطلب قبل أن تأخذ، وأبويا بدأ يسألني عن رأيه بصدق لا بمجامعة، وهبة فتحت مشروعها الصغير للديكور المنزلي بمعونتي وبدعم حقيقي من نفسها هذه المرة.
وذات يوم، وقفت مع هبة في شرفتي نشاهد الغروب، وقالت لي بصوت هادئ
لو تنازلتِ لي عن الشقة يومها.. كنتِ خسړتي بيتك، وأنا كنت خسړت نفسي. شكراً لأنكِ قلتِ لي لا. لأول مرة في حياتي، ال لا اللي قلتيها لي هي اللي خلاني أبدأ أعيش حقاً.
ابتسمت لها، وأمسكت بيدها
البيت مش جدران يا هبة. البيت هو المكان اللي ما تضطرّي تتنازلي فيه عن نفسك عشان تبقي مقبولة. والعلاقات الحقيقية مش بتطلب منك تضحية بكل ما تملك.. بتطلب منكِ فقط أن تكوني موجودة بكل ما أنتِ عليه.
نظرت إلى بيتي، إلى الجدران التي دافعت عنها بكل ما أملك، وإلى النور الذي يملأ أركانه، وعرفت أنني لم أربح معركة في المحكمة فقط.. بل ربحت شيئاً أثمن بكثير نفسي