خطيبته اتخلت عنه بعد الحارث

لمحة نيوز

قناع العجز حين تكشف العاصفة معادن البشر
كانت قاعة الاحتفالات الكبرى في قصر آل مهران تتلألأ بأضواء النجف الكريستالي الفرنسي، الذي يعكس بريقه على كاسات العصير الفاخرة والمجوهرات التي تتزين بها سيدات المجتمع المخملي. الموسيقى الكلاسيكية الهادئة كانت تنساب في الأركان، والكل يبتسم، والكل يتبادل الأحاديث الجانبية، لكن خلف تلك الابتسامات كانت تختبئ عيون تترقب، عيون جائعة تنتظر سقوط الفريسة الكبرى. في منتصف هذه القاعة الفارهة، كنت أجلس أنا، فارس مهران، الوريث الوحيد للامبراطورية الاقتصادية التي بناها أبي بعرق جبينه وثمرة كفاح استمر لعقود. لم أكن واقفاً بكبريائي المعهود، ولا مرتدياً حلتي الإيطالية المخصصة للمناسبات الرسمية التي تعكس نفوذي وقوتي؛ بل كنت قابعاً على كرسي متحرك، بارد، معدني، تحيط بجسدي بطانية رمادية سميكة تخفي تحتها ساقين كان الجميع يظن أن الحاډثة المأساوية التي تعرضت لها قبل أسابيع قد كتبت نهايتهما، وحولتهما إلى مجرد طرفين ميتين لا حراك فيهما.
كنت أضع يدي على عجلات الكرسي، مطأطأ الرأس، متظاهراً بالضعف والانكسار، أراقب الوجوه المحيطة بي بعينين شبه مغمضتين، لكن خلف هذا القناع من العجز، كانت عقلي يعمل بأعلى درجات اليقظة والذكاء. الحقيقة التي لم يكن يعلمها أحد في تلك القاعة، ولا حتى أقرب الناس إلي، هي أنني لم أكن عاجزاً. الحاډثة التي انقلبت فيها سيارتي على الطريق السريع وتدحرجت لمرات كانت حقيقية ومروعة، ونجاتي منها كانت معجزة بكل المقاييس، لكن الشلل الذي يظنه الجميع أصابني كان مجرد تمثيلية متقنة ومخطط لها بدقة شديدة. لم يكن يعرف هذا السر الخطېر سوى ثلاثة أشخاص فقط في هذا العالم طبيبي الخاص الذي أشرف على علاجي ووضع التقارير المزورة، ومحامي العائلة الوفي الذي يدير تحركاتي القانونية، ومسؤول الأمن في قصري الذي يراقب الكاميرات ويحرس أسراري. لقد قررت، بمجرد أن أفقت في المستشفى ووجدت نفسي معافى بجسد سليم، أن أرتدي هذا القناع، أن أدعي العجز الكامل، لأنني شعرت قبل الحاډثة بأن هناك أنياباً تحيط بي، وأن الامبراطورية التي تركها أبي أصبحت مطمعاً للجميع، وكان لا بد لي من غربلة حياتي، ومطالعة الوجوه خلف أقنعتها الحقيقية عندما تظن أنني سقطت ولن أقف مجرد ثانية واحدة.
توقفت الموسيقى فجأة، وانفتحت الأبواب الكبرى للقاعة لتدخل يارا، خطيبتي التي كنت أظنها يوماً شريكة عمري ونصف الهامس بالحب. دخلت بكامل أناقتها، ترتدي فستاناً أحمر صارخاً، وتضع على وجهها ابتسامة لم تكن ابتسامة حب أو مواساة، بل كانت ابتسامة المنتصر الشامت. تقدمت نحوي بخطوات واثقة، ټضرب الأرض بكعب حذائها العالي كأنها تعلن سيطرتها على المكان، حتى وقفت أمامي مباشرة، ونظرت إليّ من الأعلى إلى الأسفل باحتقار شديد لم أعهده فيها من قبل. انحنت قليلاً، وقالت بصوت مرتفع سمعه كل من في القاعة باستهزاء بص لنفسك... دلوقتي بقيت ولا حاجة، مجرد واحد عاجز وعبء على أي حد حواليه، ملوش أي لازمة في الدنيا دي.
في تلك اللحظة، خيم الصمت على القاعة لثوانٍ معدودة، ترقبت فيها أن يتقدم أحد ليدافع عني، أن تصرخ يد بالرفض، أو تنطق حنجرة بكلمة حق. نظرت بطرف عيني إلى عمي عاصم، الرجل الذي طالما ادعى أنه بمثابة أب لي بعد ۏفاة والدي، فوجدته يحول نظراته بعيداً ويتظاهر بالانشغال بكأس عصيره. التفتت عيناي نحو مروان، صديق طفولتي وأقرب الناس إلي، الشخص الذي شاركته الأسرار والأحلام، فوجدته يطأطئ رأسه في الأرض، متهرباً من النظر في عيني، كأنه يبرر صمته بقلة الحيل. أما والدة يارا، فقد كانت
تقف في الصفوف الخلفية وتبتسم بابتسامة عريضة، مستمتعة بكل كلمة إهانة توجه إلى الرجل الذي كانت بالأمس تتودد إليه وتتمنى رضاه. تتابعت الضحكات الساخرة من بعض الحاضرين في القاعة، في المرة الأولى التي قالت فيها إنني بلا قيمة، ضحك الجميع مستهزئين، وفي المرة الثانية قررت أن ألتزم الصمت التام، وأتركهم يغرقون في ضحكهم وسخريتهم، لأن كل ضحكة كانت بمثابة مسمار جديد يُدق في نعش علاقتي بهؤلاء الخائنين.
امتدت يد يارا بقسۏة لتخبط على الكرسي وعلى البطانية الرمادية التي تغطي رجلي، وتابعت قائلة ببرود قاټل أنا كان المفروض أتجوز راجل قوي وصاحب نفوذ، راجل يدخل معايا الحفلات والاجتماعات والكل يعمل له حساب... مش حد عاجز محتاج اللي يشيله ويوكله ويمسح وراه. رفعت عيني ببطء، ونظرت إلى وجهها المليء بالجشع، وقلت بنبرة هادئة ومصطنعة الانكسار يارا... إحنا لسه مخطوبين، والظروف دي ممكن تمر. ضحكت بصوت عالٍ تردد صداه في أرجاء القاعة، وقالت لحد دلوقتي بس... لحد ما مجلس الإدارة يجتمع الأسبوع الجاي ويكتشف إنك مش قادر حتى تدخل اجتماع على رجليك، وساعتها هتطرد من الشركة زي الكلب، ومحدش هيبص في وشك. كانت هذه الكلمات كافية تماماً لتكشف لي الحقيقة العاړية؛ يارا لم تكن تحبني يوماً، كانت تحب النفوذ، تحب المال، وتحب السلطة التي يوفرها لها اسم فارس مهران، والآن، بعد أن ظنت أن هذه السلطة قد تلاشت، قررت أن تدوس عليّ لتصعد فوق حطامي وتأخذ ما تستطيع من كعكة الثروة قبل أن تنتهي.
وفي غمرة هذه الإهانة الجماعية، وبينما كان الجميع يتبادلون نظرات الشماتة والسخرية، حدث ما لم يكن يتوقعه أحد في القاعة. تقدمت خطوات خفيفة وهادئة، واخترقت صفوف الضيوف المستهزئين، لتسقط على ركبتيها بجانب

تم نسخ الرابط