خيانة امانة

لمحة نيوز

رجعت من السعودية من غير مكالمة ولا خبر.. خمس سنين قضيتهم في الخرسانة تحت شمس كانت بتهري ضهري لدرجة إن القميص كان بيلزق على لحمي من كتر الحرق. وفي ليلة وصولي، اكتشفت إن مراتي وابني مش عايشين في البيت اللي بنيته بشقا عمري، دول عايشين وراه.. في العشة اللي ورا السور، وكأنهم اتداروا عن عيون الناس مع المواعين الوسخة والكراكر القديمة. بقلم منال علي 
خمس سنين عشتهم زي أي راجل وعد أهله بحياة كريمة وفضل شايل الشيلة لوحده.. سرير حديد في أوضة فيها ستة، تراب في شعري وفي لبسي وحتى في الأكل. هوا سخن يطبق على النفس طول الليل. الصبح خرسانة وبالليل خرسانة، وما بين غبار الموقع كنت بخطف مكالمة فيديو لو الشبكة سمحت، وأجري أحول القرشين لمصر.
أنا ما سافرتش عشان أتدلع.. أنا سافرت عشان إحنا عمرنا ما شوفنا الدلع. كنت عاوز ابني ومراتي ما يفضلوش يعدوا الفكة قدام الكاشير.. كنت عاوز ابني يلبس جزمة نضيفة في الشتا بدل اللي كانت بتجيله شحاتة.. كنت عاوز هناء مراتي ما يجيلهاش صداع من كتر تفكيرها في بكرة. كان نفسي يبقالنا حيطة تلمنا بدل سكن الإيجار والكلمة اللي كانت بتسم بدني وطي صوتك عشان الجيران. بقلم منال علي 
في الأول الدنيا كانت ماشية تمام.. هناء ما كانش عندها حساب بنكي، فكنت بحول الفلوس ل أمي. عمري ما تخيلت إن دي تكون بداية المصيبة.. الأم هي الأم، دي لحمي ودمي. كنت ببعت وأقول لها يا أمي، خلي هناء ومحمد مش ناقصهم حاجة، ما تحرميهمش من الهوا. وكانت هي ترد بنفس الجملتين بقلم منال علي 
هناء في السوق بتشتري طلبات
هناء مع الواد، شوية وهتكلمك
كل شيء تمام يا ضنايا، ركز في شغلك وما تشغلش بالك
ساعات كنت بحس في نبرة صوتها بحاجة غلط.. سرعة غريبة في الكلام، أو سكتة طويلة زيادة عن اللزوم. بس الغريب اللي صاحي في بلد تانية قبل الفجر وعينه على لقمة العيش، بيصدق أي كذبة تريحه عشان يقدر يتنفس ويكمل يومه.
كنت ببعت كل مليم، وأخلي لنفسي الفتات. ما اشتريتش قميص زيادة، ما اتفسحتش، ما سمحتش لنفسي بضعف واحد. كانت فكرة واحدة هي اللي مصبراني هما دلوقتي عايشين في القصر اللي بنيته.. هناء عندها مطبخ واسع وحمام نضيف، ومحمد عنده أوضته اللي بيذاكر فيها.. شقايا ما راحش بلاش في رمل الغربة.
عقدي خلص بدري.. قررت أعملها مفاجأة. كنت عاوز أشوف الفرحة في عينيهم بدل الشقى. اشتريت لمحمد أكبر علبة عربيات بالريموت، ولهناء غويشة دهب كانت عيني عليها من شهر، وعلبة شيكولاتة فخمة. كنت حاسس وأنا في المطار إني شايل عمري كله في الشنطة وراجع بيه.
البيت كان في تجمع سكني جديد في القاهرة.. سور عالي، بوابة حديد مشغولة، جنينة ونور مالي المكان.. نفس الصورة اللي كانت في خيالي. بس أول ما قربت، حسيت بغصة في قلبي. بقلم منال علي 
في عربيات غريبة مركونة قدام الباب.
