من صفقة الي عشق الجزء الثاني حكايات مني السيد

لمحة نيوز

الفصل الأخير
الشهور في قصر الزمالك مكنتش بتعدي زي ما الساعات العادية بتمر في بيوت الناس؛ الشهور كانت بتتسحب على مهل، بتدوب التلج حتة حتة من غير ما حد فينا ياخد باله، أو يمكن كنا واخدين بالنا وبنستعبط، بنهرب من الحقيقة عشان خايفين اللحظة اللي هنعترف فيها بكل حاجة تيجي وتفركش الحصون اللي بنيناها حوالين قلوبنا سنين.
الست اللي كانت داخلة بشنطها دي، شيرين بنت خالة سيف، مكملتش في القصر أكتر من ربع ساعة؛ سيف أول ما وصل وشافها بتستعرض في الصالون، مسحلهاش مساحة تتنفس، وكلمة واحدة منه خلت الشنط تترمي في العربية وتطلع على أوتيل في التجمع، وهو باصصلي قدامها بنظرة فيها يقين مطلق وقال بهدوء حارق ريتا مش واجهة يا شيرين، ريتا ست البيت ده وصاحبة الكلمة فيه.
من بعد اليوم ده، ومن بعد ما الجمعية العمومية خلصت، وفؤاد عمه اتكشف ورقه واتشطب من كل مجالس الإدارة وخرج برة اللعبة بڤضيحة مالية سكتت كل ألسنة السوق، الجوازة اللي كانت معمولة لغرض محدد مخلصتش. بالعكس، بدأت تاخد شكل تاني خالص.
السنة ونص جريت... عشناهم تحت سقف واحد، بس في عالمين كانوا بيقربوا كل يوم مليمتر زيادة. الجدول اللي كان تمان صفحات اختفى من تاني شهر ومبقاش له أثر. بقيت أصحى الصبح ألاقي فنجان القهوة بتاعي مظبوط من إيده هو، وساعات كتير لما بكون سهرانة براجع ملفات مكتب التدقيق والرقابة المالية في أوضة مكتبي بالدور التاني، ألاقيه داخل في نص الليل، قالع الجزمة ولابس هدوم البيت القطنية الواسعة، وشايل في إيده كوبايتين شاي بالنعناع، ويقعد على الكنبة الجلد قصادي من غير ولا كلمة، يفتح رواية أو كتاب تاريخ، ويفضل قاعد معايا لحد ما أطفي النور، بس عشان مكنش قاعدة لوحدي.
بدأنا نخرج مع بعض، مش عشان مناسبات، ولا عشان الصحافة ولا الكاميرات... كان ياخدني بعربيته من غير حراسة ولا سواقين، نلف على كورنيش المعادي في عز البرد ناكل درة مشوي، أو ندخل وسط البلد نشرب عصير قصب، أخطر راجل في مواني القاهرة كان بيتحول لولد شقي ومرتاح أول ما يقفل باب عربيته علينا.
كنت بشوف في عينيه إعجاب مكنش بيعرف يداريه، لما ألبس حاجة حلوة يفضل باصص وميقولش غير ما شاء الله، طالعة جميلة الليلة، ولما أتكلم في البيزنس وسط رجالة السوق كان يسند ضهره لورا ويشرب سجارته ويبصلي بفخر كأنه بيقول للعالم كله دي مراتي.
وأنا؟ أنا كنت بغرق فيه بالبطيء... الراجل البارد، الحاد، طلع أرق وأحن بنّي آدم ممكن الواحدة تأتمنه على روحها. كان بيحس بتعبي من نبرة صوتي، ولما كنت بمرض كان هو اللي يقعد جمبي يكمدلي راسي بنفسه ويصحي عم إبراهيم يعمل الشوربة.
لحد ما جه اليوم اللي الاتفاق كان مكتوب عليه يخلص... يوم
14 إبريل. اليوم اللي كملنا فيه سنة وست شهور بالدقيقة والثانية.
كنت قاعدة في أوضتي بالليل، الشنطة الكبيرة مفتوحة على السرير، وهدومي متطبقة نصها برة ونصها جوة. كان قلبي بيتقطع مع كل بلوزة بشيلها من الدولاب. الاتفاق خلص، ديون أبويا اتسددت، شركته رجعت وقفت على حيلها، والأسهم بقت في إيد سيف بالكامل، يعني خلاص... مفيش حجة لأي حاجة.
