بعد شغل عشر ساعات جوزي داق البسلة

لمحة نيوز


أغلقت الباب ببطء، وقمتُ وأشرت
لهم على الكراسي
اتفضلوا اقعدوا. قبل ما أي حد يتكلم، عايزة أقولكم حاجة كنت مخبّاها من زمان، بس الوقت المناسب جاي عشان تعرفوا الحقيقة كاملة.
فتحت الدرج وطلعت ملفاً كبيراً أخضر، وفتحتُه قدام عينيهما
ده سجل كامل لتحويلاتي البنكية طول الخمس سنين الأخيرة. كل شهر بتحول مبلغ ثابت لحساب سامح. المجموع.. مائتان وثلاثة وأربعون ألف جنيه. وكنت فاكراه بيحطهم في حسابنا المشترك عشان المستقبل، عشان نشتري بيت خاص بينا.
صفاء ضحكت بصوت عالٍ
وأنا مالنا ومال فلوسك؟ هو جوزك، من حقه ياخد منك!
صحيح.. بس المشكلة يا طنط صفاء، إن الفلوس دي ما وصلتش لبيتنا أبداً.
قلبت الصفحة التانية، وظهر كشف حساب بنكي لحساب سامح الشخصي
شفتوا؟ كل ما بحول له مبلغ، بيحولوه في نفس اليوم لحساب باسم.. صفاء عبد الرحيم. حسابك أنتِ يا طنط.
لون وشهما اتغير فجأة. سامح حاول يتكلم
ده.. ده مش معناه إنك خسرتِ حاجة! الفلوس كانت عند أمي حفظاً للأمانة!
أمانة؟ سألتُ بهدوء وأخرجتُ ورقة أخيرة إذن ليه اشتريتِ شقة باسمك أنتِ يا طنط صفاء في أكتوبر الجديدة قبل ثلاثة أشهر؟ ولما سألتِ سامح قالك إن الفلوس دي من مدخراته الشخصية؟ بينما كل قرش منها كان من راتبي أنا؟
الصمت ساد المكان تماماً. صفاء كانت بتبص في الأرض وما تقدرش ترفع عينها في عيني. وسامح كان بين ارتباك وڠضب، مش عارف يبرر إيه ولا منين يبدأ.
أنا مش هطلب منك الفلوس دي النهاردة، كملتُ بصوت ثابت لأنني رفعت قضية استرداد أموال واختلاس، والمحامي بتاعي قال إن الأوراق دي كفيلة ترجع لي كل قرش سحبتوه مني، بالإضافة لفوائد وتعويض عن الضرر المعنوي. والطلاق.. مطلوب للضرر والخېانة المالية، والأوراق واصلة للمحكمة غداً الصبح.
صفاء صړخت
إنتِ بتهددي عيلتنا؟ ده ابني وكل حاجة لينا!
أنا باحمي حقي بس. خدوا بالكم، المحكمة هتقول كلمتها، ولو عايزين تسووا الموضوع ودياً، الباب مفتوح للمحامي بتاعكم يتواصل مع محاميتي. لكن من هنا لفوق.. ممنوع تيجوا هنا، وممنوع تتصلوا بيا. اتفضلوا، سلام عليكم.
دفعتهم للخارج بكرامة، وأغلقت الباب في وجوههم. سمعتهم وهم بيتخانقوا في السلالم، صفاء بتلومه وسامح بيقولها إنها هي اللي طلبت الفلوس. ما كان يهمّني شيء من ده. أنا كنت خلاص استردت نفسي.
الجزء الرابع الندم الذي جاء متأخراً جداً
الأيام مرت ببطء لكنها كانت أهدأ وأسعد من كل السنين اللي فاتت. كنت بروح الشغل وأنا مرتاحة البال، برجع البيت أطبخ اللي أنا بحبه، أشاهد الأفلام اللي أنا عايزاها، وأنام من غير ما أسمع نقد ولا مقارنات.
بعد أسبوعين، وأنا نازلة من العمارة، شفت سامح واقف في انتظاري عند البوابة. شكله تغير كتير ملابسه مكوية بس قديمة، وجهه شاحب، وعيناه بهتانة. لما شفتني، نزل رأسه بخزي واضح
مروة.. ممكن أتكلم معاكي
دقيقة واحدة بس؟ أرجوكِ.
وقفتُ بعيداً عنه بشوية
اتفضل، بس بسرعة عندي موعد.