صوت مزيكا عالي طالع من الصالة.
النور الأصفر مالي الشبابيك، وخيالات ناس بتتحرك وضحك ورن كاسات.. كأن البيت فيه حفلة، مش سكن عيلة هادية.
فهمت فوراً.. أمي عزمت الحبايب والقرايب، وأكيد أختي ليلى معاها. ليلى اللي طول عمرها بتموت في المنظرة وفلوس غيرها.. اللي تحب تعيش دور الهانم وتتمنظر على الكل ببرفانها الغالي وضوافرها الطويلة وضحكتها اللي كلها تكبر.
ما دخلتش من الباب الرئيسي.. بقلم منال علي 
دخلت من باب المطبخ الخارجي والمخزن اللي كنا قايلين إنه للكراكيب والمنظفات. مشيت على السيراميك المضلم وقلبي بيدق طبول حرب.
وفجأة.. سمعت صوت ابني.
صوت واطي، طالع بالعافية، كأنه اتعود إن صوته ما يترفعش.
يا ماما.. أنا جعان. ينفع آكل حتة فراخ؟ الريحة حلوة أوي..
وقفت مكاني.. وجالي الرد من هناء. صوتها كان مكسور لدرجة إني ما عرفتوش في الأول.
اسكت يا محمد.. عيب يا حبيبي. لو ستك سمعتك هتعمل مشكلة وتزعق. كُل الرز ده، أنا غسلته كويس وما بقاش حامض. 
أكياس الهدايا كانت في إيدي.. العربيات، الدهب، الشيكولاتة.
فجأة، كل ده بقى ملوش قيمة.. بقى عار. كأني بقالي خمس سنين ببني مسرح فخم عشان أمي وأختي يذلوا فيه مراتي وابني.
قربت وبصيت من فتحة الباب..بقلم منال علي 
هناء كانت قاعدة على كرسي بلاستيك مكسور قدام طبلية قديمة. لابسة جلابية مقطوعة من عند الكتف، وشها دبلان وإيدها بقت زي الخشب من قلة الأكل والتعب. محمد كان بياكل الرز ببطء شديد.. كأنه خايف يخلص فجأة.
في الركن، كانت هدومهم مترصصة فوق بعضها.
لحاف قديم.. مخدة مقطوعة.. جردل بلاستيك.. وهدوم الواد مطبقة فوق شنطة قديمة.
في اللحظة دي، عقلي ما قدرش يستوعب.. مراتي وابني مش عايشين في البيت، دول عايشين وراه.
زي الحاجة الزيادة.. زي الخدم.. زي العيب اللي بنخبيه عن الناس.
وفجأة الباب اللي بيفصل بين المخزن والبيت اتفتح.. هجم علينا النور والمزيكا وريحة الفراخ المشوية.
دخلت ليلى وهي شايلة صينية كبيرة، لابسة فستان شيفون وحاطة مكياج كامل، وبنبرة ست البيت المتربية على الغل، قالت ببرود بقلم منال علي 
إياكم تمدوا إيدكم على الصينية دي.. دي للضيوف. لما يخلصوا، ابقوا خدوا اللي يفيض.
هناء نزلت عينيها في الأرض.. ومحمد مسك المعلقة جامد.
وفي اللحظة دي، في حاجة جوايا اتكسرت.. مش غضب، دي كانت نهاية كل حاجة.
أكياس الهدايا وقعت من إيدي على الأرض..
علبة العربيات اتخبطت، والشيكولاتة اتنطرت في كل حتة.
ليلى اتفزعت ولفت وشها.. عمري ما هنسى شكلها في اللحظة دي.
قرف.. استغراب.. وبعدين رعب. بقلم منال علي 
وبعدها بثواني، ظهرت أمي على الباب.. بصت للهدايا، وبصتلي ووبصت لهناء وابني اللي بياكل رز حامض.
شوفت اللون وهو بيفارق وشها.. شفايفها ابيضت، وإيديها اترعشت.
كنت واقف بين بابين باب
 

تم نسخ الرابط