"اللي مبيشتغلش... ملوش أكل هنا يا أمي. إنتِ هنا عايشة ببلاش

لمحة نيوز

اللي مبيشتغلش... ملوش أكل هنا يا أمي. إنتِ هنا عايشة ببلاش!
الجملة دي قالهالي ابني وهو واقف في نص بيتي... البيت اللي اشتريته من شقا عمري، ودفعت تمن كل طوبة فيه من تعبي أنا وأبوه.
في اللحظة دي فهمت إني مبقتش أم في نظره... بقيت مجرد ست عجوزة عايشة على حسابه.
لكن اللي مكنتش أعرفه وقتها، إن الإهانة دي كانت مجرد البداية...
لأن بعدها اكتشفت إن هو ومراته كانوا بيقنعوا كل الناس إني خرفت، وبيخططوا يرموني في دار رعاية، ويبيعوا شقتي، ويقسموا فلوسي وأنا لسه عايشة.
ساعتها بس... قررت إن آخر درس هيعيشوه في حياتهم هيكون على إيدي أنا.
الجزء الأول
اللى مبيشتغلش مبيأكلش يا أمي.. أنتِ هنا عايشة ببلاش!
ابني الكبير قال الجملة دي قدامي، وفي وسط صالون بيتي، وبنفس البرود والهدوء اللي ممكن أي حد يطلب بيه يعدي ملاحة الملح. ورغم إني عندي سبعة وستين سنة، ورغم إني دفنت جوزي، وكبّرت ولدين، وعشت في صمت ومآسي محدش شافها ولا حس بيها، إلا إن الكلمات دي كسرتني بطريقة مكنتش أتخيل إنها لسه ممكنة.
أنا اسمي نادية عبد العزيز. لأكتر من أربعين سنة كنت شغالة محاسبة في وسط البلد بالقاهرة. مش من النوع اللي بيملى استمارات وخلاص؛ لأ، أنا كنت بعرف أقرأ الأرقام زي ما الناس بتقرأ جوابات الغرام أو التهديدات. ميزانية مش مظبوطة، حساب مخفي، مصاريف مبالغ فيها... كل حاجة كانت بتتكلم، وأنا كنت بنصت وبفهم.
جوزي أحمد اتوفى من ست سنين. سرطان البنكرياس. المرض خده بسرعة، كأن الدنيا كانت مستعجلة تخطفه مني. قبل ما يموت، ساب كل حاجة متظبطة الشقة اللي في حي المهندسين بقت باسمي لوحدي، ومعاها شوية تحويشة العمر واستثمارات. مكنتش مليونيرة، بس مكنتش محتاجة ولا معتمدة على أي مخلوق.
خلفنا ولدين. رامي الكبير، وكان دايماً طموح ومادي. من صغره وهو بيقول إنه هيبقى رجل أعمال، وإن في يوم من الأيام كل الناس هتعرف اسمه. أما يوسف الصغير، فاختار يبقى دكتور بعد ما شاف أبوه عيان وبيتألم كتير. رامي كان عايز يغزو العالم، أما يوسف فكان عايز يداويه.
والفرق بين الاتنين بقى واضح وضوح الشمس مع مرور السنين.
رامي اتجوز فريدة، ست أنيقة بابتسامة مثالية ونظرات كلها حسابات ومصلحة. كانت بتقولي يا طنط بحلاوة مصطنعة لدرجة إنها دايماً كانت بتسيب في بقي طعم مر. يوسف كان عايش في المنصورة، شغال في مستشفى حكومي، وبيكلمني كل أسبوع يسألني أكلت كويس ولا لأ، ناقصني دواء، أو حاسة بالوحدة.
أما رامي، فكان بيظهر بس لما يكون عايز حاجة.
وفي يوم خميس بعد الظهر، جه من غير ميعاد. جالي هو وفريدة ووشه عليه نفس الابتسامة اللي عارفاها من صغره، الابتسامة اللي بيبتسمها قبل ما يطلب مصلحة.
يا ماما، إحنا محتاجين نقعد عندك كام أسبوع قالها وهو بيقعد على الكنبة بتاعتي كأنها ملكه . بيتنا فيه رطوبة جامدة والمهندس قال إن الوضع مش أمان ننام هناك لحد ما نصلحها.
فريدة اتنهدت وهي بتبص حواليها في الشقة
هما بس شهر يا طنط نادية، أنتِ عارفة الحاجات دي بتاخد وقت قد إيه.
حاجة جوايا صرخت وقالتلي قولي لأ. بس بعدين بصيت لرامي، ابني، بكري، الولد اللي كان بينام وهو متثبت في كم جلابيتي لما بيجيله كوابيس. والقلب، العضو العنديد ده اللي ساعات بيرفض يتعلم من أخطائه، فتح الباب قبل ما العقل يفكر.
تاني يوم جم، ومعاهم شنط سفر كتيرة جداً، كتيرة على كلمة كام أسبوع.
