بنتي الصغيرة

لمحة نيوز


حصل لي حاجة... قولوا لسلمى إن بنتها هي المفتاح.
ثم صوت رجل قال
ومين هي البنت الحقيقية؟
أمي ردت
بنتي أنا.
أنا شهقت.
بنتك؟
ياسين بصلي.
أيوه.
تقصد مريم؟
هز رأسه ببطء.
لا.
ثم توقف.
وقال
أمك كانت بتتكلم عن بنت تانية.
وفجأة، مريم التي كانت ساكتة طول الوقت رفعت رأسها.
وقالت
ماما...
بصيت لها.
قالت
أنا شفت البنت دي قبل كده.
كلنا اتجمدنا.
سألتها
فين؟
مريم أشارت ناحية باب الغرفة.
هنا.
ثم أضافت
كانت واقفة جنب عمو ياسين.
ياسين فقد لونه.
وقال
مين كانت؟
مريم بصت له.
ثم قالت
البنت اللي شبه ماما بصيت للأرنب الرمادي في إيد مريم.
اللعبة؟
الرجل هز رأسه.
أيوه.
ضحكت بتوتر.
دي لعبة بنتي من وهي صغيرة. إزاي يعني جواها حاجة؟
قال
لأن مريم ما خدتش الأرنب ده من محل ألعاب.
سكت.
أنا افتكرت فعلًا.
الأرنب ما اشتريتوش.
مريم كان عندها سنة تقريبًا لما لقيته في صندوق قديم وسط حاجات أمي.
وأمي وقتها قالت لي
سيبيه معاها... هي بتحبه.
عمري ما سألتها الأرنب جه منين.
مددت إيدي ناحية اللعبة.
مريم ضمتها لصدرها فورًا.
بتاعتي.
قلت لها بهدوء
عارفة يا حبيبتي، محدش هياخده منك.
الرجل قال
مش عايزين اللعبة.
بصيت له.
أمال عايزين إيه؟
اللي جواها.
الحاجة زينب سألت
إيه اللي جواها؟
الرجل لم يجب.
بدلًا من ذلك، أشار إلى أذن الأرنب.
بصي على الخياطة.
قربت اللعبة.
وفعلًا...
كان فيه جزء صغير من القماش مخيط بخيط مختلف عن باقي الأرنب.
قلبت اللعبة.
لقيت غرزة صغيرة جدًا، بالكاد تبان.
قلت
دي جديدة؟
الرجل هز رأسه.
لا. دي من أربع سنين.
حسيت بقشعريرة.
مين حطها؟
قال
أمك.
سكتُّ.
ثم تذكرت شيئًا.
قبل وفاة أمي بشهر تقريبًا، كانت طلبت مني أديها الأرنب يوم كامل.
وقالت لي وقتها
مريم لسه صغيرة... خليه عندي شوية.
أنا افتكرت إنها كانت بتنضفه.
لكن الحقيقة...
كانت بتخبي حاجة.
جلست على الأرض.
بدأت أفك الخيط بحذر.
مريم كانت واقفة جنبي تراقبني.
وبعد ثواني، ظهر طرف شيء أسود صغير.
سحبته.
كان كارت ذاكرة صغير جدًا.
الحاجة زينب شهقت.
الرجل قال
هو ده.
قلت
عليه إيه؟
رد
التسجيل اللي يثبت مين كان موجود في المستشفى ليلة اختفاء مريم.
بصيت له.
وإنت عرفت منين؟
قال
لأن أخوكي سلّمه لي قبل ما يموت.
ثم أضاف
لكنه طلب مني ما أسلمهولكيش إلا لما ياسين يفتح عينه.
اتجمدت.
ليه؟
قال
لأنه كان متأكد إن ياسين وحده هيقدر يعرف إذا كان التسجيل حقيقي ولا متلاعب بيه.
رفعت الكارت.
ونعمل إيه دلوقتي؟
الرجل قال
نرجع القصر.
الحاجة زينب اعترضت
لا.
قال
لازم.
ليه؟
بص للرجل ناحية الباب.
لأن الشخص اللي حاول ياخد الكارت قبل أربع سنين... عرف إنه خرج من مكانه.
سكت.
ثم سمعنا صوت هاتف يرن.
كان هاتف الحاجة زينب.
ردت.
ملامح وشها تغيرت تدريجيًا.
قالت
مين؟
جاءها صوت من الطرف الآخر.
لم أسمعه، لكني رأيت وجهها يشحب.
