حماتي وسلفتي

لمحة نيوز

مكانها، لكني اتأكدت إن حد من أولادها وصل لها، وإنها مش في خطړ.
بعد ساعة، أحمد اتصل بيا وقال إن أمه بخير، وإنها كانت محتاجة مساعدة بس.
سمعته وهو بيقول بصوت منخفض
أنا آسف يا سارة.
سألته
على إيه؟
قال
على إني خليتك تشيلي كل ده لوحدك، وكنت بتعامل معاه كأنه حاجة مفروغ منها.
سكت شوية، وبعدها كمل
أنا مكنتش متخيل إن الموضوع محتاج كل الوقت والمجهود ده.
قلت له
أنا حاولت أشرح لك ده كتير، بس إنت مكنتش بتسمع.
رد
عارف. وأنا مش هطلب منك ترجعي تعملي كل حاجة زي الأول.
لأول مرة من فترة طويلة، حسيت إن كلامه ممكن يكون بداية تغيير حقيقي.
لكن كان لسه قدامنا كلام كتير، خصوصًا إن حماتي نفسها ماكنتش مستعدة تعترف إن المشكلة عمرها ما كانت في قلة اهتمامي بيها.
المشكلة كانت إنها اتعودت على عطائي، لحد ما بقت شايفاه حق مكتسب، وأي حاجة أقل من كده تعتبر تقصير.
وفي اليوم الرابع، قررت حماتي تجمعنا كلنا في شقتها.
ووقتها، كنت مستعدة أسمعها للآخر، لكن مش مستعدة أرجع لنفس الحياة اللي خرجت منها.
الجزء الثالث يوم ما اتكشفت الحقيقة
لما وصلت شقة حماتي، لقيت أحمد ومحمود ومنى قاعدين في الصالون.
الحاجة نادية كانت قاعدة على الكنبة، ووشها متجهم، وقدامها كوباية شاي ما شربتش منها غير رشفات بسيطة.
أول ما دخلت، بصت لي وقالت
أخيرًا يا سارة. تعالي اقعدي، إحنا لازم نخلص الموضوع ده.
قعدت في الكرسي المقابل ليها، وحطيت شنطتي جنبي.
بدأت كلامها من غير مقدمات
أنا عارفة إنك زعلانة مني، بس مهما حصل، أنا أم جوزك، ومينفعش تسيبيني بالطريقة دي.
بصيت لها وقلت
أنا ما سبتكيش من غير رعاية يا ماما. أنا سلمت منى جدول الأدوية، ومواعيد العلاج، وكل التفاصيل اللي محتاجاها. وأول ما حصلت مشكلة، اتصلت بأحمد ومحمود علشان ييجوا يساعدوكي.
ردت بعصبية
بس إنتِ كنتِ بتعملي كل حاجة بنفسك!
قلت لها
أيوه، وده كان اختياري في البداية، لكن مش معنى كده إني هفضل مسؤولة لوحدي طول العمر.
منى تدخلت وقالت
أنا مش ضد إني أساعد ماما، بس الموضوع أكبر من اللي كنت متخيلاه. أنا عندي بيتي وبنتي، ومش هقدر أكون موجودة كل يوم من الصبح لليل.
بصيت لها بهدوء.
وده حقك يا منى. وأنا مش طالبة منك تعملي أكتر من طاقتك. أنا بس بطلب إن كل واحد يشيل جزء من المسؤولية، بدل ما تتحط كلها على شخص واحد.
محمود حرك رجله بتوتر، وقال
طب ما نجيب ممرضة أو حد متخصص، ونقسم المصاريف بينا كلنا.
قلت له
فكرة كويسة. بس قبل ما نتفق، لازم نراجع المصاريف اللي اتدفعت خلال السنتين اللي فاتوا.
أحمد بص لي، وفهم إني بتكلم عن الفواتير اللي وريتهاله.
طلعت نسخة من كشف المصاريف، وحطيتها على الترابيزة.
قلت
أنا مش بطلب إن حد يعوضني عن وقتي أو تعبي، لكن المصاريف الفعلية اللي دفعتها لازم تتسجل بوضوح، علشان مايتكررش نفس الوضع تاني.
محمود بدأ يقلب في الأوراق، وكل ما يشوف مبلغ، يرفع عينيه باستغراب.
أما حماتي، فكانت بتبص للورق كأنها بتشوف لأول مرة حجم اللي اتصرف عليها.
بعد دقائق من الصمت، قالت
يعني إنتِ كنتِ بتدفعي كل ده من فلوسك؟
رديت
أيوه يا ماما. أحمد دفع أول شهرين، وبعدها أنا اللي كنت بتحمل أغلب المصاريف.
لفت وشها ناحية ابنها، وقالت
إنت ماكنتش بتدفع؟
أحمد اتوتر، لكنه رد بصراحة
أنا كنت بدفع جزء في البداية، وبعدها طلبت من سارة تتحمل المصاريف مؤقتًا، وفضلت مأجل الموضوع.
