مرات ابني امرتني اغسل رجليها قدام العيلة لكن الي حصل كان صدمه للكل
عرفت الحقيقة كلها بعد اللي حصل.
وبدأت الاتصالات تيجيلي.
كل واحد كان بيعتذر.
لكن الاعتذار الوحيد اللي كنت مستنياه...
كان من ابني.
وقبل ما الليل ينتهي...
خبط أحمد على باب أوضتي.
ممكن أدخل يا أمي؟
بصيتله ثواني، وبعدها قلت بهدوء
ادخل.
دخل وهو شايل صندوق خشب صغير.
حطه قدامي، وفتحه.
اتفاجئت...
جواه كل صوري القديمة، وخواتمي، وجوابات جوزي، وحتى مفاتيح أوضتي اللي اختفت من شهور.
قال وهو بيبكي
لقيتهم مستخبيين في دولاب منى... سامحيني إني صدقتها، وسامحيني إني خذلتك.
بصيت للجوابات بإيدي المرتعشة، ولمست آخر جواب كان جوزي بعتهولي قبل ۏفاته.
وقتها بس...
حسيت إن اللي اتسرق مني ماكانش مجرد بيت...
كان سنين كاملة من عمري.
مررت إيدي على الجواب الأخير، وفتحته بحذر كأنه لسه مكتوب امبارح.
خط جوزي كان زي ما هو...
يا أمينة... لو بتقري الجواب ده، يبقى أنا مش جنبك. بس أوعديني، مهما حصل، متسمحيش لحد يكسرك.
ابتسمت وسط دموعي.
طيته تاني، وحطيته .
أحمد كان واقف قدامي، مش قادر يرفع عينه.
قال بصوت مكسور
كنت فاكر إني بحافظ على بيتي... لكن طلعت بخربه بإيدي.
بصيتله بهدوء.
البيت يا أحمد مش طوب وسقف... البيت احترام. أول ما الاحترام راح، البيت وقع حتى وهو واقف.
فضل ساكت.
بعدها مد إيده بمفتاح.
ده مفتاح أوضتك... منى كانت مغيراه من غير ما أعرف.
أخدت المفتاح منه، وقمت.
مشيت ناحية أوضتي القديمة.
كل خطوة كنت باخدها، كنت بحس إني برجع جزء من نفسي.
وقفت قدام الباب.
دخلت المفتاح.
لفيته.
ولما الباب اتفتح...
قلبي وجعني.
كل حاجة اتغيرت.
سريري اختفى.
دولابي مش موجود.
حتى الستاير اللي اخترتها مع جوزي يوم فرشنا البيت، اتشالت.
الأوضة بقت مليانة مكواة، وترابيزات، وكراكيب.
وقفت في نصها وسكت.
أحمد دخل ورايا.
أول ما شاف الأوضة، حط إيده على وشه.
أنا... أنا عمري ما دخلت هنا بعد ما منى قالت إنها محتاجة الأوضة.
رديت من غير ما أبصله
لأنك عمرك ما سألت نفسك... أمك راحت فين.
الكلمة نزلت عليه كالصاعقة.
في اليوم التالي، صحيت بدري.
ولأول مرة من شهور، حضرت فطاري لنفسي وأنا مرتاحة.
وأنا قاعدة في الجنينة، سمعت صوت عربية وقفت قدام البيت.
نزل منها راجل كبير في السن.
أول ما شفته، ابتسمت.
كان عم فؤاد... جارنا القديم.
دخل وهو شايل كرتونة كبيرة.
صباح الخير يا أمينة.
صباح النور.
حط الكرتونة على الترابيزة.
دي كل الصور اللي كانت عندي... فاكرة لما جوزك اداني نسخة منها عشان أعملكم ألبوم؟
فتحت الكرتونة.
لقيت صور فرحي...
وصور أحمد وهو طفل...
وصور أول عيد ميلاد ليوسف...
دموعي نزلت تاني.
قال عم فؤاد
سمعت اللي حصل... والحي كله عرف الحقيقة.
في نفس اللحظة، خرجت منى وهي شايلة شنطتين.
كانت باصة للأرض.
معدتش قادرة تبص في وش أي حد.
وقفت قدامي.
وسكتت شوية.
بعدها قالت بصوت واطي
أنا... آسفة.
بصيت لها ثواني.
قلت
الاعتذار الحقيقي مش كلمة... الاعتذار الحقيقي إنك متظلميش حد تاني طول عمرك.
نزلت دموعها.
لكن المرة دي...
ماحستش بأي شماتة.
لأن الإنسان لما يختار الظلم، بيكون أول واحد بيدفع تمنه.
ركبت العربية اللي كانت مستنياها ومشيت.
فضل أحمد واقف يبص وراها.
بعدها لف ناحيتي.
يا أمي... أنا مش هطلب منك تسامحيني دلوقتي.
هزيت راسي.
كويس... لأن التسامح مش بيتطلب، بيتستحق.
هز راسه وهو فاهم.
ومن يومها...
بدأ يحاول يصلح اللي اتكسر.
لكن في چروح...
بتحتاج وقت طويل جدًا عشان تلتئم
مر شهر...
البيت رجع هادي زي
زمان.
رجعت أوضتي، ورجعت صوري مكانها، ورجع ريحة جوزي في كل ركن من البيت.
أما أحمد...
فنفذ وعده.
استأجر شقة صغيرة، وخرج هو ويوسف يعيشوا فيها. أما منى، فرفض يكمل معاها، وبعد شهور انتهى جوازهم بالطلاق.
في البداية كنت فاكرة إني هفرح...
لكن الحقيقة إن قلبي وجعني على ابني.
الظلم عمره ما بيكسب حد، حتى الظالم نفسه.
وفي صباح يوم جمعة، لقيت أحمد واقف على الباب، ماسك في إيده باقة ورد.
أول ما شفته، ابتسمت.
قرب مني وباس إيدي.
وقال
النهارده جيت مش عشان أطلب منك تسامحيني... جيت أقولك إنك ربيت راجل، لكن الراجل ده ضعف، وأنا بقالي شهر بحاول أرجع الإنسان اللي إنتِ تعبتي في تربيته.
ابتسمت وأنا بحط إيدي على راسه.
وقلت
الغلط مش نهاية الإنسان... النهاية الحقيقية إنه يفضل مصر عليه.
من ضهري وهو بيضحك.
خلاص بقى يا تيتة... هنرجع ناكل محشي زي زمان؟
ضحكت من قلبي لأول مرة من شهور.
حاضر... بس المرة دي أنا اللي هحدد مين يقعد على السفرة.
ضحكنا كلنا.
وبينما كنت بحط الأكل، بصيت لصورة جوزي المعلقة على الحيطة، وقلت في سري
اطمن يا حسن... كرامتي رجعت، وبيتنا رجع بيتنا.
تمت.