في الأول، كانت تفاصيل صغيرة. فريدة غيرت نظام المطبخ بتاعي. رامي حول أوضة مكتبي لمكتب خاص بيه. صور عيلتي انتهى بيها الحال متخزنة في كرتونة لأنها، على حد قول فريدة، مخلية شكل المكان قديم ودقة قديمة. كنت بفضل أكرر لنفسي إني لازم أصبر، دول أهلي، ودول عيلتي، وأكيد هيمشوا قريب.
بس الأسابيع مرت، وبيتي مبقاش يحسسني إنه بيتي.
فريدة كانت بتعزم أصحابها من غير ما تقولي. رامي كان بيعمل اجتماعات فيديو في الصالون ويرفع إيده في وشي عشان أسكت وأمشي لو دخلت أدور على حاجة. بدأت أمشي براحة، وأتكلم بصوت واطي، وأعمل القهوة قبل ما يشتكوا. بقيت عايشة في شقتي زي ضيفة تقيلة وغير مرغوب فيها.
أول إهانة علنية حصلت في ليلة جه فيها يوسف عشان يتعشى معانا. عملت ملوخية ورز بشعرية، الأكل المفضّل لولادي. رامي وصل ومعاه تلاتة من أصحابه رجال الأعمال وزوجاتهم، من غير أي تنبيه. السفرة اللي كانت لأربعة بقت ل عشرة.
فريدة ابتسمت بتهكم وهي تبص للأكل
يا خلاصي، سكر خالص.. مامتك لسه بتطبخ بنفس الطريقة القديمة يا رامي. أكل بيتي أوي.
كلهم ضحكوا.
خلال العشا، قعدوا يتكلموا عن الاستثمارات، والمطاعم الغالية، والسفر لدبي. حاولت أشارك في الكلام وعملت تعليق عن ضرائب الشركات. رامي طلع منه ضحكة استهزاء
يا ماما، الكلام ده كان أيام زمان، أيامك أنتِ. دلوقتي الدنيا اتغيرت.. أنتِ مش هتفهمي في الحاجات دي.
يوسف ضغط على إيدي من تحت السفرة يطمني.
بعد العشا، واحد من الضيوف سألهم هيفضلوا عايشين هنا لحد إمتى. رامي رد من غير أي تردد
إحنا قاعدين عشان نساعد ماما. كبرت في السن، وعايشة لوحدها، ومحتاجة ونس وحد ياخد باله منها.
جسمي اتجمد في مكاني.
لما الضيوف مشيوا، يوسف وقف لرامي وواجهه
البيت ده بيت ماما يا رامي. أنت بتعاملها كأنها حمل تقيل عليك.
وهنا ابني دار ووجه كلامه ليا. مكنش فيه أي ابتسامة خلاص. مكنش فيه غير الاحتقار
حمل؟ أرجوك! هي بتعمل إيه طول اليوم؟ ولا حاجة. قاعدة قدام التلفزيون، ماسكة الموبايل، وبتتمشى في الشقة رايحة جاية. اللي مبيشتغلش مبيأكلش يا أمي. أنتِ هنا عايشة ببلاش. على الأقل كنتِ تنظفي كويس، تطبخي لقمة عدلة، يعني تخلي ليكي لازمة!
السكوت نزل علينا زي البلاطة.
فريدة كانت مبتسمة.
يوسف وشه بقى شاحب من الصدمة.
وأنا، وأنا قاعدة في أوضتي، حسيت بحاجة بتتكسر وتتحطم جوايا. بس مع الألم ده، اتولدت حاجة تانية. شرارة. غضب قديم، عزيز النفس، وصابر.
رامي افتكر إنه دمرني.
لكنه مكنش يتخيل إيه المارد اللي كان على وشك إنه يصحى جواه.
خلال الأسابيع اللي وراها، اتحولت ل خيال مآتة، مجرد ضل ماشي في شقتي. فريدة اتعلمت وبقت أستاذة في فن الأذية من غير ما تعلي صوتها. لما كان بيبقى فيه ضيوف، كانت تندهلي يا مدام نادية، مش يا ماما ولا حتى حماتي، بنفس النبرة والنفس اللي الواحد بيكلم بيهم الست اللي بتنظف البيت.
مدام نادية، ممكن تجيبي منديل كمان؟
مدام نادية، متشيليش هم، هبقى أشرحلك بعدين، الكلام ده بتاع كبار.
مدام نادية بقت بتنسى شوية، يا حبيبتي، كبر السن بقى!
الجملة الأخيرة دي كانت أخطر حاجة. بدأوا يألفوا ويخترعوا قصة وحكاية عليا. في الأول بدأت بهزار، بعدها بقت تعليقات، وفي الآخر بقت تحذيرات متدارية في شكل خوف وقلق عليا. فريدة كانت بتنزل صور على الفيسبوك وتكتب عليها كلام يبان حنين وأنا باخد بالي من حماتي حبيبتي، العجز مش سهل ربنا يعينها. في صورة منهم كانت بتظبط علب الفيتامينات بتاعتي كأنها أدوية لمرض خطير ومرعب. وفي
 

تم نسخ الرابط