"اللي مبيشتغلش... ملوش أكل هنا يا أمي. إنتِ هنا عايشة ببلاش
يا لهوي على قساوة القلب! ده إحنا جينا هنا عشان نخدمك وناخد بالنا منك.
لأ يا فريدة. أنتم جيتوا تعيشوا ببلاش عشان تأجروا شقتكم اللي في مصر الجديدة ب تمانين ألف جنيه في الشهر.
السكوت حل في المكان ومبقاش فيه نفس.
رامي رفع عينه ليا ببطء
أنتِ عرفتي الكلام ده منين؟
من الورق اللي سبتوه في البرنتر الطباعة بتاعي. من عقد الإيجار، من وصولات الإيداع، ومن كشوف الحسابات.
فريدة وشها بقى أبيض زي الأموات
ده اسمه اختراق خصوصية!
لأ يا حبيبتي. الاختراق الحقيقي هو اللي أنتم عملتوه في بيتي، وفي سمعتي، وفي حياتي كلها.
رامي جز على سنانه وقال
يا ماما أنتِ مكبرة الموضوع ومأفورة. إحنا ممكن نتصرف ونحلها.. لو عايزة، ندفع لك مبلغ رمزي كل شهر.
أنا مش عايزة فلوسك.
خمسة آلاف جنيه في الشهر.
لأ.
عشرة آلاف!
يا رامي، مشكلتك الأزلية إنك فاكر إن كل حاجة في الدنيا بتتشرى بالفلوس. كرامتي مش للإيجار.
وشه اتقلب وقسى
أنتِ معندكيش الإمكانيات ولا الفلوس اللي تخليكي تقفي قصادي في محاكم.
ولأول مرة من فترة طويلة، ضحكت.
مكنتش ضحكة عالية، كانت ضحكة رايقة، صافية، ضحكة طالعة من مكان هو ميعرفش عنه حاجة.
لأ، عندي. بقالي ست أسابيع شغالة مستشارة محاسبية في مكتب ماجدة عثمان. وبقبض اللي يكفيني وزيادة عشان أدفع لأشطر محامي. والأهم من كل ده.. إني معايا أدلة وتدينات توديكم في داهية.
فتحت اللاب توب بتاعي ولفيت الشاشة ناحيتهم.
كانت الفولدرات واضحة سكرين شوتس من بوستات الفيسبوك، تسجيلات صوتية، تواريخ، أسماء، عقد الشقة المتأجرة، ورسايل فريدة وهي بتقول لأصحابها إحنا لازم نقنع الكل إن الست كبرت ومبقتش مجمعة. تفاصيل كل إهانة وكل كلمة اتقالت في حقي.
فريدة رجعت خطوة لورا
الكلام ده ميثبتش أي حاجة قانوناً.
بيثبت أكتر مما تتخيلي.. ويوسف أخوك بقى عنده علم بكل حاجة.
رامي رفع رأسه فجأة
أنتِ دخلتي يوسف في الموضوع؟
يوسف ابني.. أنت اللي اخترت تخرج نفسك من المكانة دي.
وقف يبصلي كأني ست غريبة أول مرة يشوفها في حياته. يمكن فعلاً كنت غريبة عليه؛ يمكن لأول مرة كان بيشوف نادية عبد العزيز المحاسبة القوية، مش الأم المستسلمة اللي بيستغلها لما يعوز.
خمسة عشر يوماً كررتها ولا يوم زيادة.
فريدة بدأت تعيط من الغل والغيظ
رامي! اتصرف، قولها حاجة! مش هينفع تطردنا بالمنظر ده في الشارع!
قرب مني خطوة
يا ماما، فكري كويس في اللي بتعمليه.. الحركة دي ممكن تهد العيلة وتدمرها.
بصيت له نظرة طويلة أوي.
شفت فيه البيبي اللي شيلته على إيدي. الولد الصغير اللي كنت بوديه الحضونة ولابس مريلة كحلي. المراهق اللي كان بياخد مني فلوس عشان يخرج مع أصحابه. شفت الراجل اللي سمح لمراته تقول عليا ماليش لازمة في مطبخي.. والابن اللي سمعته بودني بيخطط عشان يرميني في مصحة.
العيلة متهدتش النهاردة يا رامي قلتله العيلة اتهدت يوم ما أنت قررت تعاملني كأني كركوبة ملهاش عازة في الدنيا.
دخلت أوضتي وقفلت الباب من غير ما أستنى رد.
الليلة دي سمعت خناقاتهم، رزع الأبواب، وصوت الشنط وهي بتتجر، وعياط فريدة، وصوت رامي وهو بيتكلم في التليفون بصوت واطي ومذلول. زمان، الأصوات دي كانت هترعشني وتخليني أعيط. الليلة دي، فتحت فايل جديد على الكمبيوتر وقعدت أشتغل على التقفيل الضريبي لشركة عميل في الإسكندرية.
نمت أربع ساعات بس، لكني ارتحت وفوقت بالطريقة اللي منمتهاش من سنين.
في الأيام الأولى، حاولوا يتجاهلوا الإنذار. رامي كمل اجتماعاته في الصالون، وفريدة فضلت تنزل صور بس مبقتش تظهر معايا. أنا بطلت أطبخ لهم، بطلت أغسل أطباقهم، وبطلت يمر اليوم وأنا موطية صوتي.
