صحيت الساعة 2:3 الفجر
صحيت الساعة ٢٠٣ الفجر على صوت جوزي وهو بيتكلم بصوت واطي جدًا.
وبيقول هي مش عندها أي فكرة... أول ما تمضي، كل حاجة هتخلص.
فضلت كام ثانية مش مستوعبة، وافتكرت إني كنت بحلم.
لكن بعدها لاحظت إن مكانه على السرير فاضي.
الصوت كان جاي من مكتبه.
قمت بهدوء من تحت الغطا، لبست الروب، ومشيت في الطرقة على أطراف صوابعي، متجنبة اللوح الخشب القديم اللي دايمًا بيصرّ تحت رجلي قدام أوضة الضيوف.
باب المكتب كان موارب.
وقفت قبله بشوية.
وكان فيه راجل تاني معاه.
الراجل سأل
ولو قرأت الأوراق كلها فعلًا؟
كريم ضحك ضحكة خفيفة.
مش عالية...
لكن كانت كفاية تخلي معدتي تنقبض.
وقال بثقة
مريم بقالها اتنين وتلاتين سنة واثقة فيا... بتمضي على أي ورقة بحطها قدامها.
لقيت صوابعي بتتشبث في الحيطة جنبي.
مش فاكرة آخر مرة سمعت فيها دقات قلبي بالوضوح ده.
فضلت واقفة مكاني، والراجل اللي جواه ضحك ضحكة خاڤتة وقال
واضح إنك عودتها كويس.
رد كريم من غير أي تردد
أنا معودتهاش... هي اللي عودت نفسها.
الكلمات دي وجعتني بطريقة مقدرش أوصفها.
مش لأنها قاسېة...
لكن لأنها طالعة بسهولة، كأنه مقتنع بيها من سنين.
استنيت لحد ما سمعت صوت الكراسي وهي بتتحرك.
جريت بسرعة رجعت أوضة النوم، دخلت تحت اللحاف، قفلت عيني، وبدأت أظبط نفسي كأني نايمة.
بعد دقيقة تقريبًا، كريم دخل الأوضة.
نام جنبي، وحط إيده حوالين وسطي.
وهمس
تصبحي على خير.
كنت هلف أبصله.
لكن ماعملتش كده.
فضلت ثابتة مكاني...
جنب الراجل اللي اكتشفت فجأة إني معرفوش أصلًا.
تاني يوم الصبح كان شبه أي صباح عدى علينا في جوازنا.
كريم حلق دقنه.
كوى بدلته الكحلي.
حط معلقة كريمة واحدة في القهوة.
وقعد يقرأ أخبار الاقتصاد وهو بيفطر.
وقبل ما ينزل، باسني على جبيني.
وقال
هرجع حوالي الساعة ستة.
رديت تلقائي
خلي بالك من نفسك.
قفل باب البيت.
وسمعت صوت عربيته وهي بتبعد.
أول ما اختفى...
دخلت الأوضة اللي طول عمره بيسميها مكتبي.
بقاله اتنين وتلاتين سنة، وأنا محترمة الحدود دي.
لكن الصبح ده...
فتحت أول درج.
مفيهوش حاجة.
التاني.
إقرارات ضريبية.
التالت.
ملفات استثمارات.
أما لما فتحت الدرج الرابع...
فهمت إني مدخلتش مكتب.
أنا دخلت أرشيف جوازة تانية.
جوازة أنا مكنتش أعرف إنها موجودة أصلًا.
كان فيه كشوف حسابات لاستثمارات عمري ما شفتها.
تحويلات مالية بين شركات أول مرة أسمع عنها.
أوراق ضرايب لشقة في مدينة تانية.
وثائق تأمين بأسماء مستفيدين معرفهمش.
وبعدين...
لقيت حاجة خلت إيدي تترعش.
كشوف أرباح.
بتاعتي أنا.
كل رواية كتبتها خلال آخر تمنطاشر سنة.
كل دفعة.
كل تحويل.
كل جنيه دخل من شغلي.
بدل ما يتحول للحساب اللي كنت فاكرة إنه حسابنا المشترك...
