تخطيط حماتي

لمحة نيوز

إليّ ليرى ردة فعلي. أخت زوجي التي كانت تجلس بجانبي همست ربنا يستر، الحړب هتولع. كان الجميع في الغرفة ينتظرون مني أن أصرخ، أن ألقي بالطبق على الأرض، أن أشد داليا من شعرها وأسحلها في الصالة، أو أعمل خناقة تسمع آخر الشارع كما هي عادة الستات في مثل هذه المواقف.
لكنني لم أفعل أي شيء من ذلك.
أخذتُ قطعة من اللحم، وضعتها في فمي، ومضغتها ببطء شديد. نظرتُ إلى حماتي بابتسامة خفيفة، ثم نظرتُ إلى داليا التي كانت تسترق النظر إليّ من بين أصابعها لترى اڼهياري.
قلتُ بصوت هادئ ومريح جداً
والله يا ماما، فكرة تستحق التفكير.. بس هو في سؤال بسيط بس حابة أسأله لداليا قبل ما نبارك للعروسة.
الجزء الخامس السقوط الكبير
رفعت داليا رأسها بسرعة، وبدت عليها علامات الاستغراب من هدوئي. قالت بصوت متقطع ومظلوم
سؤال إيه يا حسناء؟ أنا أصلاً مش مفكرة في الموضوع ده ومصډومة زيي زيك..
قلتُ لها وأنا أرتشف جعة من الماء
لا يا حبيبتي، متتصدنيش ولا حاجة.. السؤال بسيط خالص هو البنك اللي حولتي عليه فلوس أرض كفر الشيخ بتاعة ابنك المرحوم، بيفتح يوم السبت ولا بياخد إجازة زي بقية البنوك؟
فجأة، اختفت كل ألوان وجه داليا. اصفرّت، ثم تحول لونها إلى البياض الكالح، وكأن الډماء جُفّت من عروقها في ثانية واحدة. اتسعت عينها بړعب، وتوقفت يدها التي كانت تتصنع الارتجاف.
صاحت حماتي باستغراب
أرض إيه وبنك إيه يا حسناء؟ أنتِ بتقولي إيه؟
أخرجتُ هاتفي المحمول من جيبي بمنتهى الهدوء. وضعتُ الهاتف على الطاولة في المنتصف، وقمت بتشغيل أول تسجيل صوتي بأعلى صوت للمكبر
صوت داليا المتهكم ينطلق في الغرفة واضحًا كالجرس
لا تقلق يا أبو يوسف، العجوزة مغفلة ومصدقة إني قديسة، والكبير بتاعهم هخليه يتجوزني برضاهم كلهم، والسفيهة مراته مش هتقدر تفتح بقها.. شهرين كدة وكل حاجة تبقى في جيبي.

كان الصوت يتردد في صمت الغرفة الموحش.
وقفت حماتي فجأة، وكأن صاعقة ضړبتها في رأسها. نظرت إلى داليا بذهول لا يُوصف. أما كريم، فقد اتسعت عيناه پغضب مرعب، وقام من مقعده بنصف وقفة وهو ينظر إلى داليا التي كانت تجلس كأن الأرض قد اتفتحت تحت قدميها وبدأت تبتلعها.
لم أكتفِ بذلك. قمتُ بتشغيل الرسائل التالية، وقراءة التحويلات البنكية والمبالغ التي اختلستها من وراء العائلة، وكيف كانت تخطط لبيع الشقة بعد الزواج من كريم والهروب بالمال إلى محافظة أخرى مع شريكها التجاري!
بدأت داليا تلتفت حولها بلهفة مچنونة، تنظر إلى الباب، ثم إلى الشباك، كأنها تبحث عن مخرج أو جحر تستخبى فيه. شفتها كانت ترتجف بحق هذه المرة، ولكن ليس من الخجل، بل من الخۏف والعاړ.
قالت بصوت مبحوح وهي تحاول التشبث بأي قشة
ده.. ده فبركة! حسناء بتتبلى عليا! التليفون ده مش بتاعي!
وقفتُ من مكتبي، وسرتُ بخطوات ثابته نحوها. انحنيتُ عليها حتى أصبحت أذني قريبة من وجهها المرتعش، وقلتُ لها بصوت خفيض سمعه الجميع
الرسالة الأولى اتبعتت الصبح الساعة تسعة وربع من تليفونك أنتِ يا داليا.. والتحويلات باسمك أنتِ وباسم ابنك اللي كنتِ بتتاجري بدموعه كل يوم قدامنا. الأقنعة وقعت.. والمسرحية اتفلقت بالنص.
الجزء السادس الحساب والرحيل
لم تنتظر حماتي دقيقة واحدة. المرأة التي كانت تعتبر داليا رمزًا للوفاء والأصل، تحولت في ثانية إلى أسد جريح. صړخت صړخة هزت أركان البيت، وهجمت عليها تتجاذبها من ثيابها وهي
تقول
يا خاېنة! يا اللي بتاكلي في قوسي وبتستغفليني؟ أنا مغفلة يا داليا؟ أنا اللي كنت بفضلِك على ابني ومراته؟
تدخل كريم ليفصل بينهما بصعوبة، وهو ېصرخ في داليا بصوتزلزل الجدران
اطلعي بره! اطلعي جمعي هدومك ومش عايز أشوف وشك في البيت ده ثانية واحدة! والفلوس ورث أخوي وابنه هيرجعوا بالقانون وبككرة الصبح هكون عند النائب العام!
نزلت داليا على ركبتيها تبكي بحړقة متوسلة، ولكن هذه المرة لم تكن دموع تمثيل، بل كانت دموع السقوط الإجباري. لم ينظر إليها أحد برحمة. أخت زوجي التي كانت تدافع عنها أدارت وجهها عنها بقرف.
وفي خلال نصف ساعة، كانت حقائب داليا ملقاة على باب الشارع، وخرجت تجر أذيال الخيبة والفضيعة في منتصف الليل، بعد أن كُشفت حقيقتها أمام الشارع كله الذي كان يظنها قديسة.
في تلك الليلة، عادت الصالة إلى صمتها.
جلست حماتي على الكنبة القديمة، تبكي بمرارة وټضرب على صدرها من الصدمة، وقالت وهي تنظر إليّ والدموع تغسل وجهها
سامحيني يا حسناء.. مظلومة يا بنتي، وأنا اللي كنت عمياء ومش شايفين مين الصالح ومين الطالح.
اقتربتُ منها، ومسحتُ على كتفها بهدوء، وقلتُ لها
ربنا بيظهر الحق يا ماما.. وأنا عمر الخدمة والتعب اللي تعبته في البيت ده ما كان خسارة، لأن الأصيل بيضل أصيل والمزيف لازم يتقشر في يوم من الأيام.
نظر إليّ كريم بنظرة ملأها الاحترام والاعتزاز، وعرف في تلك الليلة قيمة المرأة التي تحفظ بيته وكرامته، والتي واجهت الكيد بالعقل والهدوء، وليس بالصړاخ والعويل.
ومنذ ذلك اليوم، عادت المياه إلى مجاريها، وأصبحتُ أنا السيدة الأولى والوحيدة في هذا البيت، ليس بأمر من أحد، بل بفضل عقل وصبر يزن جبالاً.
صلّوا على النبي المختار، واللهم اكفنا شړ من يستغفلنا ويظهر لنا عكس ما يبطن.

تم نسخ الرابط