حماتي سكتت.
واضح إنها كانت فاكرة إن كل المصاريف دي بتتدفع من حسابنا المشترك، وإن أنا مجرد واحدة بتنظم الأمور.
لكن الحقيقة كانت مختلفة.
أنا ماكنتش بس بقدم
وقتي ومجهودي، أنا كمان كنت بصرف من فلوسي الخاصة، وفي نفس الوقت كنت بتعرض للانتقاد لأنهم شايفين إني مش بقدم حنية كفاية.
منى بصت لحماتي، وبعدها قالت
يا ماما، أنا عارفة إنك بتحبيني، لكن لازم نكون منصفين. سارة عملت حاجات كتير، وإحنا كلنا اتعودنا إنها هتفضل تعملها.
حماتي اتضايقت من كلامها.
إنتِ كمان يا منى؟ مش إنتِ اللي كنتِ بتقولي إنك هتهتمي بيا؟
منى ردت بهدوء
أنا ههتم بيكي يا ماما، لكن مش هقدر أعمل كل حاجة لوحدي، زي ما سارة ماكانش المفروض تشيل كل حاجة لوحدها.
الكلام ده خلّى حماتي تسكت تمامًا.
لأن لأول مرة، سمعت من الشخص اللي كانت بتعتبره أكتر واحدة حنينة عليها، إن الرعاية مسؤولية كبيرة، وإن الحب مش معناه إن حد يضحي بحياته كلها.
أحمد استغل لحظة الهدوء، وقال
أنا شايف إننا نتفق على نظام واضح. هنجيب ممرضة متخصصة تيجي في المواعيد اللي محتاجين فيها مساعدة، وهنقسم تكلفة الرعاية بيني وبين محمود بالتساوي، وماما هتفضل في بيتها طالما الدكتور شايف إن ده مناسب لحالتها.
محمود وافق، لكنه حاول يضيف
بس لو فيه أي مصاريف زيادة، لازم نتفق عليها قبل ما ندفع.
المرة دي، أنا اللي ابتسمت.
قلت له
طبعًا. كل حاجة هتكون مكتوبة وواضحة، ومفيش حد هيتحمل أكتر من نصيبه من غير اتفاق.
أحمد بص لي، وفهم إن دي مش مجرد جملة عابرة.
دي كانت قاعدة جديدة لازم تتطبق في حياتنا كلها، مش في رعاية حماتي بس.
بعد الاجتماع، اتفقنا مع شركة رعاية منزلية مرخصة، وجبنا ممرضة مؤهلة تساعد الحاجة نادية في الأوقات اللي بتحتاج فيها متابعة طبية، مع استمرار العلاج الطبيعي حسب تعليمات الدكتور.
أما المواعيد اليومية البسيطة، فاتقسمت بين أولادها حسب ظروفهم.
أحمد بقى مسؤول عن مواعيد المتابعة الطبية وتنسيق العلاج، ومحمود اتفق إنه يروح لها يومين في الأسبوع بعد ما يقفل المحل، ومنى بقت مسؤولة عن تجهيز بعض الوجبات ومتابعة احتياجات البيت في الأيام اللي تقدر فيها.
وأنا؟
رجعت لحياتي.
رجعت أركز في شغلي، ووافقت على مشروع جديد كنت مأجلاه بسبب انشغالي المستمر.
وبقيت أزور حماتي من وقت للتاني، لكن من غير ما أرجع أشيل مسؤولية كل تفصيلة في حياتها.
في البداية، كانت بتعاملني ببرود، وأحيانًا كانت تلمح إني اتغيرت وإن قلبي مبقاش زي الأول.
لكن المرة دي، مكنتش بدخل في جدال.
كنت بقول لها
أنا لسه بحترمك يا ماما، ولسه بتمنى لك الصحة، لكن لازم يكون فيه حدود واضحة بين المساعدة وبين إن حياتي كلها تتوقف علشان أقدر أرضيكي.
ومع مرور الأسابيع، بدأت تفهم إن وجودي في حياتها مش معناه إني لازم أكون متاحة في كل لحظة، وإن الزيارة اللي بعملها بمحبة أحسن من خدمة بعملها وأنا مستنزفة ومقهورة.
بعد حوالي شهرين، حصل موقف صغير لكنه كان مهم بالنسبة لي.
كنت رايحة أزورها يوم الجمعة، ولقيت منى هناك، قاعدة جنبها وبتساعدها تختار هدومها علشان يخرجوا يتمشوا شوية في البلكونة.
أول ما شافتني، حماتي قالت
تعالي يا سارة، اقعدي معانا.
قعدت، وبعد شوية بصت لي وقالت
أنا كنت عايزة أقولك حاجة.
بصيت لها مستنية تكمل.