كان بيتحول لشركات كلها تحت سيطرة كريم.
كملت تفتيش.
إيصالات.
عقود قروض.
استثمارات خاصة.
حتى إيصال السلسلة الألماس اللي بعتها من اتناشر سنة، لما كريم قالي إن التأمين مغطاش تكلفة عملية القلب بالكامل.
فاكرة اليوم ده كويس.
كنت واقفة عند محل المجوهرات بعيط في هدوء، والموظف بيعد الفلوس قدامي.
وقتها كريم قالي إننا محتاجين كل جنيه.
لكن الأوراق اللي قدامي كانت بتقول حاجة تانية.
العملية كانت التأمين مغطّيها بالكامل.
هو عمره ما كان محتاج السلسلة.
كان محتاجني أنا أصدق إنه محتاجها.
عدى يومين كاملين وأنا ساكتة.
بطبخ.
وبسأله عن شغله.
وبتفرج معاه على التلفزيون.
وبضحك مع الجيران.
لحد مساء الخميس.
سمعته بيتكلم تاني.
كان واقف في الجنينة الخلفية، وبيتكلم في الموبايل.
قال
أنا سيبتها تكمل كتابة.
وسكت شوية.
كان لازم يبقى عندها حاجة تشغلها، حاجة ملهاش أي ضرر.
وسكت تاني.
هي عمرها ما عرفت مين اللي كان بيدير الفلوس بجد.
الجملة دي فضلت ترن في ودني طول الليل.
الموضوع مكانش مجرد كدب.
كان احتقار.
صباح السبت، كريم عمل أول غلطة حقيقية أشوفها منه طول حياتي.
ساب موبايله على ترابيزة السفرة، وراح يفتح الباب لعامل التوصيل.
الشاشة كانت لسه مفتوحة.
مسكته.
وأول محادثة شدت انتباهي كانت دي
كل حاجة جاهزة.
فاضل إنها تمضي بس.
تمام... خلي الورق كله متدبس مع بعض.
هي عمرها ما بتقرأ الأوراق القانونية.
انقلوا الممتلكات بعد التوثيق.
بقالها
سنين بتنفذ أي تعليمات من غير ما تناقش.
قبل ما كريم يرجع من الباب...
كنت رجعت الموبايل مكانه بالظبط.
ولا شك لحظة إني شفته.
بعد الضهر، وهو نازل يلعب جولف مع أصحابه، فتحت دولابه.
ورا صف البدل الغالية...
كان فيه صندوق صغير رمادي مقفول.
والمفتاح...
مكنش مستخبي.
كان المفتاح موجود جوه علبة قديمة مخصوص للأزرار بتاعة الأكمام.
كأنه كان واثق إني عمري ما هفكر أدور فيها.
فتحت الصندوق.
لقيت ملفات مترتبة بمنتهى الدقة.
وصية جديدة.
تعديلات على صناديق ائتمانية.
ملخصات لحسابات خاصة.
وبعدين...
لقيت مسودة اتفاق خاص بالممتلكات، كلها ملاحظات مكتوبة بالقلم.
فيه أسهم صغيرة مرسومة بالقلم الړصاص بتشير لفقرة معينة.
بصيت عند اسمي المطبوع...
ولقيت حد شاطبه بخط مستقيم ومتقن.
وجنب الشطب مكتوب بإيده كلمتين.
احذف الزوجة.
فضلت باصة للورقة وقت طويل.
لحد اللحظة دي كنت فاكرة إني باكتشف خېانة مالية.
لكن كنت غلطانة.
الموضوع مكانش مجرد فلوس مستخبية.
كان فيه حد بيشيلني بهدوء من كل مستقبل كان بيرسمه.
قعدت على السجادة جوه الدولاب لحد ما رجلي الشمال نملت.
مكنتش بعيط.
لسه.
أنا كنت بعد.
كام ورقة مضيتها على مدار السنين من غير ما أقراها، لمجرد إنه كان واقف قدامي بالقلم ونفس النظرة الهادية اللي دايمًا بتخليني أصدق إن كل حاجة عادية.
