خطيبته اتخلت عنه بعد الحارث
المحتويات
كرسيي المتحرك. لم تكن واحدة من سيدات المجتمع، ولا قريبة لي، بل كانت ندى، الخادمة البسيطة التي تعمل في القصر منذ عامين، والتي كانت تتولى تنظيف غرفتي والاعتناء بمتطلباتي اليومية بهدوء ودون ضجيج. ركعت ندى على الأرض بكل تواضع، وامتدت يداها المرتجفتان برفق لتعدل البطانية الرمادية التي أزاحتها يارا بقسۏة، غطت رجلي بعناية فائقة، ثم رفعت عينيها البريئتين المملوءتين بالدموع والمواساة الصادقة ونظرت إليّ، وقالت بصوت منخفض لكنه كان يحمل قوة هزت أركان قلبي حضرتك تستاهل معاملة كويسة مهما حصل... إنت لسه تستحق إن الناس تعاملك باحترام ورحمة، لأن قيمتك في قلبك وأخلاقك، مش في قدرتك على المشي.
تلك الكلمات البسيطة، المنبثقة من قلب نقي لا يعرف المصالح، كانت بمثابة النور الذي أضاء لي عتمة تلك الليلة المظلمة. بصيت لإيديها وهي بتعدل البطانية بكل حنان، وافتكرت في ثوانٍ معدودة كل موقف جمعني بها؛ كيف كانت تجهز لي طعامي بوعي واهتمام، كيف كانت تسأل عن صحتي بنبرة يملؤها القلق الحقيقي، وكيف كنت أرى الخۏف والاضطراب في عينيها كلما بدأت يارا في توجيه إھانتها لي في الأيام الماضية. في تلك اللحظة بالذات، عرفت من الشخص الذي كان يملك قيمة حقيقية في حياتي، ومن الذي كان يستحق أن يكون معي في قمة مجدي، ومن الذي يجب أن ألقي به في سلة مهملات الماضي. الحاډثة المأساوية لم تكسرني كما ظنوا، ولم تنهِ حياتي، بل كانت بمثابة المنخل الأخلاقي الذي غربل البشر من حولي، وكشف لي حقيقتهم العاړية من كل زيف.
مرت الساعات الثقيلة وانتهت الحفلة الکابوسية، وغادر الضيوف القصر وهم يتهامسون عن سقوط إمبراطور مهران الشاب، وعن الكيفية التي سيتم بها الإطاحة بي في اجتماع
مجلس الإدارة القادم. عُدت إلى غرفتي الكبيرة في الطابق العلوي، يجر كرسيّ مسؤول الأمن الوفي حسن، الذي أغلق الباب وراءنا بإحكام. بمجرد أن تأكدت من إغلاق الباب، وقفت من على الكرسي المتحرك بكل مرونة وقوة، مشيت خطوات واسعة نحو النافذة الكبيرة المطلة على حديقة القصر الواسعة، وأنا أشعر بڼار الڠضب تشتعل في صدري، لكنه كان غضباً مغلفاً بالتخطيط والهدوء البارد. التفتُّ إلى حسن والمحامي رأفت والطبيب دكتور سامح الذين كانوا ينتظرونني في الغرفة، وقلت وعيناي تلمعان ببريق الاڼتقام اللعبة بدأت فعلاً... لقد أكلوا الطُعم كاملاً، وظنوا أن الأسد قد ماټ، وحان الوقت لنرى كيف سيتصرفون في غيابي الظاهري.
قال المحامي رأفت وهو يفتح ملفاً جليدياً أسود فارس بيه، عمك عاصم بدأ بالفعل في التواصل مع أعضاء مجلس الإدارة بشكل سري، إنه يحاول إقناعهم بأن وضعك الصحي يمنعك من إدارة المجموعات الاستثمارية، وأنه يجب نقل صلاحيات الإدارة والتوقيع إليه بصفته الشريك الثاني والوصي القانوني بحكم صلة القرابة. أما خطيبتك يارا، فقد رصدت تحركاتها، وهي تلتقي بمروان، صديقك المقرب، في أحد الفنادق الفاخرة بشكل شبه يومي، ويبدو أن هناك اتفاقاً سرياً بينهما للاستحواذ على أسهمك من خلال صفقة وهمية يتم تمريرها أثناء الاجتماع. ابتسمت بسخرية، وقلت مروان؟ صديق العمر يبيعني مع خطيبتي؟ يا لها من توليفة رائعة من الخېانة! دعهم ينسجون خيوطهم، دعهم يظنون أنهم يقتربون من النصر، فكلما ارتفعوا في سماء أوهامهم، كان ارتطامهم بالأرض أكثر قسۏة وتدميراً.
في الأيام التالية، واصلت تمثيل دور العاجز المنكسر داخل القصر. كنت أجلس لساعات طويلة على الكرسي المتحرك في ردهات القصر، أراقب عن كثب تصرفات الجميع. كانت يارا تأتي وتذهب وكأنها أصبحت مالكة المكان، تأمر وتنهي، وتعامل الخدم بكل غطرسة وقسۏة. في أحد الأيام، رأيتها تسكب كوباً من القهوة الساخنة على الأرض عمداً أمام ندى، وتصرخ في وجهها قائلة نظفي ده فوراً يا غبية... وإياكِ أشوفك بتقربي من فارس تاني أو بتتكلمي معاه، إنتِ هنا مجرد حشرة بتخدم، وهو خلاص بقى زي الكرسي اللي قاعد عليه، ملوش لازمة. كانت ندى تطأطئ رأسها والدموع في عينيها، وتنحني لتنظيف الأرض دون أن ترد بكلمة واحدة. كنت أرى هذا المشهد وعروق يدي تكاد ټنفجر من شدة الغيظ والرغبة في النهوض وسحق يارا، لكنني كنت أضغط على نفسي، وأقول داخلي صبراً يا ندى... حقك سيعود مضاعفاً، وسأجعلها ټندم على كل دمعة تسببت فيها.
عندما غادرت يارا الردهة، اقتربتُ بكرسيي من ندى التي كانت تمسح دموعها بطرف ثوبها البسيط. قلت لها بصوت خفيض ودافئ ندى... متعيطيش. الدموع دي غالية جداً، واليوم اللي هتشوفي فيه كل واحد أذاكي وهو بيبكي ډم مش بعيد. نظرت إليّ بدهشة وخوف عليها وعليّ، وقالت أنا مش زعلانه على نفسي يا فارس بيه... أنا زعلانه عليك، إنت راجل طيب وعملت كتير للناس، ومش قادرة أشوفهم بيعاملوك بالشكل ده وإنت مش قادر تدافع عن نفسك. لم أكن قادراً في تلك اللحظة على كشف السر لها خوفاً على سلامتها، لكنني اكتفيت بالقول القدر بيغير كل حاجة في لحظة يا ندى، خليكِ واثقة في ربنا، وخليكِ دايماً قريبة مني.
جاء يوم الحسم، يوم اجتماع مجلس إدارة مجموعات مهران الاستثمارية. كان الاجتماع يعقد في المقر الرئيسي للشركة، في الطابق الأربعين من البرج الزجاجي الشاهق الذي يطل على المدينة بأكملها. وصلت إلى مبنى الشركة مستقلاً سيارة طبية مجهزة، وكان حسن يجر كرسيي المتحرك، ودخلنا
القاعة الكبرى للاجتماعات
متابعة القراءة