أمي بتأذيني ج 2 حكـايات مني السيد حصري
إني أخسر نفسي.
بصيت لبناتي.
ولأول مرة حسيت إني مش بس بحميهم من اللي حصل.
أنا كمان بعلّمهم حاجة أهم
إن البيت اللي فيه حب
لازم يكون فيه أمان.
والحب من غير أمان
ممكن يتحول لحاجة تانية خالص.
بعد أسبوع، اتكشف باقي الموضوع.
الشخص اللي كان بييجي البيت طلع إنه كان على خلاف قديم مع جوزي بسبب شغل ومبلغ مالي.
وأخويا كان متورط في نقل كلام بين الطرفين.
أمي كانت عارفة جزء من الموضوع، وسكتت لأنها كانت مقتنعة إن جوزي بيبعدني عنها.
أما الدخول للشقة، فكان في الأساس عشان أخويا ياخد صور لبعض المستندات والأدوية والحاجات اللي كانت والدتي طلبتها منه.
أما بعض الأعطال اللي حصلت في البيت
فجزء كبير منها طلع صدفة فعلًا.
ماسورة قديمة.
جهاز كهربائي اتحرق.
مشكلة نمل بسبب رطوبة.
وحاجة اتكسرت بسبب سوء استخدام.
يعني أنا طول الوقت كنت بدور على سبب واحد يفسر كل المصاېب
بينما الحقيقة إن الحياة نفسها مليانة مصايب صغيرة.
لكن لما الإنسان يبقى مجروح
بيبدأ يربط كل حاجة ببعض.
وده اللي حصل معايا.
أنا كنت محتاجة أصدق إن فيه سبب واضح لتعب السنين.
ولما شفت أمي بتتصرف بطريقة غريبة
عقلي مسك فيها.
لكن ده مش معناه إن أذيتها كانت وهم.
لأ.
أذيتها كانت حقيقية.
كلامها كان حقيقي.
قسۏتها كانت حقيقية.
تدخلها كان حقيقي.
ودخولها بيتي من غير إذني كان حقيقي.
لكن مش كل مصېبة حصلتلي كانت بسببها.
وده كان أصعب درس اتعلمته.
بعد سنة تقريبًا
كنت واقفة في مطبخي.
بعمل الغدا.
بنتي الكبيرة كانت بتساعدني.
الصغيرة بتضحك.
وجوزي دخل شايل أكياس.
قال
جبتلك حاجة.
بصيتله.
إيه؟
طلعلي طقم أطباق جديد.
ضحكت.
ليه؟
قال
عشان القديم اتكسر.
ضحكت أكتر.
هتعمل مشكلة مع ماما.
ضحك.
ماماكي نفسها اللي اختارته.
بصيتله باستغراب.
بجد؟
أيوه.
وفعلًا بعدها بيوم، أمي جت.
دخلت.
بصت للأطباق.
قالت
حلوين.
قلت
عاجبينك؟
قالت
آه.
وبعدين سكتت.
أنا ابتسمت.
عايزة زيهم؟
ضحكت.
لأ.
ليه؟
قالت
عشان مش لازم كل حاجة عندك تبقى عندي.
بصيتلها.
الكلمة بسيطة.
لكن بالنسبة لي
كانت أكبر اعتذار سمعته منها.
مش لأنها قالت أنا
آسفة.
لكن لأنها أخيرًا فهمت.
إن حياتي مش منافسة لحياتها.
وإن فرحتي مش إعلان عن نقصها.
وإن بنتها لما تنجح
مش معناها إنها فشلت.
أمي اتغيرت.
مش ملاك.
ولا أنا بقيت أنسى.
لأ.
لسه ساعات بتقول كلمة تضايقني.
ولسه ساعات بتتدخل.
بس الفرق
إني بقيت أقول
ماما، الكلام ده مش مناسب.
من غير خوف.
ومن غير ما أقعد بعدها يومين ألوم نفسي.
ولو زعلت، بسيبها تهدى.
ولو احتاجتني، بروح.
لكن مش على حساب نفسي.
وده خلاني لأول مرة أحبها بشكل صحي.
مش حب الخۏف.
مش حب الذنب.
