تليفوني رن

لمحة نيوز


البيت اللي عشت فيه أول سنين خدمتي.
نفس الشباك اللي كنت براقب منه الشارع وأنا لسه ضابطة صغيرة.
لكن اللي شد انتباهي إن باب البيت كان مفتوح.
قلت للضابط
محدش يدخل قبلي.
دخلنا بحذر.
الهواء كان مليان ريحة تراب ورطوبة.
مشينا لحد الصالة.
وفجأة اشتغل جهاز تسجيل قديم من تلقاء نفسه.
صوت رجل خرج من السماعة
يا إلهام... لو سمعتي التسجيل ده، يبقى كل اللي حصل لبنتك كان مجرد بداية.
مريم قربت مني.
الصوت كان مألوفًا جدًا.
صوت رئيسي القديم.
الرجل اللي قيل إنه مات من سبع سنين.
قال
القضية القديمة ما اتقفلتش لأن الأدلة اختفت.
سكت لحظة.
اتقفلت لأن حد من داخل الإدارة غيّر التقرير.
قلبي انقبض.
والشخص اللي غيّر التقرير كان عارف إنك هتوصلي للحقيقة يومًا ما.
ظهر تسجيل آخر.
صوت ورق بيتقلب.
ثم جملة
لو عايزة تعرفي مين، افتحي الدرج السفلي في مكتبك القديم.
بصيت لمريم.
قالت
المكتب لسه موجود؟
قلت
موجود.
دخلنا الغرفة.
كان المكتب الخشبي القديم في مكانه.
فتحت الدرج العلوي.
فاضي.
الثاني.
فاضي.
الثالث.
فاضي.
لكن الدرج السفلي كان مقفول.
أخرجت المفتاح الصغير اللي وجدناه.
دخلته.
فتح.
جواه ملف أسود.
وعلى الغلاف مكتوب
مريم يُفتح عند الضرورة.
إيدي تجمدت.
ليه اسم بنتي؟
فتحت الملف.
أول ورقة كانت شهادة ميلاد مريم.
لكن تحتها كانت ورقة أخرى.
تقرير قديم عن واقعة حصلت يوم ولادتها.
قرأت السطر الأول.
ثم توقفت.
لأن التقرير كان بيقول إن في شخصًا حضر إلى المستشفى في نفس الليلة، وطلب مقابلتي.
والاسم...
كان اسم الرجل اللي قيل إنه مات.
مريم قالت
يعني كان موجود يوم ما اتولدت؟
هززت رأسي.
أيوه.
قلبت الصفحة.
وجدت صورة قديمة لي وأنا خارجة من المستشفى، وممسكة مريم وهي رضيعة.
لكن خلف الصورة كان مكتوبًا
الطفلة ليست الهدف... أمها هي الهدف.
رفعت عيني.
وفي نفس اللحظة، سمعنا صوت باب البيت الخارجي بيتقفل.
الضابط تحرك فورًا.
حد دخل!
جريت للصالة.
ما كانش فيه حد.
لكن على الأرض كان فيه ظرف أبيض جديد.
فتحته.
جواه مفتاح سيارة.
وتحته ورقة
لو عايزة مريم تفضل آمنة، متحاوليش تعرفي مين أنا.
ابتسمت رغم كل اللي حصل.
وقلت
متأخر.
لأنني كنت قد عرفت شيئًا أهم.
بصيت للضابط
عايزة نراجع كل تسجيلات كاميرات المستشفى.
ليه؟
لأن الشخص اللي دخل يسأل عن مريم كان لازم يعدي من الكاميرات.
مريم قربت مني وقالت
وماما... لو لقينا صورته؟
بصيت لها.
مش هنكتفي نعرف هو مين.
ثم أغلقت الملف.
هنفهم ليه كل ده حصل من البداية.
وفي اللحظة نفسها، ظهر على شاشة هاتفي فيديو وصل للتو.
ضغطت عليه.
ظهرت مريم.
لكن الفيديو لم يكن من اليوم.
كان من سبع سنين.
كانت مريم وقتها أصغر بكثير.
وفي خلفية الفيديو، ظهر الرجل الذي قيل إنه مات.
ثم اقترب من الكاميرا وقال جملة واحدة
لو إلهام شافت الفيديو ده... يبقى أنا فشلت في إخفاء الحقيقة.
وتوقف التسجيل.
لكن قبل ما الشاشة تسود، ظهر شيء في الخلفية.
شخص آخر.
شخص كنت أعرفه جيدًا.
