"اللي مبيشتغلش... ملوش أكل هنا يا أمي. إنتِ هنا عايشة ببلاش

لمحة نيوز


على الأذية، هي كانت ندمانة إن حقيقتها اتكشفت.
في اليوم الحادي عشر، رامي لعب آخر كارت معاه.
جالي في أوضة مكتبي مكتبي اللي استرديته، وصور أحمد جوزي رجعت تنور الحيطة تاني ووقف عند الباب
يا ماما.
مردتش عليه.
أنا ابنك.
رفعت عيني وبصيت له.
كان تحت عينيه أسود، دقنه طويلة، وبدلته مبهدلة ومتكرمشة. لأول مرة مبانش قوي وناجح؛ كان باين كأنه طفل مزنوق في نتيجة عمايله السودا.
عارفة.
أنتِ بجد هتهدي كل حاجة وتنهي علاقتنا بالمنظر ده؟
لأ يا رامي.. أنت اللي نهيت كل حاجة بإيدك، أنا بس بقفل الباب وراك.
عينيه دمعت.. مش عارفة دموع حقيقية ولا لأ. يمكن حقيقية، ويمكن لأول مرة فهم إنه خسر حاجة أكبر بكتير من شقة قعد فيها ببلاش.
أنا غلطت قالها بصوت واطي.
استنيت ومردتش.
بس اعذريني برضه.. الشغل كان واقف، والشركة كانت هتفلس، والضغط عليا كان رهيب، وفريدة...
متدخلش مراتك شماعة لغلطك.. أنت راجل كبير ومسؤول.
نزل رأسه في الأرض
مفيش أي طريقة نصلح بيها اللي فات؟
فكرت..
مش عشان مترددة، لأ، عشان كنت بحترم الأم اللي جوه نفسي، الست اللي حبت الولد ده بكل ما تملك في يوم من الأيام.
فيه حاجات ممكن تتنسى وتتغفر مع الوقت يا رامي.. بس الغفران مش معناه إني أحط رقبتي تحت رجلك تاني عشان تدوس عليها.
قعد يعيط في صمت.
أنا مخدتهوش 
كان فيه زمان أم ممكن تجري تطبطب عليه وتهون عليه الدنيا؛ الست دي ماتت ومبقتش موجودة. مش عشان بقيت قاسية، لأ، عشان أخيراً فهمت إن حبك لابنك مش معناه إنك تسمح له يدمرك.
في اليوم الأربعة عشر، بدأوا يلموا الشنط بجد.
يوسف جه وساعدني ننزل الكراتين اللي فريدة كانت رامياها في المخزن تحت. صوري، لوحاتي، دفاتر المحاسبة القديمة بتاعتي، وماكينة القهوة بتاعة أحمد. كل حاجة كانت بترجع لمكانها كانت بترجع لي حتة من روحي وجسمي.
علقنا صورتنا في عيد جوازنا الخمسة وتلاتين، أنا وأحمد بنضحك في المركب في النيل والورد حوالينا.
بابا كان هيبقى فخور بيكي أوي يا أمي يوسف قال وهو بيبتسم.
زوري اتقفل من التأثر
وأنت.. أنت فخور بيا؟
خدني تحت ذراعه وطبطب عليا
أنا طول عمري فخور بيكي يا ماما.. بس النهاردة، أنا بجد بَحترمك وبتعلم منك.
في اليوم الخمسة عشر، رامي وفريدة خرجوا الساعة تمانية الصبح. تاكسي كان مستنيهم تحت. مكنش فيه سلام ولا وداع. فريدة كانت لابسة نظارة شمس سودا وكبيرة مغطية وشها، ورامي كان شايل شنطتين ومبصليش خالص لحد ما وصل للأسانسير.
ولثانية واحدة، عيونا اتقابلت.
أنا مابتمستش.. ومصوتش ولا عيطت.
أنا بس قفلت الباب.
الهدوء اللي حل في الشقة مبقاش اسمه وحدة.. بقى اسمه سلام وأمان.
فتحت الشبابيك كلها.. دخل صوت القاهرة وزحمتها البياعين، العربيات، كلب بيهوهو في الشارع، والست اللي بتبيع ف provide أكل على أول الناصية. الدنيا كانت ماشية، وحياتي أنا كمان كانت راجعة وماشية.