في اليوم التالت، رامي خبط على باب أوضتي.
زمان كان بيدخل من غير إذن، دلوقتي بقى بيخبط. التفصيلة الصغيرة دي دتني راحة وانتصار هادي.
يا ماما، ممكن نتكلم ككبار وعاقلين؟
اتكلم.
بصي، أنا معترف إن كان فيه غلطات وتجاوزات. فريدة ساعات لسانها بيفلت، وأنتِ برضه حساسة زيادة عن اللزوم...
قاطعته فوراً
متبدأش اعتذارك بإنك تلومني أنا.
جز على سنانه وقال
تمام.. أنا غلطت. بس مش معقول تصممي نمشي في خمسة عشر يوماً! الموضوع مش بالسهولة دي في نقل العفش والحياة.
كان قدامكم شهور تظبطوا حالكم وأنتم بتلموا إيجار شقتكم كل شهر.
الفلوس دي داخلة في التزامات وشغل.
مش مشكلتي.
بصلي كأني قلت قسوة مفيش بعدها. وساعتها فهمت حاجة الناس المستغلة والأنانية بتتخض وتتوجع أوي لما أنت تبطل تضحي بنفسك عشانهم.
في اليوم السابع، جه يوسف.
مقالش إنه جاي، فتح الباب بمفتاحه، رمى شنطته
أنا محتاجك تفهمني حاجة يوسف قال.
رامي وقف
أنا مش مضطر أشرح لك أي حاجة.
لأ، هتشرح لي. فاهمني كده إزاي جاي تقولي إن أمي بدأت تخرف وتفقد الذاكرة، في نفس الوقت اللي أنت ومراتها بتخططوا فيه عشان تسرقوا شقتها؟!
فريدة ظهرت في الطرقة
يا يوسف، أنت متعرفش الحكاية كاملة.
لأ عارفها كلها. شفت المستندات، وسمعت التسجيلات.. وعلى فكرة يا رامي، أنا اتصلت بشركائك في الشغل.
ابني الكبير وشه جاب ألوان وثبت في مكانه
أنت عملت إيه؟!
قلت لهم هما بيعملوا بيزنس مع مين بالظبط.
رامي الدم هرب من وشه
أنت مجنون!
لأ، المجنون هو اللي يحاول يحجر على أمه ويرميها في دار رعاية عشان يلطش ورثها وهي عايشة.
فريدة بدأت تصوت وتقول إن دي تهم وتشويه سمعة. يوسف حتى مالتفتش ليها
تشويه السمعة الحقيقي هو اللي عملتوه لما قولتوا إن أمي خرفت.
رامي مسك موبايله وبدأ يتصل.. محدش رد. اتصل برقم تاني.. مفيش. اتصل برقم تالت.. الخط اتقطع.
ومن هنا بدأت الانهيار.
شركاؤه مش بس نفضوا له؛ بعد يومين بعتولوا إخطار رسمي بوقف أي تعاملات أو عقود معلقة لحد ما يتم التحقيق في مخالفات أخلاقية ومهنية جسيمة. بعض العملاء ألغوا اجتماعاتهم معاه، ومورد كبير طالبوا بتسديد ديون متأخرة فوراً. الإمبراطورية المصطنعة من البدلات الغالية، والمنظرة، والكلام التنموي بدأت تتهد فوق دماغه بسرعة مكنش يتخيلها.
أما فريدة، فمسحت كل البوستات من على الفيسبوك والإنستجرام.. بس بعد إيه؟ بعد ما الفأس وقعت في الرأس. أنا كنت مسيفة كل حاجة، وصاحبتي مديحة شافتها، وجارتي وفاء شافتها. ولما جارتي تهاني، صاحبة عمري، اتصلت بيا وهي مكسوفة وبتعتذر لي إنها صدقت الكلام ده في الأول، قلتلها جملة طلعت من بقي بكل برود
لو ساعدتي في نشر الكدبة، ساعدي دلوقتي في نشر الحقيقة.
وفعلاً عملت كده.
خلال أيام، التليفونات مكنتش بتبطلو. صحاب بيعتذروا، جيران سمعوا الحكايات، ومعارف بيقولولي يا نادية، يا خبر أبيض، إحنا مكنّا نعرف!. في ناس كانت بتواسي، وناس تانية يمكن جاية تتفرج على الحكاية.. مش مهم، المهم إن الحكاية مبقاش رامي وفريدة هما اللي بيقولوها؛ أنا اللي بقيت بكتب نهايتها.
في اليوم العاشر، فريدة انهارت.
سمعتها وهي بتكلم مامتها في التليفون وبتعيط
الموضوع خرج عن السيطرة يا ماما.. رامي قال إن الموضوع سهل والست دي طيبة ومش هتعمل حاجة. مكنتش أعرف إن معاها محامي، مكنتش أعرف إنها رجعت تشتغل، مكنتش أعرف إنها مسيفة ومسجلة كل كلمة!
مكنتش أعرف.
الجملة دي دتني رؤية واضحة؛ فريدة مكنتش ندمانة