كام مرة قاللي
دي إجراءات روتينية يا مريم.
في الوقت اللي كنت فيه مشغولة بعمل الغدا، أو مستعجلة أسلم رواية، أو خارجة بسرعة أزور أختي في المستشفى.
عددهم كان أكبر بكتير مما أقدر أفتكره.
رجعت كل ملف مكانه بالظبط.
الجزئية دي كانت مهمة جدًا.
كريم كان بيعشق النظام.
الكرافتات مترتبة حسب اللون.
القمصان حسب طول الكم.
الساعات كل واحدة في علبتها.
ولو ورقة واحدة اتحركت من مكانها، كان هيلاحظ.
كان من النوع اللي لو الأباجورة اتحركت نص سنتي، يقول إن عنده إحساس.
علشان كده...
ماسبتلوش أي أثر.
بالليل رجع من النادي، وشه محمر من الشمس، وماسك علبة حلويات من المحل اللي دايمًا بيجيب منه.
كان جايب كانولي.
الحلو اللي أنا بحبه.
كدت أضحك.
قال وهو بيحط العلبة على الرخامة
قولت نبدأ بالعِشا بالحلو الأول... نجرب نعيشها بمغامرة.
بصيتله وقلت
غريبة عليك.
ابتسم وقال
يمكن ابتديت أتغير.
بصيتله كويس.
بجد المرة دي.
الشعر الأبيض اللي بدأ يظهر عند صدغيه.
الخط الصغير اللي جنب بقه.
الجزمة الجلد الغالية اللي عمره ما كان بيلمعها بنفسه، كان يبعتها مع الهدوم للمكوجي.
كان عامل لنفسه صورة الراجل الثابت.
الموثوق فيه.
الراجل اللي تقدر تسلمه حياتك.
وفي نفس الوقت...
كان واقف قدامي، جايبلي حلو، وهو بيخطط يمحيني من حياته كأني مكنتش موجودة.
وإحنا بنتعشى، فضل يحكي عن واحد صاحبه في النادي، وابنه خسر فلوس كتير في العملات الرقمية.
كان في نص الحكاية، ولسه بيحكي عن واحد ضيع مبلغ ضخم، لما قاطعته وسألته
فاكر السلسلة اللي بعتها وقت عملية القلب بتاعتك؟
الشوكة وقفت في إيده.
ثانية واحدة بس.
لكن أنا خدت بالي.
قال
طبعًا فاكر... مالها؟
قلت
افتكرتها الصبح.
شرب رشفة مية وقال
أنا قولتلك قبل كده إني ندمت على الموضوع ده.
هزيت راسي.
قولت.
قال
ولسه ندمان.
وبعدها على طول سألني
أعملك قهوة مع الحلو؟
وهنا عملها تاني.
لف الحوار بمنتهى السهولة.
نفس الحيلة القديمة.
في الظروف العادية...
كنت هسيبه يغيّر الموضوع زي كل مرة.
لكن المرة دي...
لأ.
الشخص الوحيد اللي نسي يحسب حسابه
صباح الاثنين، أول ما كريم نزل، ركبت عربيتي وروحت الشهر العقاري في المحافظة اللي جنبنا.
لبست نضارة شمس، يمكن لأني كنت فاكرة إن الستات اللي جوازهم بيمر بأزمة لازم يستخبوا ورا نضارة سودا.
لكن الحقيقة...
ولا حد بصلي أصلًا.
كان فيه راجل لابس جاكيت فسفوري پيتخانق مع ماكينة المشروبات.
والموظفة اللي على الشباك كانت ضوافرها طويلة ومتلوّنة، وكل شوية تكح.
ناولتها عنوان الشقة المكتوب في إيصال الضرايب.
ملقتش دقيقة.
وقالت
الشقة 14B.
واتفتحت قدامي البيانات.
الشقة كانت متشتراة من تسع سنين باسم شركة من الشركات اللي شفتها في ملفات كريم.
وبعد تلات سنين...
اتنقلت لصندوق ائتماني.
اسم الصندوق معناهش ليا أي حاجة.
لكن اسم الشريك...
كان معناه
كل حاجة.
إلهام