مسكت البرواز الصغير اللي على الكومودينو، كانت صورة لينا متصورة صدفة في الأقصر من تلات شهور وإحنا بنضحك من قلبنا عند معبد الكرنك. عيني دمعت، ومسحت الدمعة بسرعة لما حسيت بخطوات تقيلة عند الباب.
التفتت لقيته واقف. كان لابس قميص أسود فاتح زرايره اللي فوق، ساند كتفه على حلق الباب، وعينيه مثبتة على الشنطة المفتوحة على السرير. وشه كان شاحب وملامحه مشدودة بطريقة وجعتلي قلبي، كأنه راجل رايح للإعدام برجليه.
فضل ساكت ثواني طويلة، الهوا في الأوضة بقى تقيل ومخڼوق، وبعدين بص في عيني بصوت واطي ومبحوح بتعملي إيه يا ريتا؟
بلعت ريقي وحاولت أبان قوية زي أول يوم دخلت فيه القصر بلم حاجتي يا سيف... النهاردة ١٤ إبريل. السنة ونص خلصوا.
خطى جوة الأوضة ببطء، خطوة ورا التانية لحد ما وصل عند السرير، ومد إيده ومسك حرف الشنطة، وقفلها بحركة واحدة هادية بس حاسمة، وبعدها زقها برجله على جنب وقعد قصادي على حرف السرير ومين قالك إنك ماشية؟
ضحكت بۏجع، ورفعت راسي وبصيتله إنت اللي قولت! نسيت ليلة فرحنا؟ هنتطلق بهدوء ومن غير فضايح، ومفيش مشاعر ومفيش أوهام ملهاش لازمة، وإنتِ بالنسبالي ولا حاجة... أنا فاكرة كل كلمة قولتهالي بالحرف يا باشمهندس.
سيف رفع عينه ليا، وشفت فيهم نظرة عمري ما شوفتها في عيون راجل قبله... كان فيهم رجا، واعتراف، وضعف إنسان بيحط قلبه على كف إيد الست اللي بيحبها ومستني حكمها. مد إيده الاتنين، ومسك كفوفي بين إيديه، صوابعه كانت دافية وبتترعش خفيف كنت حمار يا ريتا. كنت أعمى ومقفول ومش شايف قدامي غير التار والاڼتقام والۏجع القديم... كنت خاېف أضعف، خاېف أحب واحدة فيوم من الأيام تسيبني زي ما كل اللي بحبهم مشيوا.
سكت ثانية وأخد نفس طويل كأنه بيطلع جبل من على صدره، وكمل بس إنتِ مكنتيش ولا حاجة... إنتِ بقيتي كل حاجة. ريتا، البيت ده من غيرك قبر، الشغل من غير ضحكتك على التليفون في نص اليوم ملوش أي معنى، أنا مبقتش بعرف أنام غير لما أسمع صوت خطواتك في الممر، ولا بعرف أرتاح غير وإنتِ قاعدة قصادي. السنة ونص دول مكانوش صفقة... دول كانوا أحلى أيام عشتها في عمري كله، وأنا مش مستعد أسيبك تمشي خطوة واحدة برة الباب ده.
دموعي نزلت ڠصب عني، مقدرتش أمنعها وسنة ونص وأنت ساكت ليه يا سيف؟ ليه كنت بتعاملني
بحساب؟ ليه كنت سايبني تايهة بين حنيتك وبرودك؟!
قرب مني أكتر، ورفع إيده ومسح دمعتي بصوابعه برقة تدوخ، وهمس وشفايفه قريبة جدًا من وشي كنت مستني السنة ونص تخلص عشان أضمن إنك لو فضلتي معايا، تفضلي عشان عايزاني أنا... مش عشان أبوكي، ولا عشان الديون، ولا عشان ورقة ممضية بين عيلتين. كنت عايز أثبتلك إني مش شريكي، أنا راجلك اللي بيعشقك وعايز يبدأ معاكي من الصفر.
قلبي دق دقات مچنونة، حسيت إن الدنيا بتلف بيا طب ودلوقتي؟
سيف ابتسم ابتسامته الساحرة اللي بټخطف الروح، ومسك وشي بين كفوفه الاتنين، وباس جبيني بوسة طويلة وطاهرة خلت جسمي كله يقشعر، وبعدين قال وهو باصص في عيني بعمق دلوقتي، الاتفاق القديم ماټ واتحرق... ودلوقتي أنا بطلب منك تتجوزيني بجد. ريتا النابلسي... تقبلي تفضلي مراتي لأخر يوم في عمري؟
هزيت راسي والدموع بتنزل بس المرة دي كانت دموع فرحة مالية صدري كله موافقة يا سيف... موافقة من زمان أصلًا، إنت اللي كنت غبي وواخد وقتك.
ضحك بصوته كله، صوته الرجولي الرنان

تم نسخ الرابط