قصه كاملة
إنها سابت لي حق.
كنت عارف.
وعرفت إن هناء عايزة أوضتي.
سكت.
وسمعت منها إني ماليش مكان.
دموعه زادت.
كنت خاېف.
من مين؟
قالها بصوت ضعيف
من إني أخسر بيتي.
بصيت له.
إنت خسرتني عشان تحافظ على بيت ما كانش بتاعك لوحدك.
الجملة وجعته.
لكن كانت الحقيقة.
القضية استمرت شهور.
طارق ما استعجلش.
كل ورقة اتراجعت.
كل توقيع اتفحص.
كل معاملة اتراجعت.
وظهر شيء آخر.
هناء كانت تعرف جزءًا كبيرًا من الحقيقة.
مش كلها.
لكنها كانت عارفة إن ملكية البيت مش زي ما كانت بتقول.
وعرفت من البداية إن وجودي فيه كان حقًا قانونيًا، مش مجرد بنت قاعدة في بيت أبوها.
لكنها كانت بتضغط على أبويا.
وكان هو، بدل ما يواجهها، يواجهني أنا.
أما شهيرة، فكانت في الحقيقة آخر واحدة عرفت.
وفي يوم، لقيتها واقفة قدام باب مكتبي.
لوحدها.
بصت لي.
ممكن أدخل؟
دخلت.
قعدت.
وشها كان مختلف.
من غير مكياج تقريبًا.
ولا ابتسامة مستفزة.
أنا آسفة.
ما رديتش.
عارفة إن كلمة آسفة مش هتغير حاجة.
سكت.
بس أنا كنت فاكرة إنك أنانية. هناء كانت دايمًا بتقول إنك بتتدلعي عشان أمك مدلعاكي.
بصيت لها.
وأنتِ صدقتي؟
كنت طفلة.
دلوقتي؟
بصت للأرض.
دلوقتي عرفت إن أمي هي اللي كانت بتطلب حاجات مش من حقها.
سكتنا.
ثم قالت
أنا مش جاية أطلب منك حاجة.
أمال؟
كنت عايزة أقول لك إن أوضتك... ما كانتش تستاهل اللي حصل.
ابتسمت رغمًا عني.
أخيرًا حد قالها.
ضحكت هي كمان.
وكانت دي أول مرة نتكلم فيها من غير حرب.
بعد الحكم النهائي، ثبتت الملكية.
البيت أصبح لي قانونيًا بحسب نصيب والدتي وما انتقل لي منها.
أما حق الانتفاع الخاص بأبي، فظل قائمًا في الحدود التي حددتها وصية أمي والقانون.
لكن شيء مهم حصل.
أبويا بنفسه قرر يسيب البيت.
مش لأن حد طرده.
لكن لأنه أخيرًا فهم إن البيت اللي عاش فيه عمره كله بقى مليان بأشياء ما قدرش يواجهها.
هناء اضطرت تخرج.
وشهيرة استقلت بحياتها.
أما أنا...
فما رجعتش أسكن هناك.
احتفظت بالبيت.
لكن ما عشتش فيه.
حوّلته لمكان له معنى.
في الدور الأرضي عملت مكتبة صغيرة باسم أمي.
مكتبة كريمة المحمدي.
كل كتبها رجعت.
طقم الصيني اللي كانوا اتبرعوا بيه رجع جزء منه بعد ما عرفنا مكانه.
صورة أمي رجعت للصالة.
والشجرة اللي زرعتها وهي عايشة كبرت جدًا.
وفي أوضتي القديمة، ما غيرتش حاجة.
السرير لسه جنب الشباك.
والمكان اللي كنت بقرأ فيه للصبح فضل زي ما هو.
لكن حطيت على الباب لوحة صغيرة
غرفة كريمة.
مش عشان أعيش في الماضي.
عشان ما أخليش الماضي يتمسح.
بعد سنة، كان يوم افتتاح المكتبة.
جاء أبويا.
وقف بعيد.
ما دخلش.
أنا خرجت له.
مش هتدخل؟
قال
مش عايز أفرض نفسي.
بصيت له.
المكان ده جزء من حياتي.
سكت.
وأنت جزء من حياتي برضه، مهما حصل.
رفع عيني.
يعني لسه بنتي؟
ابتسمت.
دي حاجة ما تتغيرش.
دموعه نزلت.
لكنني أكملت
بس ده مش معناه إن كل حاجة ترجع زي الأول.
