صاحبي الثاني
الأبدان؛ بتخبط في الباب الحديد وبتشتم بألفاظ غريبة وبتنادي بأسماء ملهاش وجود. الممرضين كانوا واقفين برة ووشوشهم مقلوبة، وأول ما الدكتور شافني جاي، مسكني من دراعي بنرفزة
أخيراً شرفت يا أستاذ؟ البنت هتكسر العزل، والمستشفى مش ملزمة تتحمل مسؤولية مريض عنيف مش متوفر له علاجه الخاص! أهلها اتصلوا وقالوا إنهم جايين يستلموها، وإنت جوزها ولازم تمضي إقرار!
محدش هيستلم حاجة!
الصوت ده مكنش صوتي، التفت لقيت مندوب مكتب أستاذ حازم داخل بخطوات واثقة، ورفع في وش الدكتور ورقة مختومة بختم النسر
أنا وكيل الزوج، وده إخطار رسمي بفتح تحقيق في نيابة قسم كذا، البنت تحت تصرف النيابة العامة للكشف عليها عن طريق الطب الشرعي لإثبات عيب عقلي سابق على الجواز تم إخفاؤه بالتدليس.. خروجها أو تسليمها لأي طرف تزوير واشتراك في جريمة.
الدكتور وشه جاب ألوان، وتراجع خطوتين لورا وهو بيبص للورقة تمام.. طالما دخلت نيابة وطب شرعي، إحنا نتحفظ عليها هنا رسمي لحد ما يجينا مندوب التحقيق.
ملحقتش أتنفس، إلا ولقيت الباب الخارجي للمستشفى بيترزع بقوة.. ودخل أبوها، لابس عبايته السودة وعينه بتطق شرار، ووراه صاحبي اللي وشه كان أصفر زي الميت، ومعاهم اتنين رجالة من قرايبهم.
أبوها أول ما لمحني في الطرقة، هجم عليا وهو رافع عصايته في الهوا
يا ناصب يا واطي! حابس بنتي هنا وبتفضحنا في المستشفيات؟! قسماً بالله ما هتخرج من هنا حي، والوصلات اللي في جيبي دي هتبيتك في السجن الليلة!
كنت لسه هرجع لورا برعب، بس مندوب المحامي وقف في وشه فجأة، وطلع تليفونه وشغّل التسجيل وهو بيتكلم بصوت هادي ومرعب في نفس الوقت
ارفع صوتك كمان يا حاج صالح.. ارفع عشان التسجيل طالع صوت وصورة على مكتب النائب العام دلوقتي، ومعاه بلاغ بالنصب والابتزاز وتشكيل عصابي لإكراه مواطن على توقيع إيصالات أمانة!
أبوها اتلجم في مكانه، والعصاية نزلت في إيده ببطء وهو بيبص للمندوب بعدم فهم إكراه مين يا بني أدم إنت؟! ده ماضيها بيده ورضاه!
المندوب ضحك بسخرية وهو بيشاور على صاحبي اللي كان واقف وراهم بيترعش
مش ده الأستاذ اللي توسط في الجوازة؟ أحب أقولك يا كابتن إنك متسجل في البلاغ كمتهم تاني بتهمة التوسط في النصب والتحريض على توقيع إيصالات بيضاء.. والطب الشرعي في السيدة زينب كفيل يثبت إن التوقيع كان على بياض ومن غير تسليم مالي حقيقي، يعني جناية خيانة ائتمان وتزوير هتلبسها إنت وحماك، غير فضيحة السجن ليك ولعيالك في وظيفتك!
صاحبي الدم هرب من وشه تماماً، وبص لحماه برعب حقيقي وبدأ يزعق بهستيريا
أنا قولتلك يا عم صالح بلاش الحوارات دي! قولتلك بلاش الوصلات وخلونا نخلص بالمعروف! أنا مش هضيع مستقبلي وأدخل السجن عشانكم.. البت مريضة وكل البلد عارفة إنها محجوزة من زمان!
اخرس يا جبان! أبوها زعق فيه ومسكه من تلابيبه وهو هيتجنن من الغدر المفاجئ، والطرقة اتقلبت لخناقة شوارع بين أهل البنت وصاحبي اللي رماني في النار ودلوقتي النار بتمسك في هدومه هو!
وقفت أبص للمشهد بذهول.. العصابة اللي كانت لسة من ساعات بتلوِي دراعي وبتهدد بخراب بيتي وسجني، بقت بتاكل في بعضها زي الكلاب المسعورة عشان ينجوا بروسهم!
وسط الدوشة دي كلها، تليفوني رن في جيبي. طلعته وبصيت للشاشة.. لقيت اسم منى منورها.
فتحت الخط وإيدي بتترعش، وصوتي طلع مخنوق ألو.. يا أم العيال..
