تليفوني رن

لمحة نيوز


سمعنا صوت سيارة توقفت أمام البيت.
بصيت من الشباك.
نزل منها رجل واحد.
رفع رأسه ناحية نافذتي.
كان أخويا.
لكنه لم يأتِ وحده.
كان يحمل في يده حقيبة سوداء.
والشيء الذي جعلني أشعر إن القضية دخلت مرحلة أخطر...
إن مريم كانت واقفة بجانبه.
حية.
لكنها كانت تنظر إليّ من بعيد...
وتهز رأسها بقوة، كأنها تقول
ماما... ما تثقيش فيه ثبتُّ مكاني وأنا شايفة مريم واقفة جنب أخويا.
لكن كان فيه شيء مش طبيعي.
مريم ما كانتش بتطلب المساعدة.
كانت بتحذرني.
إيدي راحت تلقائيًا ناحية الضابط.
همست
محدش يتحرك.
أخويا رفع عينه ناحية الشباك، وكأنه عارف إني واقفة وراه.
ثم قال بصوت مسموع
إلهام... أنا مش جاي أؤذي بنتك.
ما رديتش.
أنا جاي أرجع لك حاجة اتسرقت منك من سنين.
بصيت للحقيبة السوداء اللي في إيده.
قلت
إيه اللي فيها؟
رد
الدليل اللي مريم كانت بتدور عليه.
مريم هزت رأسها بسرعة.
لا.
عرفت فورًا إن في حاجة غلط.
فتحت باب البيت، لكني وقفت عند العتبة.
خلي مريم تدخل لوحدها.
أخويا قال
مش هينفع.
ليه؟
لأن الشخص اللي بيراقبنا ممكن يكون قريب.
في اللحظة دي، مريم صرخت
ماما! ما تفتحيش الحقيبة!
أخويا بص لها.
لأول مرة ظهر التوتر على وشه.
قلت
سيب الحقيبة على الأرض.
رفض.
إلهام، اسمعيني...
قاطعته
حطها على الأرض.
وبعد ثواني، نزل الحقيبة ببطء.
الضابط اقترب بحذر.
فتحها.
وكان بداخلها...
ملفات قديمة.
فلاشة.
وثلاثة عقود.
لكن وسط الملفات كان فيه ظرف أصفر.
أخذته.
كان عليه اسمي.
إلى اللواء إلهام عبد الرحمن يُفتح عند الضرورة.
عرفت الخط فورًا.
خط رئيسي القديم في المباحث.
فتحت الظرف.
وجدت ورقة واحدة.
سيادة اللواء إلهام،
إذا وصلت هذه الورقة إليك، فمعنى ذلك أن القضية التي أغلقت منذ سبع سنوات لم تنتهِ.
قرأت باقي السطر.
وتجمدت.
والشخص الذي طلب إغلاقها كان يعمل تحت إشرافك المباشر.
رفعت عيني ببطء.
أخويا قال
أنا حاولت أوصل لك الورقة من سنين.
قلت
ليه مريم دخلت في الموضوع؟
رد
لأنها اكتشفت بالصدفة إن الملفات القديمة مرتبطة بمشروع جديد في الشركة.
مريم دخلت البيت وقتها.
قالت
ماما، أنا ما كنتش أعرف إن الموضوع وصل للعيلة.
بصيت لها.
مين اللي ضربك؟
سكتت.
ثم قالت
مدحت وأمه.
ومين أمرهم؟
بصت لأخويا.
ثم قالت
مش هو.
أخويا أغمض عينيه.
مريم...
قالت
هو حاول يحميني.
سألتها
يبقى مين؟
مريم قربت مني.
فتحت يدها.
كان فيها مفتاح صغير.
نفس المفتاح اللي لقيته في الصندوق.
وقالت
ده مش مفتاح خزنة.
بصيت لها.
أمال مفتاح إيه؟
قالت
مفتاح درج في مكتب رئيس مجلس الإدارة.
سكت الجميع.
ثم أضافت
والدرج ده فيه النسخة الأصلية من التسجيل.
فجأة، جاء صوت هاتف من داخل الحقيبة.
رن.
مرة.
مرتين.
أخويا لم يلمسه.
الضابط فتح الحقيبة بحذر.
الهاتف كان موجودًا بين الملفات.
وعلى الشاشة ظهر اسم المتصل
مدحت.
مريم بصتلي وقالت
مترديش.
لكنني رفعت الهاتف.
وضغطت على زر الإجابة.
لم أتكلم.
جاء صوت مدحت
إلهام؟
ظللت صامتة.
قال
لو بنتك رجعت، يبقى عرفتي نص الحقيقة بس.
ثم ضحك ضحكة قصيرة.
والنص التاني موجود في المكان اللي مريم عمرها ما فكرت تدور فيه.
