قلب حجر كاملة بقلم مني السيد
روايات و اقتباسات
وقفلت السكة. ومن اللحظة دي.. التليفون مسكتش بس، ده العالم كله سكت، ومفضلش غيري أنا وإيد بابا اللي بدأت تدفى في إيدي.
الجزء الثاني لحظة الحساب.. والطريق للمنصورة
ساد السكون.. مش السكوت اللي بيعدي في ثواني، لأ، ده كان سكوت تقيل، كأن الكلمة خبطت في وشها وقطعت عندها الإرسال. فضلت ضاغطة على السماعة في ودني، مش عشان أسمع ردها، بس عشان أسند نفسي من الرعشة اللي في جسمي.
أبويا ملوش غيري يا حاجة كريمة.. كملت وصوتي بيزداد ثبات، إنتي ليكي ابنك هشام، وعندك بيت، وعندك أكل.. لكن هو، ملوش في الدنيا دي كلها غير إيدي اللي ماسكاها دلوقتي.
مستنيتش أسمع رد، وقفلت السكة. ولأول مرة من سنين، محستش بالذنب. فضلت باصة لشاشة الموبايل السوداء وكأني شايفة فيها وشي لأول مرة.. هل دي أنا؟ هل الصوت القوي ده صوتي؟ أنا ليلى اللي اتعودت أقول حاضر قبل ما يطلبوا، أنا اللي كنت بخاف أعمل صوت عشان ميزعلوش.. فجأة بقيت حد تاني.
يمكن عشان شفت عم إبراهيم ضعيف ومهزوم، افتكرت كل مرة شالني فيها ومسابش إيدي والدنيا بتتهد فوق دماغه. عرفت في لحظة إن مفيش حد هيحط لي حدود ويحفظ كرامتي غيري أنا. حطيت الموبايل في جيبي ورجعت الأوضة.
صوت الأجهزة اللي كان بيقبض قلبي من شوية، بقى هو أحلى صوت في ودني.. بيب.. بيب.. يعني لسه عايش. قعدت جنبه وهمست
رجعت لك يا بابا.
مردش، بس حسيت بصوابعه بتتحرك حركة خفيفة تحت إيدي.. أو يمكن ده كان أملي هو اللي بيتحرك.
مكالمة هشام والقرار الصعب
الساعات في المستشفى مبتمشيش زي بره، الساعة بتبقى سنة، والوقت واقف بين الأمل والخوف. فجأة الموبايل هز في جيبي.. مكنتش الحاجة كريمة، كان هشام جوزي.
رديت بصوت مجهد أيوة يا هشام؟
جاء صوته مشدود، فيه نبرة تعب وهروب
يا ليلى.. أمي قالبة الدنيا، وبتقول إنك قليتي أدبك عليها وإنك عمرك ما كلمتيها بالأسلوب ده.
غمضت عيني وقولت ببرود
عشان عمري ما اتحطيت في موقف زي ده يا هشام.
هي بس كانت عاوزاكي تيجي تطبخي..
أبويا في الإنعاش يا هشام! بين الحياة والموت!
أنا عارف، بس..
لأ مش عارف! قاطعته بحرقة، إنت مش عارف يعني إيه أشوفه بيتدبل قدامي وأنا مطلوب مني أسيبه وأروح أعمل رز وسمك وكأن مفيش حاجة حصلت!
سكت شوية، وبعدين قال الجملة اللي بتهدم أي سقف
دي أمي يا ليلى.. إنتي عارفة.
رديت عليه بكلمة واحدة هزت السلك
وهو أبويا يا هشام.
المرة دي أنا اللي طلبت منه عاوزاك لمرة واحدة في حياتك.. تقف جنبي.
رد بتلعثم الموضوع مش سهل يا ليلى.. البيت والولاد وأمي..
هنا عرفت إن فيه حاجة تانية انكسرت جوايا، بس الوجع المرة دي كان معاه نور. فهمت إن المعركة دي هخوضها لوحدي. متوفرة على روايات و اقتباسات
في طريق المنصورة.. والولادة الجديدة
دخل الدكتور الأوضة، ملامحه كانت متغيرة
يا مدام، الحالة حرجة جدًا، وإحنا هنا عملنا اللي نقدر عليه، بس لازم يتنقل لمستشفى تخصصي في المنصورة، هناك الأجهزة أحدث والجراحين متخصصين أكتر.
الدنيا لفت بيا.. المنصورة؟ والسفر؟ والمصاريف؟ طلعت فيزا التوفير بتاعتي، القرشين اللي كنت بحوشهم من شغلي للزمان. القرش الأبيض اللي شلته لليوم الأسود.. ومفيش أسود من كده. مضيت على الأوراق، وصوت الماكينة وهي بتسحب الفلوس كان زي صوت الرصاص.. بس رصاص بيقتل الخوف اللي جوايا.
ركبت معاه الإسعاف، وصلنا المنصورة، صرح طبي كبير. دخلوه العمليات فوراً. قعدت في الطرقة لوحدي، لا هشام جه، ولا الحاجة كريمة سألت. كنت لوحدي تماماً، بس لأول مرة مكنتش خايفة.
بعد ساعات، خرج الجراح الحمد لله يا بنتي، لحقناه في آخر لحظة، العملية نجحت وهو دلوقتي في الإفاقة.
وقعت على الأرض من كتر العياط.. عياط الفرح، وعياط الوجع اللي انزاح. فتحت الموبايل، لقيت رسالة من هشام أمي بتقول إنك كبرتي الموضوع.. بس أنا عارف إنك صح. أبوكي عامل إيه؟
كتبت له رد قصير وواضح
أبويا عاش.. وأنا كمان عشت يا هشام.
النهاردة أنا مش ليلى الضعيفة اللي بتخاف من زعل الحموات. النهاردة عرفت إن الأهل مش اللي بيطلبوا منك تضحي بكرامتك عشان خاطر لقمة، الأهل هما اللي بيشيلوك وإنت بتقع.
لو الدنيا كلها ضاقت
بيكي، افتكري إن إيد أبوكي أغلى من ألف عزومة، وإن اللي ميقدرش وجعك في اللحظة دي.. ملوش مكان في حياتك بعد كده.
تمت.
بقلم مني السيد