اليوم ده، نظفت بيتي وأنا مش حاسة إني خدامة عند حد. عملت قهوتي من غير أي غل أو كسرة. شغلت موسيقى محمد عبد الوهاب وأم كلثوم اللي كان أحمد بيحبهم، ورقصت لوحدي في الصالون. مش فرحة كاملة، لأن الجروح مبتخفش في يوم وليلة، بس رقصت عشان الحرية.
في الشهور اللي بعد كده، شغلي كبر أوي. ماجدة عملتني شريكة معاها في المكتب. زباين وعملاء من الإسكندرية، طنطا، والمنصورة بدأوا يطلبوني بالاسم، لأنهم على حد قولهم أنا بشوف في الأرقام اللي المحاسبين التانيين مبيشوفهوش. وده حقيقي.. الأرقام بتتكلم، والناس كمان بتتكلم، وأنا اتعلمت أقرأ الاتنين صح.
رجعت أخرج مع صاحباتي، وإن كان مش كلهم رجعوا لنفس المكانة القديمة. الثقة برضه ليها دفاتر وحسابات بتجمع، وتطرح، وتقيد الخساير. بدأت أروح لدكتور نفسي؛ مش عشان مجنونة زي ما فريدة كانت عايزة تفهم الناس، لأ، عشان كنت عايزة أفهم أنا ليه استنيت كل ده واستحملت كل ده قبل ما أدافع عن نفسي.
يوسف بقى بيزورني كتير، وعرّفني على خطيبته، دكتورة صيدلانية من المنصورة اسمها سارة.. بنت بسيطة، وشها منور، من نوعية الناس اللي تدخل البيت تسأل أساعدكم في إيه؟ من غير ما تحاول تفرض سيطرتها أو تاخد مكان مش مكانها.
عن رامي، مكنتش أعرف غير قشور. حد قالي إن شركاؤه طردوه من المشروع الكبير. وحد تاني قال إن فريدة سابته وراحت قعدت عند مامتها في طنطا. وبعدها سمعت إنهم باعوا شقة مصر الجديدة عشان يسددوا الديون اللي عليهم للناس.
أنا مدورتش وراهم.
بعد ست شهور، جالي رسالة منه من رقم غريب
ممكن نتكلم؟
قريتها كذا مرة.
بعدها عملت بلوك للرقم.
في ناس ممكن تشوف إن ده قسوة قلب؛ بس أنا بشوف إن ده اسمه خط أحمر وحدود.
النهاردة أنا عندي تمانية وستين سنة. شعري بقى أبيض خالص، إيدي ظهرت فيها تجاعيد السن، وركبي بتوجعني وأنا طالعة السلم. بس عيوني، عيوني بتلمع أكتر من الأول بكتير. مش لمعة شباب؛ لمعة حاجة أحسن بكتير لمعة قوة وإرادة.
اتعلمت إن الكرامة مَبتتشحتش.. الكرامة بنحارب ونرجعها.
واتعلمت إن الأم ممكن تحب من كل قلبها، ومع ذلك تقدر تقول لحد هنا وبس.
واتعلمت إن العيلة مش بالدم وبس؛ العيلة هي اللي بتصون اسمك وشكلك في غيابك وقبل حضورك.
واتعلمت، فوق كل شيء، إن العمر مش مجرد رقم، وعمر ما الوقت بيفوت عشان ترجع تلاقي نفسك وتكون أنت.
لأن الساعات الدنيا مبتخدش منك كل حاجة عشان تعاقبك؛ ساعات بتشيل من حواليك المزيف، والمستغل، واللي بيطفي روحك، عشان تجبرك تبص على اللي لسه واقف على رجله وصامد جواه.
وأنا وقفت على رجلي.
في بيتي.
بأسمي.
بشغلي.
وبسلامي النفسي.
ولو ابني في يوم من الأيام فكر إن ست عندها سبعة وستين سنة معندهاش القوة والقدرة تبدأ من جديد... يبقى غلط في العنوان، وميعرفش مين هي أمه!

 

تم نسخ الرابط