صلاحية منتهية

لمحة نيوز

​السكوت اللي حصل في الصالة كان يخليك تسمع دبة النملة. مفيش حد فينا استوعب اللي بيسمعه.بقلم منــال عــلي 

وفضل يكمل إهانة فيها وكأننا مش موجودين: "مابقتيش الست اللي اتجوزتها.. شعرك اللي شاب، وتجاعيد وشك، والوزن اللي زاد.. أنا حافظت على نفسي ولسه شباب، ومن حقي أعيش مع واحدة تليق بمستوايا وشكلي دلوقتي".

​لوسي بدأت تعيط بصوت مكتوم، وبابا رمى الدوسيه قدام أمي: "مقدرش أعجز جنب واحدة أهملت في نفسها.. كل سنة وانتي طيبة".

زين مد إيده وفتح الشريط.. وخرجت الورقة: "قسيمة طلاق".بقلم منــال عــلي 

​نفسي أقول إن أمي صرخت في وشه، أو رميت الورقة دي في عينه، أو حتى حدفت التورتة في وش والدي اللي مابرحمش.. بس أمي فضلت ساكتة. وشها كان خالي من أي تعبير، لدرجة خفتني عليها أكتر من الطلاق نفسه.

​في ليلتها، لّم هدومه ومشي.. وسابنا كلنا في حالة ذهول. نورا كانت هتنفجر من الغضب، ولوسي ماسكة في أمي وبتبكي، وزين تايه مش فاهم حاجة. وأمي سألته عند الباب وهي بتودعه: "ماشي دلوقتي؟"

رد عليها وهو بيقفل الباب وراه: "هرجع آخد باقي حاجتي بعدين".

​وبعد أسابيع، القناع وقع تماماً. بابا بدأ ينشر صوره مع واحدة اسمها "تيسا"، في العشرينات من عمرها.. أكبر مني بحاجة بسيطة!

صور في مطاعم غالية، وعلى البحر، وسهرات.. وبابا صبغ شعره وبيض سنانه وجاب لبس "شبابي" مستفز. نورا كانت بتابع صوره كل يوم وهي محروقة، لحد ما باسم قال لها: "هتفضلي تحرقي في دمك لحد إمتى؟"بقلم منــال عــلي 

ردت بوجع: "عاوزة أشوف الشخص اللي فاكر نفسه لسه مراهق ده هيوصل لفين".

​في الوقت ده، أمي كانت لسه بتعمل غدا لسبعة أشخاص.. غصب عنها، إيدها خدت على كده. أول مرة شفتها بتحط الطبق السابع (مكان بابا) وقفت تتأمله بكسرة، قمت شلت الطبق من قدامها براحة.. بصت لي وقالت بوجع: "عارفة.. والله عارفة".

كانت دايماً تقول "أنا كويسة"، بس عيونها كانت بتقول غير كده خالص.

​في ليلة، لقيتها قاعدة بتشوف صورة قديمة ليها وهي صغيرة، وهمست لنفسها: "هو أنا فعلاً اتغيرت كدا؟ هو ده كل اللي بقيت عليه؟ مجرد واحدة عجزت؟"

قلت لها بدموع: "لأ يا أمي.. هو اللي عجز في نظري ونظرنا كلنا".

​بدأنا نقف جنبها بجد.. نورا بقت تروح معاها لكل مشاوير المحامي، وبدأنا نشجعها تخرج وتشوف حياتها.

أمي بدأت تشتغل "شيف" في شركة بوفيهات صغيرة عند واحدة صاحبتها، وفي شهر واحد، صاحبة الشغل قالت لها: "يا منى، مفيش حد بيعرف يدير المطبخ زيك".

​أمي بدأت تتغير.. قصت شعرها قصة "كاريه" تليق عليها، اشترت جزمة جديدة مريحة، وبدأت تضحك من قلبها.

أما بابا.. فكنا بنعرف أخباره من عمتي "ليديا"، الوحيدة اللي كانت صريحة معانا. قالت لنا مرة: "أبوكم ده طول عمره بيهمّه المنظرة الكدابة أكتر من الحقيقة.. ما تصدقوش الصور اللي بينزلها".

​وبعد سنة كاملة.. أمي كانت بطلت تستنى أي حاجة منه. بنت حياتها وبقى ليها كيانها وفلوسها.

لحد ما جه اليوم اللي عمتي اتصلت فيه وقالت الجملة الشهيرة: "تعالي شوفي صاحب كلمة 'صلاحيتك انتهت' بقى شكله إيه دلوقتي". بقلم منــال عــلي 

​لما رحنا هناك، عمتي فتحت لنا وهي تعبانة وقالت: "العملية فشلت".

أمي استغربت: "عملية إيه؟"

عمتي ردت بمرارة: "صرف كل مليم وراه وقدامه عشان يفضل 'شباب'.. عمليات تجميل، شد وش، حقن، زراعة شعر.. كل ما حد يوهمه إنه هيرجع صغير، يدفع له وهو مغمض.. وتيسا أول ما الفيزا فضيت، سابته وخلعت".

​دخلنا الصالة.. وماعرفتوش!

وشه كان غريب.. مشدود من ناحية ونازل من ناحية، ملامحه كأنها "بلاستيك" سايح، شعره مصبوغ أسود فاحم بطريقة تخوف.. بقى شكله مش أصغر، بقى شكله "مشوه".

أول ما شاف أمي وقف وقال بصوت مهزوز: "منى.. أنا غلطت.. الدنيا ما مشيتش زي ما كنت فاكر".

​أمي بصت له بكل هدوء.. الثبات اللي كان في عيونها كان يخوف.

قال لها: "أنا كنت فاكر إننا ممكن نقعد نتكلم.. نرجع اللي كان بينا".

أمي ردت بكلمة واحدة هزت الحيطان: "إحنا مابقاش لينا وجود".

​حاول يبرر وقال: "كنت ساعة غضب.."

قاطعته بكل قوة: "أنت كنت أناني ومغرور، ولسه زي ما أنت.. أنت قلت لي إني ميتة وصلاحيتي انتهت.. والنهاردة أنا بقولك إن العرض بتاعك خلص، ومابقاش ليك مكان في حياتنا".

​لأول مرة في حياتي، أشوف والدي "صغير" قوي.. مجرد راجل عجوز بيحاول يداري خيبته ورا وش مشوش.

أمي لفت ضهرها وخرجت، وإحنا وراها.. كلنا وراها. بقلم منــال عــلي 

​بره، في الهوا النضيف، أمي بصت للسما وابتسمت.. كانت أقوى وأجمل ابتسامة شفتها في حياتي. ابتسامة واحدة عرفت إن "صلاحيتها" لسه بتبدأ من جديد، وهو اللي "انتهى" في مزبلة غروره.

تم نسخ الرابط