أغلقت الهاتف.
سألتها
حصل إيه؟
بصتلي.
وقالت
ياسين طلبنا فورًا.
ليه؟
قال إن التسجيل لازم يتسمع قدامه.
ثم سكتت لحظة.
وأضافت
وقال حاجة تانية.
إيه؟
الحاجة زينب بصت لمريم.
قال إن أول عشر ثواني من التسجيل هي أهم جزء.
وفي نفس اللحظة...
الرجل صاحب المعطف أخرج هاتفه.
ظهر عليه إشعار جديد.
قرأه.
ثم رفع عينيه وقال
فات الأوان.
سألته
ليه؟
قال
لأن حد دخل على التسجيل قبلنا.
نظرت إلى كارت الذاكرة في إيدي.
ولأول مرة فهمت إن المشكلة ما كانتش في معرفة الحقيقة فقط...
كان فيه شخص مستعد يعمل أي حاجة عشان الحقيقة دي ما تظهرش أنا ما قدرتش أتحرك.
شبه ماما إزاي يا مريم؟
مريم حركت إيدها جنب وشها.
شعرها زيك... وعينيها زيك.
ياسين شد على الملاءة بإيده.
الدكتور لاحظ التغير في حالته، لكن ياسين قال
كمّلوا التسجيل.
الرجل ضغط على الملف مرة تانية.
ظهر صوت أمي.
كان أهدى من المرة الأولى
لو حصل أي شيء لمريم، ما ترجعوهاش لسلمى فورًا.
أنا شهقت.
ليه؟
التسجيل أكمل
لأن اللي بيدوروا عليها مش عايزين مريم... هم عايزين اللي معاها.
صوت الرجل سأل
والنسخة الأصلية؟
أمي ردت
مع ياسين.
أنا بصيت لياسين.
إيه اللي كان معاك؟
قال
ما كنتش عارف وقتها.
ثم التسجيل أظهر صوت ورق بيتحرك.
وبعدها صوت أمي
لو ياسين سأل، قولوا له إن الملف اتحرق.
الرجل ضحك.
وهيصدق؟
أمي ردت
هيصدق لو شاف الحريق بعينه.
التسجيل توقف.
الحاجة زينب قالت
يعني كان فيه ملف مزيف؟
ياسين هز رأسه.
أيوه.
قلت
وإنت كنت عارف؟
عرفت بعد الحادثة.
ليه ما قلتليش؟
نظر لي.
لأن كل مرة كنت بحاول أوصل لك، حد كان بيوصل قبلي.
ثم أضاف
وحتى حادثتي... ما كانتش صدفة.
ساد الصمت.
لكن الرجل صاحب المعطف قال
التسجيل لسه ما خلصش.
بصينا له.
فتح مجلدًا آخر.
كان اسمه
17092022 BACKUP
ضغط عليه.
ظهر صوت أمي.
لكن هذه المرة كانت بتتكلم وهي بتبكي
سلمى لازم تعرف يومًا ما.
صوت رجل سألها
وإنتِ مستعدة تخسري بنتك؟
ردت
مريم مش بنتي وحدي.
الرجل قال
إنتِ عارفة الاتفاق.
أمي ردت
أنا عارفة إن الاتفاق انتهى من يوم ما حاولوا يقتلوها.
أنا قربت من الشاشة.
مين اللي حاول يقتل مين؟
التسجيل استمر.
أمي قالت
لو حصل لي حاجة، خلي ياسين يحمي سلمى.
ثم جاء صوت رجل آخر.
صوت مختلف تمامًا.
هادئ.
بارد.
قال
ياسين مش هيعرف يحميها لو ما عرفش الحقيقة.
ياسين انتفض.
الصوت ده...
بصيت له.
تعرفه؟
فضل ساكتًا.
ثم قال
أيوه.
مين؟
رفع عينه لي.
الراجل اللي كان مع أمك ليلة اختفاء مريم.
الرجل صاحب المعطف تراجع خطوة.
أما ياسين فأشار إليه.
مش هو.
ثم قال
الشخص اللي في التسجيل... كان أقرب واحد ليا.
سألته
مين؟
وقبل ما ينطق، جاء صوت خطوات من خارج الغرفة.
كلنا سكتنا.
الباب اتفتح ببطء.
ودخل رجل مسن.
كان لابس بدلة رمادية.
وقف قدام ياسين.
وقال
كفاية.
ياسين بص له.
ثم تغيرت ملامحه.
قال بصوت منخفض
عمي...
