صاحبي الثاني
اتنسى في يوم يا أبو العيال.. مش هسيبك تموت في قهرتك سنة، هكون أنا اللي دافناك بإيدي.. قوم غسل وشك، ويلا عشان نروح بيتنا.
شيلت البنت على دراعي، ومنى ماشية جمبي، خطواتها مكنتش سريعة ولا لهوجة زي زمان، كانت هادية، راسية، خطوة واحدة بتعلم حدود جديدة لكل يوم جاي. نزلنا لسكون الشارع وركبنا العربية، وفي المراية كنت شايف ملامحها الشاردة؛ العفو اللي ادتهولي مكنش معناه إن الجرح اتمسح بجرّة قلم، ده كان تصريح مشروط بإن النجاة دي فرصة وحيدة وأخيرة، ملهاش تكرار.
وصلنا العمارة، السلالم اللي كنت بطلعها السنة اللي فاتت كلها بخوف وذل كأني شحات، طلعتها المرة دي وأنا شايل روحي بين إيديا. فتحتْ باب الشقة بالمفتاح، نفس الريحة اللي كانت وحشاني، ريحة البيت والأمان، دخلت حطيت البنت في سريرها وغطيتها، وخرجت للصالة لقيتها واقفة في نفس المطرح اللي بدأت منه الحكاية، في نص الصالة، عاقدة دراعاتها وبتبصلي بعين مليانة حذر ووعي كامل
البيت ده يا أحمد اتفتح من جديد عشان البنتين دول ميلقوش نفسهم في يوم مشتتين، مش عشان أنا نسيت إنك في لحظة غفلة رخصتنا. الباب اللي اتقفل في وشك سنة كاملة، المفتاح بتاعه هيفضل في إيدي أنا.. الأمان اللي كسرته مش هيرجع بالكلام ولا بالنواح، هيرجع بالفعل والستر اللي تصونه حبة حبة.
نزلت عيني في الأرض، مش مكسور من الضعف، لكن احتراما لست كانت بمية راجل، حمت ضهري وهي موجوعة مني، وعلمتني إن البيوت مبتقفش على نزوة عابرة ولا وش فلقة قمر، البيوت بتقف على الأصالة اللي بتصون وقت المحنة.
قربت منها، بوست راسها وإيديها بهدوء، وقلت وأنا باصص في عينيها من غير كدب ولا مواربة
المفتاح في إيدك يا أم العيال، وحياتك عندي ما هيلتفت قلبي ولا عيني لغيرك حتى لو الدنيا اتقفلت في وشي، أنا شفت قاع البير وطلعت منه على إيدك، والراجل اللي ميتعلمش من وجع ضهره يبقى ميستاهلش يكون له أهل ولا دار.
دخلت أوضتها بهدوء وسابت الباب موارب، وأنا فرشت مطرحي في الصالة زي ما اتفقت مع نفسي، عارف إن الطريق لسه طويل عشان أرجع الراجل اللي كان مالي عينها زمان، بس كفاني إني الليلة دي نايم تحت نفس السقف، صوت نَفَس ولادي حامي دفا البيت، وباب الجحيم اللي فتحته بإيدي اتقفل بالضبة والمفتاح للأبد.