هز رأسه.
فاهم.
ولأول مرة، حسيت إنه فعلًا فاهم.
مش بيجادل.
مش بيبرر.
مش بيطلب مني أعدّي.
فقط فاهم.
دخل.
وقف قدام صورة أمي.
وبص لها طويلًا.
ثم قال
سامحيني يا كريمة.
ما قلتش حاجة.
كان لازم يقولها لها.
مش لي.
بعد شهور، وصلني ظرف.
من طارق.
فتحت الظرف.
كان فيه آخر مستند في ملف أمي.
ومعه ورقة صغيرة كتبها بخط إيده
أمك طلبت مني ألا أسلمك هذه الورقة إلا بعد انتهاء كل الڼزاع.
فتحتها.
كان عقدًا صغيرًا.
وعليه
ملاحظة بخط أمي
ده مش بيت لرحمة. ده أمان لرحمة.
وتحتها
يا رحمة،
لو وصلتي هنا، يبقى أنتِ عرفتي الحقيقة.
بس أوعديني بحاجة.
ما تستخدميش اللي حصل عشان تبقي قاسېة.
خليكي أقوى، مش أقسى.
ما تخليش ظلمهم يحولك لنسخة منهم.
ولو أبوكي يومًا رجع لك وهو نادم، اسمعيه.
مش لازم ترجعي له نفس المكان في حياتك.
لكن اسمعيه.
يمكن هو كمان كان محتاج حد يفهمه إنه غلط.
قعدت أبكي.
لأن أمي حتى وهي مش موجودة...
كانت بتعلمني أكون أحسن.
بعد خمس سنين.
كنت واقفة في بلكونة شقتي الجديدة.
كارما كانت بتلعب في الصالة.
كبرت.
بقت عندها خمس سنين.
دخلت عليا وقالت
ماما.
نعم؟
هو البيت الكبير بتاع تيتا كريمة بتاعنا؟
ابتسمت.
أيوه.
هنعيش فيه؟
بصيت لها.
يمكن يومًا ما.
ليه مش دلوقتي؟
ضحكت.
عشان ماما بتحب بيتها.
جريت لحضني.
وبينما أنا حاضناها، بصيت للمدينة.
افتكرت الليلة اللي خرجت فيها من بيت أمي بشنطتين.
كنت فاكرة إني خارجة مطرودة.
لكن الحقيقة؟
كنت خارجة لأول مرة بإرادتي.
كنت فاكرة إني خسړت أبويا.
لكن الحقيقة إن علاقتي بيه هي اللي اتغيرت، مش مجرد انتهت.
وكنت فاكرة إن البيت هو الأمان.
لكن أمي علمتني إن الأمان مش أربع حيطان.
الأمان إنك ما تحتاجيش تصغري نفسك عشان حد يسمح لك بالبقاء.
وإن الحب اللي يخليك طول الوقت خاېفة من خسارته...
مش لازم يكون حب صحي.
وأحيانًا، أقسى باب بيتقفل في وشك...
بيكون هو نفسه الباب اللي بيخليكي تكتشفي إن عندك مفتاح لبيت أكبر.
بيت محدش يقدر يطردك منه.
نفسك.
بصيت للصندوق الخشب فوق الرف.
وجواه رسالة أمي.
حاجة واحدة بس فضلت ناقصة.
قعدت أكتب لها جوابًا، رغم إني عارفة إنها مش هتقرأه.
ماما،
نفذت وعدك.
ما بقيتش قاسېة.
بس بقيت قوية.
ورجعت صورتك للصالة.
وكتبت اسمك على المكتبة.
والشجرة لسه عايشة.
وأنا كمان.
وعلى فكرة...
السرير اللي جنب الشباك لسه موجود.
بس دلوقتي، كارما هي اللي بتقرأ فيه للصبح.
وأنا كل ما أشوفها، بفتكر إنك كنتِ عارفة كل حاجة من البداية.
يمكن عشان كده...
عمرك ما خفتِ عليا من المستقبل.
كنتِ بس مستنية اليوم اللي أعرف فيه أنا مين.
قفلت الجواب.
وحطيته جنب جوابها.
ثم قمت.
لأن كارما كانت بتناديني.
مامااا!
ضحكت.
جاية يا حبيبتي.
خرجت لها.
وفي آخر الممر، كانت صورة أمي معلقة.
وقفت لحظة.
بصيت لها.
وقلت
خلاص يا ماما... رجعت البيت.
تمت.