مش حب دي أمي ولازم أستحمل.
لكن حب فيه حدود.
أما أنا
فبقيت أعرف إن التعب اللي كان مالي جسمي جزء منه كان نتيجة سنين من الضغط والإرهاق وقلة النوم.
ولما بدأت أريح نفسي، وأطلب مساعدة، وأبعد عن المشاكل، وأهتم بأكلي ونومي، جسمي بدأ يرجعلي واحدة واحدة.
وفي يوم كنت واقفة قدام المراية.
بصيت لنفسي.
افتكرت البنت الصغيرة.
وقلت
أنا آسفة.
حسيت بغصة.
آسفة إني صدقت إنك مش نافعة.
آسفة إني فضلت أثبت نفسك لناس مش شايفين قيمتك.
آسفة إني خليت خۏفك من زعل أمك أكبر من خۏفك على نفسك.
وبعدين ابتسمت.
لأول مرة
مكنتش مستنية حد يقوللي إني كويسة.
أنا عرفت.
وماما؟
فضلت أمي.
يمكن مش الأم اللي كنت أتمنى تكونها.
لكنها أمي.
وأنا مش مضطرة أكرهها عشان أحمي نفسي.
ومش مضطرة أسمح لها تأذيني عشان أكون بنت بارة.
الاتنين ممكن يعيشوا مع بعض.
أحبها
وأحط حدود.
أسامحها
ومأنساش الدرس.
أقف جنبها
وأقف جنب نفسي.
وفي النهاية، اكتشفت إن أكبر ظلم عملته في حق نفسي مش إنها قالتلي زمان
يا ريتك كنتي ولد.
أكبر ظلم
إني صدقت كلامها.
لكن أنا دلوقتي أم.
وعندي تلات بنات.
وكل ليلة قبل ما يناموا، بدخل أبص عليهم.
أغطيهم.
أبوسهم.
وأقول لنفسي
أنا مش هورثهم ۏجعي.
مش هخليهم يكبروا وهم بيحاولوا يثبتوا إنهم يستاهلوا الحب.
ومش هخليهم في يوم يسألوا نفسهم هو أنا ليه مش كفاية؟
لأنهم كفاية.
من غير تنظيف.
من غير طبخ.
من غير هدايا.
من غير تنازلات.
من غير ما يسكتوا على الإهانة.
من غير ما يرضوا كل الناس.
كفاية لمجرد إنهم بناتي.
وده كان أول مرة في حياتي أفهم معنى الأمومة الحقيقي.
مش إنك تخلفي طفل.
لكن إنك تخليه يحس إن الدنيا، مهما كانت قاسېة بره
بيته مكان آمن.
وأنا أخيرًا
عملت لنفسي البيت اللي كنت محتاجاه وأنا صغيرة.
بيت مفيهوش دعوات وحشة.
مفيهوش مقارنة.
مفيهوش خوف.
ومفيهوش بنت بتنام وهي بتسأل نفسها
هو أنا خايبة؟
لأ.
في بيتي
أنا وبناتي بنتعلم كل يوم إن الحب مش ۏجع.
وإن القرب مش امتلاك.
وإن الأمومة مش سلطة.
وإن البر مش إلغاء للنفس.
وإن أحيانًا
أقوى كلمة ممكن تقولها لبني آدم بتحبه هي
أنا بحبك بس مش هسمحلك تأذيني.
ومن يومها
اتغيرت حياتي كلها.
مش لأن أمي اتغيرت بالكامل.
لكن لأن
أنا اتغيرت.
وبطلت أخاف من إن الناس تزعل مني.
وبقيت أخاف من حاجة واحدة بس
إني أرجع أخسر نفسي عشان أرضي حد.
ودي كانت آخر مرة
أسمح فيها لحد يخليني أشك في عقلي، أو في قيمتي، أو في حقي إني أعيش مرتاحة.
لأن الحقيقة اللي اتأخرت سنين عشان أفهمها
إن الإنسان ممكن يسامح أمه.
وممكن يفضل يحبها.
وممكن يبرها.
لكن ده كله
مش معناه أبدًا إنه لازم يعيش مكسور عشان يثبت إنه ابن كويس.