ولما ظهر وجهه بوضوح...
مريم شهقت.
ماما...
أما أنا، فقلت اسم الشخص بصوت منخفض
مستحيل...أكيد، دي النهاية مع كشف الأسرار وربط الأحداث كلها، ومن غير خيانة أو أي علاقة غير شرعية.
بصيت للشاشة، ومقدرتش أصدق عيني.
الشخص اللي ظهر في خلفية الفيديو كان...
مدير الإدارة اللي اشتغلت معاه زمان.
الرجل اللي كان مسؤول عن الملف القديم.
واللي مات رسميًا من سبع سنين.
لكن الفيديو أثبت إنه كان عايش وقت تسجيله.
والأهم...
إن أخويا كان واقف جنبه.
بصيت لأخويا.
إنت كنت عارف؟
هز رأسه بسرعة.
عارف جزء من الحقيقة بس.
قال إن المدير القديم اكتشف شبكة فساد كبيرة، وإن بعض الأشخاص حاولوا تحميل مريم، وهي لسه صغيرة، مستندات القضية من غير ما حد يعرف.
ولما أنا بدأت أقرب للحقيقة، تم إغلاق الملف وتغيير بعض التقارير.
أما مدحت وأمه، فكانوا مجرد منفذين في الخطة الجديدة.
كان المطلوب منهم الضغط على مريم عشان توقع على مستندات تربط اسمها بالصفقة.
لكن مريم رفضت.
وصورت العقود.
وسجلت الكلام.
وده كان سبب الاعتداء عليها ومحاولة إخفائها.
أما الرجل اللي ظننا إنه مات، فقد كان حيًا بالفعل، لكنه اختفى سنوات لأنه كان يجمع الأدلة ضد الشبكة.
وكان هو صاحب التسجيلات القديمة.
أما أخويا...
فكان يحاول حمايتنا من بعيد، لكنه أخفى عني الحقيقة خوفًا من أن يتم استهدافي أنا ومريم.
قلت له
كان لازم تثق فيا.
رد والدموع في عينيه
كنت خايف أخسرك.
في تلك اللحظة، وصلت القوة للمكان بعد تحديد موقع مريم.
دخلت علينا وهي متعبة، لكن واقفة على رجليها.
جريت عليها.
حضنتها.
وقلت
سامحيني إني ما فهمتش بدري.
قالت
المهم إنك فهمتي.
بعدها بدأت الإجراءات القانونية.
تم ضبط التسجيلات والعقود والصور، وتم توثيق إصابات مريم، والتحقيق مع مدحت وأمه وكل من ثبتت علاقته بالأوراق.
والأهم...
إن التسجيل القديم كشف التلاعب في القضية التي ظن الجميع أنها انتهت.
بعد شهور من التحقيقات، ظهرت الحقيقة كاملة.
مريم لم تكن متهمة.
كانت الشاهدة التي حاولوا إسكاتها.
ومدحت لم يكن صاحب القرار.
كان مجرد شخص تورط في تنفيذ أوامر ظنًا منه أنه يستطيع الإفلات.
أما أنا...
ففتحت صندوقي الحديدي لأول مرة منذ سنوات، ووضعت داخله كل شيء يخص القضية.
لكن هذه المرة لم أخبئه.
أغلقت الصندوق، وقلت لمريم
أنا قضيت عمري أحارب عشان الناس تعرف الحقيقة.
ابتسمت وقالت
وأنا اتعلمت منك إن الحقيقة ممكن تتأخر... بس لازم تفضل موجودة.
وبعدها بشهور، رجعت مريم لشغلها.
ورجعت أنا لحياتي الهادية.
العربية الشاهين لسه عندي.
والكوبونات لسه موجودة.
والجيران لسه فاكرين إني مجرد أرملة كبيرة عايشة في هدوء.
لكن كل ما حد يسألني
إنتِ كنتِ بتشتغلي إيه قبل المعاش؟
أبتسم وأقول
شغلانة علمتني حاجة واحدة...
ثم أبص لمريم وأقول
إن أخطر حاجة على اللي بيخطط في السر... إن الضحية تفضل فاكرة التفاصيل.
ومريم كانت أكتر واحدة فاكرة.
لأنها من أول لحظة...
ما كانتش ضعيفة.
كانت فقط مستنية أمها تصدقها.

 

تم نسخ الرابط