قالت بصوت هادي
أنا ظلمتك لما كنت بقول إنك مش حاسة بيا. كنت شايفة منى بتيجي تضحكني وتتكلم معايا، وكنت بنسى إنك إنتِ اللي كنتِ بتشيلي الحمل كله.
سكتت لحظة، وبعدين كملت
أنا اتعودت على وجودك لدرجة إني ما بقيتش شايفة التعب اللي وراه.
مكنتش محتاجة منها اعتذار طويل، ولا كنت مستنية اللحظة دي علشان أشمت فيها.
كل اللي كنت عايزاه إنها تفهم إن اللي بقدمه مش واجب مفروض عليّا من غير تقدير، وإن الإنسان مهما كان بيحب عيلته،
ليه طاقة وحدود.
ابتسمت وقلت
أنا مسامحاكي يا ماما، بس
أتمنى إننا من هنا ورايح نبقى واضحين مع بعض، وما نحملش حد فوق طاقته.
هزت راسها، ومدت إيدها مسكت إيدي.
وفي اللحظة دي، حسيت إن العلاقة بينا ممكن تبدأ من جديد، لكن بشكل مختلف، فيه احترام متبادل بدل ما يكون فيه طرف بيدي طول الوقت وطرف بياخد من غير ما يفكر.
أما أحمد، فالتغيير الحقيقي عنده ماكانش مجرد إنه بدأ يشارك في مصاريف أمه.
بعد ما شاف كل الفواتير، وراجع بنفسه قد إيه أنا تحملت خلال السنتين اللي فاتوا، بدأ يعيد ترتيب حساباتنا، واتفقنا إن مصاريف البيت وأي التزامات عائلية لازم تكون واضحة ومتفق عليها بينا.
كمان فتح موضوع الستين ألف جنيه اللي كان اداهم لمحمود من حسابنا المشترك، واتفق مع أخوه على جدول واضح لرد المبلغ على أقساط.
ولما رجعنا نتكلم عن اللي حصل، قال لي
أنا كنت فاكر إنك هتفضلي تتحملي كل حاجة، علشان إنتِ دايمًا بتعرفي تتصرفي.
رديت عليه
كوني بعرف أتصرف مش معناه إني مش بتعب. وكوني قوية مش معناه إنك تسيبني أواجه كل حاجة لوحدي.
فضل ساكت شوية، وبعدها قال
عندك حق.
مكنتش مستنية إنه يتغير في يوم وليلة، لكن المرة دي كان فيه خطوات واضحة، مش مجرد وعود وقت الخلاف.
وبمرور الوقت، بدأت أحس إن جوازنا بقى أهدى، لأننا بقينا بنتكلم عن المشاكل قبل ما تتحول لعبء على طرف واحد.
أما حماتي، فبقت تعرف إن وجودي في حياتها مش معناه إني خدامة عندها، وإن اهتمامي بيها مش مرتبط بقد إيه أقدر أصرف أو أضحي.
وبقيت كل ما أزورها، أجيب لها حاجة بسيطة بتحبها، وأقعد معاها شوية، وأرجع بيتي وأنا مرتاحة.
لأن المساعدة اللي بتطلع من القلب عمرها ما كانت محتاجة إن الإنسان يلغي نفسه علشان يقدمها.
وفي يوم، وأنا خارجة من عندها، نادت عليّا وقالت
يا سارة، استني.
لفيت لها، فقالت
شكرًا إنك ما سيبتنيش فعلًا، رغم كل اللي قلتهولك.
ابتسمت ورديت
أنا ما سبتكيش يا ماما، أنا بس بطلت أشيل المسؤولية لوحدي.
خرجت من شقتها وأنا حاسة براحة حقيقية.
أنا ما خسرتش عيلتي لما حطيت حدود، وما بقيتش إنسانة وحشة لمجرد إني رفضت أتحمل كل حاجة لوحدي.
بالعكس، لما وقفت في المكان الصح، كل واحد بدأ يشوف مسؤوليته بوضوح.
واتعلمت إن الحب مش معناه إنك تفضل تدي لحد لحد ما تخلص، وإن الاحترام الحقيقي مش إن الناس تعتمد عليك في كل حاجة، لكن إنهم يقدروا تعبك ويحترموا حقك في إنك تعيش حياتك.
ومن يومها، بقيت أفتكر الجملة اللي قلتها لحماتي في اللحظة اللي قررت فيها أغير كل حاجة
خلاص يا حماتي، من النهارده خلي مرات ابنك التاني تاخد بالها منك!
وقتها كنت فاكرة إني بس بوقف خدمة استنزفتني سنتين وتلات شهور.
لكن الحقيقة إني كنت ببدأ مرحلة جديدة، اتعلمت فيها إن اللي بيحبك بجد مش لازم يستفيد من طيبتك على حساب راحتك، وإن أحيانًا كلمة لأ بتكون أهم خطوة علشان ترجع لنفسك وكرامتك وحياتك.

تم نسخ الرابط