الرجل العجوز نظر لي.
ثم إلى مريم.
وقال
البنت دي لازم تخرج من هنا فورًا.
سألته
ليه؟
رد
لأنك لو عرفتي مين والدها الحقيقي...
وسكت.
ثم نظر إلى ياسين.
مش هتعرفي تثقي في أي حد في الغرفة دي الرجل العجوز سكت لحظة، ثم قال
والد مريم الحقيقي مش شخص غريب عنكم.
أنا بصيت له بصدمة.
مين؟
بص لياسين.
ياسين غمض عينيه، وكأنه أخيرًا قرر يواجه الحقيقة.
أخوكي يا سلمى.
اتجمدت.
أخويا مات قبل ما مريم تتولد!
قال الرجل
وده اللي الكل كان عايزك تصدقيه.
ثم فتح ملفًا قديمًا كان معاه.
جواه شهادة وفاة، وتقرير مستشفى، وصورة لأخويا.
لكن في آخر التقرير كان فيه توقيع مختلف.
التوقيع أثبت إن شهادة الوفاة اتسجلت بعد ولادة مريم بأسبوع.
يعني أخويا كان حيًا وقت ولادتها.
بصيت لياسين.
قال
أخوكي اكتشف شبكة تزوير ملفات تبنٍّ وتهريب أموال كانت مرتبطة برجال كبار. لما عرفوا إنه وصل للحقيقة، اختفى.
سألته
ومريم؟
رد
أخوكي كان مسؤول عن حمايتها، لأنها كانت موجودة بالصدفة في المكان اللي اتكشف فيه كل شيء.
الرجل العجوز أضاف
أمك أخفت الحقيقة عشان تحميكي وتحمي مريم.
أنا سألت
وإنت يا ياسين؟ ليه حميتها؟
ابتسم لأول مرة من غير خوف.
لأن أخوكي سلّمني مريم قبل اختفائه، وطلب مني أوصلها ليكي مهما حصل.
بصيت لمريم.
فهمت أخيرًا ليه ياسين استجاب لصوتها.
ليه كان يعرف اسمها.
وليه احتفظ بتعليقة الأرنب.
كانت آخر حاجة أعطاها له أخويا في الليلة اللي اختفى فيها.
أما الرجل صاحب المعطف، فاتضح إنه كان واحدًا من الأشخاص اللي ساعدوا في إخفاء الحقيقة، لكنه في النهاية سلّم التسجيل لياسين بعد ما خاف إن الملف يضيع للأبد.
بعد أيام، بدأت التحقيقات الرسمية، وظهرت المستندات الأصلية، واتثبت إن قصة اختفاء أخويا ووفاته اتزوّرت.
لكن أهم شيء بالنسبة لي لم يكن كل الأسرار دي.
كان مريم.
رجعت أشتغل في القصر فترة قصيرة، لكن مش كخادمة.
ياسين عرض عليّ وظيفة محترمة في إدارة شؤون العاملين، وخصص لمريم مكانًا آمنًا تلعب فيه بعيدًا عن الجناح الطبي.
وبعد شهور، خرج ياسين من المستشفى.
وفي أول يوم رجع فيه للقصر، لقى مريم مستنياه بالأرنب الرمادي.
قالت له
هتنام تاني؟
ضحك.
لأ.
قالت
كويس... عشان أنا لسه عندي أغاني كتير.
ضحك ياسين لأول مرة من غير ألم.
أما أنا، فاحتفظت بالظرف والمفتاح والصورة.
لكنني لم أعد أخاف منهم.
لأن السر الذي أخفته عيلتي سنين طويلة لم يعد سرًا.
وأكبر مفاجأة اكتشفتها لم تكن أن مريم أنقذت ياسين بصوتها...
بل أن ياسين كان يحاول منذ أربع سنوات أن يحمي مريم، حتى وهو يعرف أن الحقيقة لو ظهرت يومًا، ستقلب حياة الجميع.
وفي صباح هادئ، سألت مريم
فاكرة أول مرة شفتي عمو ياسين؟
ابتسمت وقالت
أيوه.
كنتِ خايفة منه؟
هزت رأسها.
لأ.
ليه؟
حضنت الأرنب وقالت
عشان كنت عارفة إنه مستنيني.
وساعتها فهمت إن أحيانًا...
الطفل لا يحتاج أن يعرف كل أسرار الكبار.
يكفي أنه يشعر بمن كان يحاول حمايته طوال الوقت.
تمت.

 

تم نسخ الرابط