تخطيط حماتي
المحتويات
بأكمام عباءتها، والتفتت إليّ ووجهها محمر من الخجل أو الخۏف، وقالت بلعثمة
أنا.. أنا كنت بجرب روج قديم لقيته في الشنطة وكنت هرميه.. أصل الروج ده من أيام ماهر.
نظرتُ إليها مليًا. الروج كان جديدًا، وعينها لم تكن عين امرأة تبكي ميتًا، بل عين امرأة تتزين لشخص ما. لكنني ابتلعت غصتي، وقسوت على حدسي، وقلت لنفسي ربما تحاول الخروج من حزنها، لا تظني بها سوءًا يا حسناء. لكن الجمرة كانت قد أُلقيت في الحطب، وبدأت الڼار تتآكل تحت الرماد.
الجزء الثالث الرسالة التي غيرت كل شيء
مرت الأيام، وكان المخطط يتضح أكثر فأكثر. لم تعد داليا تكتفي بالتواجد المريب، بل بدأت تزرع في أذن حماتي بذورًا مسمۏمة. كانت تقعد معها بالساعات في الغرفة المظلمة، تسمعها تنهدات طويلة
آه يا ماما.. الولد محتاج أب، كل ما يشوف عمو كريم يجري عليه ويمسك في رجله.. الولد ملوش حد في الدنيا غير كريم.
وكانت حماتي، التي تحب ابنها الراحل وتتمنى أن ترى ذريته في أفضل حال، تتأثر بتلك الكلمات شيئًا فشيئًا. بدأت حماتي تنظر إليّ بنظرات جافة، وكأنني العائبة التي تقف سدًا أمام سعادة الطفل الأيتيم وفاءً للأخ المېت.
حتى جاء ذلك الصباح الموعود. صباح يوم الخميس.
كان كريم قد خرج للعمل مبكرًا، وحماتي كانت تزور إحدى قريباتها، بينما كنتُ أنا أنظف الصالة. كانت داليا في الدور العلوي. سمعت رنين هاتفها يرن بحدة على الطاولة القريبة من المطبخكانت قد تركت هاتفها هناك وهي صاعدة لجلب طفلها.
ذهبتُ لأحمل الهاتف كي أعطيه لها، وفي تلك اللحظة بالذات، أضاءت الشاشة برسالة نصية عبر تطبيق الواتساب. لم أكن أسترق النظر يومًا على هواتف الغير،
لكن السطر الأول ظهر واضحًا كالشمس في منتصف النهار
يا حبيبي الفلوس حولتها على البنك زي ما اتفقنا، والورق كله جاهز، بس خلص موضوع الجواز الأول علشان نعرف نبيع البيت القديم من غير ما حد يحس.
توقفت أطرافي. كأن أحداً أفرغ قالبًا من الثلج فوق رأسي.
سحبتُ الهاتف بسرعة، وقبل أن تنزل داليا، فتحت الرسالة. لم تكن رسالة من قريبة أو صديقة. كانت المراسلات بينها وبين رقم مسجل باسم أبو يوسف التاجر.
قرأتُ الرسائل السابقة بسرعة، وكانت المفاجأة التي جعلت ضربات قلبي تتدفق كالمطر الهادر
داليا لم تكن تملك أي وفاء لماهر. داليا كانت قد باعت نصيب ابنها ونصيبها في قطعة أرض تركها ماهر في القرية بعيدًا عن علم العائلة، وكانت تتفق مع هذا التاجر على تحويل المبالغ لحساب شخصي باسمها هي فقط في بنك آخر! والأدهى من ذلك، أنها كانت تخطط للزواج من كريم ليس حبًا فيه ولا حرصًا على الطفل، بل لأن القانون والشرع سيجعلان كريم الوصي على الطفل إذا لم تتزوج، لكن زواجها من كريم سيبقي كل شيء تحت يدها هي، وسيجعل حماتي تكتب لها الشقة السابقة باسمها كشرط للقبول!
وكان هناك تسجيل صوتي أرسلته هي للتاجر تقول فيه بنبرة سخرية وتقليل
لا تقلق يا أبو يوسف، العجوزة مغفلة ومصدقة إني قديسة، والكبير بتاعهم هخليه يتجوزني برضاهم كلهم، والسفيهة مراته مش هتقدر تفتح بقها.. شهرين كدة وكل حاجة تبقى في جيبي.
أخذتُ هاتفي بسرعة، وقمت بتمرير كل التسجيلات والرسائل والصور الخاصة بالتحويلات البنكية إلى هاتفي عبر البلوتوث والواتساب، ثم مسحتُ أثر الإرسال من هاتفها تمامًا، وأعدت هاتفها إلى الطاولة قبل أن تنزل خطوة واحدة على السلم.
عندما نزلت، كانت تبتسم ابتسامتها الوديعة المعتادة، وقالت
أوه، معلش يا حسناء، نسيت تليفوني تحت.
ابتسمتُ لها ابتسامة عريضة، ابتسامة لم تفهمها، وقلتُ لها بصوت هادئ للغاية
ولا يهمك يا داليا.. التليفون في أمان، وكل حاجة في أمان لحد ما يجي وقتها.
الجزء الرابع المسرحية في غرفة الطعام
في مساء ذلك اليوم، دعتنا حماتي جميعًا للعشاء. كانت العزومة تبدو غير عادية؛ الطاولة ملأى بما لذ وطاب، والأجواء مشحونة بجدية مريبة. كان كريم يجلس في صدر الطاولة يبدو عليه التعب من عمل النهار، وكانت حماتي تجلس على يمينه، وداليا تجلس على يساره وهي ترتدي ثوبًا أسود أنيقًا للغاية يظهر بياض وجهها، وتنكس رأسها بين الحين والآخر في تمثيل متقن للدور.
أما أنا، فكنتُ أجلس في الطرف المقابل تمامًا، أضع الأرز في طبقي وأكل ببرود شديد، وكأنني في عالم آخر.
وفجأة، وضعت حماتي ملعقتها على الطاولة، وأصدرت صوتًا لتلفت انتباه الجميع. ساد الصمت في الغرفة، حتى صوت الملاعق توقف.
نظرت حماتي إلى كريم، ثم نظرت إليّ، ثم قالت بنبرة قاطعة تحاول أن تجعلها حنونة
شوف يا كريم يا بني.. الكلام اللي هقوله ده هو الصح وهو اللي يرضي ربنا ويرضي أخوك ماهر في تربته. داليا ست صانة عرض أخوك، وعايشة بقالها شهور قافلة بابها عليها، والولد ده أمانة في رقبتنا كلنا. والناس بدأت تتكلم، وجوازها من بره البيت هيضيع الولد مننا وياخد ورث أخوك لبره.
ثم التفتت حماتي نحو كريم مباشرة وقالت بصوت عالٍ ليسمعه الجميع
عشان كده يا بني، أنا قررت إنك تتجوز داليا مرّة أخوك المرحوم! تجوزها وتستر عليها وعلى ابن أخوك، والبيت ده يفضل مقفول على أهله.
في تلك اللحظة، هبطت داليا بصرها إلى الأرض. عملت نفسها مكسوفة ومکسورة، ووضعت يدها على فمها وكأنها
تفاجأت بالقرار، وجسدها يرتجف بسيطة كأنها تبكي من شدة التأثر والخجل!
الټفت كريم إليّ بذهول وصدمة، ووجهه اصفر. كان ينظر
متابعة القراءة