ردت عليا بنبرة جليدية، قاطعة زي حد السيف، معندهاش فضول تسأل ولا حتى مهتمة باللي بيحصل في المستشفى
المحامي بلغني إنهم بدأوا يقطعوا في بعض وهيجيبوا الوصلات عشان يفلتوا بجلودهم.. حسابك مع النصابين دول هيخلص النهاردة، بس حسابي أنا معاك هيبدأ بكرة في محكمة الأسرة.. متنساش تجيب بطاقتك وأنت جاي تمضي على مؤخري وحقوق عيالي.
الخط قطع في وشي، والصمت رجع تاني في وداني رغم الصريخ والبهدلة اللي حواليا في المستشفى. بصيت للسقف وأنا حاسس بمرارة غسلت كل فرحة بنجاتي من السجن.. نجاتي من العصابة كانت رخيصة، بس التمن اللي دفعته من بيتي وعشرتي، هو اللي هيفضل كاسر ضهري لآخر يوم في عمري.
المعركة مع النصابين خلصت أسرع مما كنت أتخيل.. الخوف من السجن والفضيحة خلى صاحبي يضغط على حماه بكل قوته، وجابوا وصولات الأمانة في مكتب المحامي، قطعتها بإيدي وحرقتها قدام عينيهم، والنيابة أثبتت واقعة التدليس والمرض العقلي السابق للجواز، وصدر قرار رسمي بإيداع البنت مصحة حكومية للعلاج وسقطت كل حقوقها من على كتافي بحكم بطلان العقد.
خرجت من الدايرة دي حر طليق من السجن.. لكن روحي كانت لسه مربوطة في ساقية الندم.
منى مانتظرتش يوم واحد، ولا قبلت أي وساطة ولا قعدة عرب. وقفت قدام المأذون رافعة راسها، مفيش في عينيها دمعة واحدة، واخدة كل مليم من مؤخرها وحقوقها بالقرش، وبصتلي النظرة الأخيرة وقالت عيالك هتشوفهم بالمعروف وبأمر المحكمة، غير كده متعديش عتبة الباب. وطلقتها.. والكلمة خرجت من زوري كأنها بتدبحني أنا.
مرت سنة كاملة.. سنة كانت أطول من عمري كله.
اتعلمت فيها يعني إيه الراجل يرجع لبيت فاضي بارد، ياكل لقمة ناشفة مفيهاش ريحة نفس حبيب، ويقعد بالساعات باصص في السقف يفتكر النعمة اللي رفصها برجليه. كنت بشتغل ورديتين وتلاتة، أقبض من هنا وأحط الفلوس في حسابها للولاد بزيادة عن اللي حكمت بيه المحكمة، عشان بس متمدش إيدها لحد ولا تحس بعوزة.
سنة كاملة وأنا وراها زي ضلها..
كنت استناها من بعيد وهي مروحة بطلبات البيت، أسبقها ع السلم وأشيل عنها الشنط وهي تبصلي بقرف ومتردش.
أقف تحت البلكونة بالساعات في عز البرد، بس عشان ألمح خيالها.
أبعتلها مع الولاد هدايا وورق كاتب فيه اعتذارات بدم قلبي، فترجعلي الهدايا مع البواب والورق مقطع ميت حتة.
أوسط أهلها، وأهل الخير، وأمي تروح تبوس راسها، وهي راكبة راسها ورافضة حتى تسمع اسمي اللي يبيعني في سوق النخاسة لرخيص، ملوش عندي رجعة.
لحد ما جه اليوم اللي بنتي الصغيرة تعبت فيه وسخنت بالليل فجأة. لقيتها بترن عليا بنبرة كلها خوف وأمومة تاه منها العند البنت بتشنج يا أحمد، الحقنا!
طرت بالعربية، شيلت البنت وجريت بيها على المستشفى حافي، فضلت سهران جمبها لحد الفجر والكمادات في إيدي، وعيني على منى اللي كانت قاعدة منهارة على كرسي الاستقبال. لما البنت فاقت والدكتور طمنا، منى سندت راسها على الحيطة وغمضت عينيها، التعب هدّها.
قربت منها، وقعدت على ركبي في الأرض قدامها، مسكت طرف عبايتها بضعف راجل مكسور من جواه
سنة يا منى.. سنة بدوق فيها المر اللي شربتهولك كاس ورا كاس. قسماً بعزة جلال الله اتعلمت الأدب، وعرفت إن الدنيا كلها بكدبها وزينتها متسواش تراب رجلك ولا حسك في بيتي. أنا اتعاقبت وخدت جزائي وزيادة، ومستعد أفضل تحت طوعك خادم ليكي ولعيالي بقية عمري.. بس افتحيلي باب جنتك تاني وماتحرمينيش منكم.
بصتلي، ولأول مرة من سنة كاملة شفت الدموع بتلمع في عينيها من غير كبرياء. بصت لإيديا اللي متبهدلة من الكمادات، ولذقني اللي غزاها الشيب، وللهفة اللي مكنش فيها ذرة كدب.. سكتت كتير، وسحبت نَفَس طويل كأنها بتطرد وجع سنة بحالها، وقالت بصوت واطي مهزوز
الأدب اللي اتعلمته ده، لو