قلت
فين؟
رد
في بيتك القديم.
ثم أغلق.
بصيت لأخويا.
قال
بيتكم القديم اتقفل من سنين.
قلت
بالضبط.
ثم أخذت معطفي.
عشان كده هو اختاره.
مريم أمسكت إيدي.
ماما... قبل ما نروح، لازم أقول لك حاجة.
بصيت لها.
قالت
أنا كنت هناك من يومين.
في البيت القديم؟
هزت رأسها.
أيوه.
ولقيتي إيه؟
نظرت لي بخوف.
لقيت صورة ليكي...
وسكتت.
وإنتِ واقفة جنب الشخص اللي كان سبب في إغلاق القضية القديمة.
ثم أضافت
والصورة متصورة في نفس اليوم اللي اتولدت فيه أنا فضلت باصة لمريم من غير ما أتكلم.
يوم ما اتولدتي؟
هزت رأسها.
أيوه يا ماما.
والصورة فيها مين؟
مريم فتحت حقيبتها وطلعت نسخة من الصورة.
مدتها لي.
أول ما شفتها، حسيت إن الأرض اتحركت تحت رجلي.
أنا كنت واقفة في الصورة، أصغر بحوالي تلاتين سنة، لابسة زي الخدمة.
وجنبي كان واقف رئيسي المباشر وقتها.
الرجل اللي اتقال إنه مات من سبع سنين.
لكن اللي صدمني مش وجوده.
الصدمة كانت في الشخص الثالث اللي واقف بعيد شوية.
مدحت.
قلت
مستحيل.
مريم قالت
هو كان أصغر طبعًا، بس ده هو.
أخويا أخذ الصورة.
بص لها طويلًا.
ثم قال
أنا شفت الصورة دي قبل كده.
لفيت له.
فين؟
قال
في ملفات القضية القديمة.
وليه ما قلتليش؟
لأن الصورة اختفت من الملف بعد ما القضية اتقفلت.
سكتنا.
ثم قلت
يعني مدحت كان يعرف القضية من البداية؟
مريم هزت رأسها.
مش بس يعرفها.
ثم فتحت هاتفها وأظهرت لي صورة لصفحة من سجل قديم.
كان فيها اسم مدحت، لكن بجانبه وصف مختلف تمامًا.
متدرب إداري سابق.
قلت
هو كان شغال في الشركة من وقتها؟
أيوه.
بدأت الصورة تكتمل.
مدحت لم يكن يبحث عن توقيع مريم بسبب المال فقط.
كان يريد الوصول إلى مستندات قديمة مرتبطة بالقضية.
لكن السؤال الأهم
لماذا الآن؟
أخي قال
لأن المشروع الجديد فتح نفس الملف من جديد.
بصيت له.
أي مشروع؟
قال
الأرض اللي مريم رفضت توقع عليها.
فتحت العقد.
وجدت رقم قطعة الأرض.
وقارنتها بعنوان قديم في الملف.
نفس الرقم.
نفس المساحة.
نفس الحدود.
قلت
الأرض دي كانت أصل القضية من سبع سنين.
مريم قالت
بالضبط.
في اللحظة نفسها، وصلني اتصال من المستشفى.
رديت.
الدكتور قال
سيادة اللواء، فيه حاجة لازم تعرفيها.
اتفضل.
بنت حضرتك كانت تحت الملاحظة، لكن قبل اختفائها بدقائق حد دخل المستشفى وسأل عنها.
مين؟
موظف إداري قال إنه قريبها.
سألته
اسمه؟
قال الاسم.
كان اسمًا أعرفه.
نفس الشخص الموجود في الصورة.
لكن ده كان مستحيل.
لأن الرجل...
كان المفروض إنه مات.
قفلت المكالمة ببطء.
مريم قالت
ماما؟
بصيت لها.
الشخص اللي كنا فاكرين إنه مات من سبع سنين... كان بيسأل عنك في المستشفى النهارده.
سكتت.
ثم قالت
يبقى هو عايزنا نعرف إنه لسه عايش.
أخي قال
أو عايزنا نصدق إنه عايش.
نظرت له.
قصدك إيه؟
قال
لو هو فعلًا عايش، يبقى لازم نعرف مين اللي اتدفن باسمه.
ساد الصمت.
وفي اللحظة دي، وصلتني رسالة جديدة.
البيت القديم مفتوح.
وبعدها بثواني
ولو عايزة تعرفي الحقيقة عن مريم... تعالي لوحدك.
مريم أمسكت إيدي.
متروحيش.
قلت
مش هروح لوحدي.
ثم التفتُّ للضابط.
هنروح البيت القديم.
بالقوة؟
هززت رأسي.
لأ.
وأشرت إلى الحقيبة.