أمي طردتني من بيتها، قال بصوت مكسور عرفت إن المحكمة ممكن تسحب الشقة منها فبقت تقول لي إني السبب في كل مصيبتها. طردتني وأنا معايا حقيبة ملابس بس. أنا.. أنا عايش في فندق رخيص دلوقتي، وكل أصحابي ابتعدوا عني لما عرفوا بالموضوع.
حسيت بشفقة عليه، بس مش بما يكفي إني أسمحله يرجع لحياتي
أنا آسفة لسماع ده يا سامح. بس ده نتيجة قراراتك أنتِ. خنت الأمانة، استغليت طيبتي، وأهنتني في بيتي. الندم مش بيمسح الغلط، وإنما بيصحح المسار. ابدأ من جديد، اشتغل، اعتمد على نفسك، وتبقى راجل بجد.
سامحيني يا مروة.. كنت أعمى، كنت أسمع كلامها وأعمل نفسها عمياء. بس أنا بحبك، تعالي نرجع لبعض، كل حاجة هتتغير، صدقيني!
لو حببتني حقاً، ما كنتش تقارنني بيها كل يوم. لو كنت تحترمني، ما كنتش تسرق تعبي وتعبه. ربنا يوفقك يا سامح، والسلام عليكم.
مشيت وتركته واقفاً وحيداً. لم ألتفت ورايا، لأنني كنت عارفة إن الطريق اللي قدامي أجمل وأبقى من النظر لورا.
الجزء الخامس العدالة تأخذ مجراها ببطء لكن بثبات
بعد ثلاثة أشهر، صدر حكم المحكمة النهائي
الطلاق للضرر أصبح رسمياً ونافذاً
استرداد كامل المبالغ المحولة بشكل غير قانوني، مع جدول سداد شهري
وتأكيد أن الشقة وممتلكاتي الشخصية تظل ملكاً لي ولا حق له فيها بأي شكل
لم يكن انتصاراً بالمعنى التقليدي.. لم أكن أحتفل بفوز، كنت فقط أشعر بالسلام النفسي لأني استعدت حقي وكرامتي.
ذات يوم، قابلتُ جارتي القديمة في الشارع، قالت لي بصوت منخفض
سامح عمل في شركة مقاولات صغيرة، بياخد راتب بسيط وبيدفع لأمه إيجار شقة صغيرة. صفاء تعبت كتير، والشقة اللي اشترتها اتباعت عشان تسدد الدفعة الأولى من الحكم. بيتمنوا لو يرجع الزمن لورا.
ابتسمتُ بكل هدوء
الزمن ما بيرجع يا طنط. لكن الجميع لسه عنده فرصة يبدأ من جديد. ربنا يهديهم ويصلح حالهم.
لم أشمت، ولم أفرح لدمارهم. فقط كنت ممتنة جداً للقوة اللي ساعدتني أخرج من تلك الدوامة بأقل الخسائر الممكنة.
الجزء السادس حياتي التي بدأت للتو
في عيد ميلادي الخامس والثلاثين، جلست على شرفة شقتي وكتبت في مذكراتي
سبع سنين مضت كأنها حلم طويل مزعج. كنت فاكرة إني محتاجة لشخص يكملني، لحد ما اكتشفت إنني كنت كاملة من الأساس.. هو اللي كان ناقصني وكان بياخد مني ولا بيديّ شيء.
اليوم أنا مش مجرد مطلقة أو ست مستقلة. أنا إنسانة تعلمت أن قيمتي مش في مدح حد لي ولا في رضاه عني. قيمتي في كرامتي، في عملي، في سلامي الداخلي. الأكل اللي بطبخه لنفسي بيكون ألذ لأنني بطبخه بحب وبدون ما حد يقارنني بحد. والبيت اللي أنا ساكنة فيه ملك لي لأنني أنا اللي دفعت
ثمنه بعرقي وتعبي.
وأجمل درس تعلمته أنك لما تضع حدوداً واضحة في حياتك، الناس اللي بتحترمك هتبقى وتحترمها، والناس اللي بيستغلوك هيروحوا من نفسهم. ومش خسارة فيك أي حد بيختار يبعد عنك عشان ما تقدرش تستغله.
سكبتُ كوباً من العصير الطازج، وشغلتُ الموسيقى اللي بحبها، ورقصتُ لنفسي على إيقاع الحياة الجديدة. لم أكن وحدي.. كنت مع نفسي، وأفضل صديقة يمكن أن أملكها.

تم نسخ الرابط