هنروح بالدليل.
لأنني بدأت أفهم شيئًا أخطر من كل اللي حصل.
الشخص اللي كان بيحرك مدحت وأمه...
ما كانش عايز يسكت مريم فقط.
كان عايز يوصل لي أنا.
وكان يعرف عني تفاصيل ما حدش يعرفها غير شخص واحد.
شخص كان حاضر يوم ولادة مريم أكيد، دي النهاية مع كشف الأسرار وربط الأحداث كلها، ومن غير خيانة أو أي علاقة غير شرعية.
بصيت للشاشة، ومقدرتش أصدق عيني.
الشخص اللي ظهر في خلفية الفيديو كان...
مدير الإدارة اللي اشتغلت معاه زمان.
الرجل اللي كان مسؤول عن الملف القديم.
واللي مات رسميًا من سبع سنين.
لكن الفيديو أثبت إنه كان عايش وقت تسجيله.
والأهم...
إن أخويا كان واقف جنبه.
بصيت لأخويا.
إنت كنت عارف؟
هز رأسه بسرعة.
عارف جزء من الحقيقة بس.
قال إن المدير القديم اكتشف شبكة فساد كبيرة، وإن بعض الأشخاص حاولوا تحميل مريم، وهي لسه صغيرة، مستندات القضية من غير ما حد يعرف.
ولما أنا بدأت أقرب للحقيقة، تم إغلاق الملف وتغيير بعض التقارير.
أما مدحت وأمه، فكانوا مجرد منفذين في الخطة الجديدة.
كان المطلوب منهم الضغط على مريم عشان توقع على مستندات تربط اسمها بالصفقة.
لكن مريم رفضت.
وصورت العقود.
وسجلت الكلام.
وده كان سبب الاعتداء عليها ومحاولة إخفائها.
أما الرجل اللي ظننا إنه مات، فقد كان حيًا بالفعل، لكنه اختفى سنوات لأنه كان يجمع الأدلة ضد الشبكة.
وكان هو صاحب التسجيلات القديمة.
أما أخويا...
فكان يحاول حمايتنا من بعيد، لكنه أخفى عني الحقيقة خوفًا من أن يتم استهدافي أنا ومريم.
قلت له
كان لازم تثق فيا.
رد والدموع في عينيه
كنت خايف أخسرك.
في تلك اللحظة، وصلت القوة للمكان بعد تحديد موقع مريم.
دخلت علينا وهي متعبة، لكن واقفة على رجليها.
جريت عليها.
حضنتها.
وقلت
سامحيني إني ما فهمتش بدري.
قالت
المهم إنك فهمتي.
بعدها بدأت الإجراءات القانونية.
تم ضبط التسجيلات والعقود والصور، وتم توثيق إصابات مريم، والتحقيق مع مدحت وأمه وكل من ثبتت علاقته بالأوراق.
والأهم...
إن التسجيل القديم كشف التلاعب في القضية التي ظن الجميع أنها انتهت.
بعد شهور من التحقيقات، ظهرت الحقيقة كاملة.
مريم لم تكن متهمة.
كانت الشاهدة التي حاولوا إسكاتها.
ومدحت لم يكن صاحب القرار.
كان مجرد شخص تورط في تنفيذ أوامر ظنًا منه أنه يستطيع الإفلات.
أما أنا...
ففتحت صندوقي الحديدي لأول مرة منذ سنوات، ووضعت داخله كل شيء يخص القضية.
لكن هذه المرة لم أخبئه.
أغلقت الصندوق، وقلت لمريم
أنا قضيت عمري أحارب عشان الناس تعرف الحقيقة.
ابتسمت وقالت
وأنا اتعلمت منك إن الحقيقة ممكن تتأخر... بس لازم تفضل موجودة.
وبعدها بشهور، رجعت مريم لشغلها.
ورجعت أنا لحياتي الهادية.
العربية الشاهين لسه عندي.
والكوبونات لسه موجودة.
والجيران لسه فاكرين إني مجرد أرملة كبيرة عايشة في هدوء.
لكن كل ما حد يسألني
إنتِ كنتِ بتشتغلي إيه قبل المعاش؟
أبتسم وأقول
شغلانة علمتني حاجة واحدة...
ثم أبص لمريم وأقول
إن أخطر حاجة على اللي بيخطط في السر... إن الضحية تفضل فاكرة التفاصيل.
ومريم كانت أكتر واحدة فاكرة.
لأنها من أول لحظة...
ما كانتش ضعيفة.
كانت فقط مستنية أمها تصدقها وصلنا للبيت القديم بعد منتصف الليل.
كان المكان مهجور من سنين، والبوابة الحديد عليها طبقة تراب سميكة.
نزلت من العربية وبصيت للبيت.
نفس
 

تم نسخ الرابط