بنت العاملة اللي عندها 3 سنين قلدت

لمحة نيوز


التقينا في موقع بناء أنا كنت فيه بتدرب عشان أتعرف على الشغل من تحت لفوق، زي ما كان أبي بيقول لي. هو كان أول من ساعدني لما وقعت من سلم خشبي وكدت أموت. من اليوم ده، كنا مع بعض في كل حاجة. هو أخي اللي ما ولدته أمي.
سكت لحظة، ونظره تاه في نقطة بعيدة، كأنه يرى الماضي أمامه بوضوح تام.
كبرنا مع بعض.. أنا أسست شركتي وهو بقي مدير المشاريع عندي، ويدي اليمين اللي بحرك بيها كل حاجة. بس اتفقنا على حاجة واحدة علاقتنا تفضل بعيدة عن الأضواء. الناس اللي حواليا كانوا كتير منهم بيكرهوني، بيحسدوني، ولو عرفوا إن راجل فقير هو أقرب الناس لي، كانوا يستخدموه ضدي.. وضده هو كمان. فاتفقنا قدام الكل هو موظف مخلص.. وبيننا وبين نفسنا هو أخي ورفيق دربي.
دمعت عيناي.. فهمت لماذا لم يقل لي أحمد شيئًا. كان يحميني ويحمي نفسه ويحمي الصداقة التي كانت تجمعهم.
والموت؟.. مات إزاي؟!
هنا تغيرت ملامحه.. انقبض وجهه، وبدت على ملامحه قسوة لم تكن موجهة لي، بل موجهة لنفسه وللزمن ولمن تسبب في ما حدث.
ده اللي جاي أتكلم عنه.. بس اسمعيني كويس، ومتقطعنيش رجاءً.
سكت قليلًا ليستجمع شتات كلماته، ثم بدأ يحكي.. وكل كلمة كانت كالسكين في قلبي.

الجزء الثالث
قبل سنتين بالظبط، في نفس الشهر اللي مات فيه أحمد، كنت وصلت لقمة مشكلة كبيرة في شركتي. كان في شريك لي اسمه كريم المنصور.. راجل طماع، جشع، دخل معايا في شراكة عشان ينهب كل حاجة. اكتشفت إنه بيسرق أموال الشركة من سنين، وبيحولها لحسابات بره. لما واجهته، هددني.. قال إنه هيدمرني، وهيدمر كل اللي بحبهم.
توقف ليمسح عرقًا ظهر على جبينه، ثم أكمل بصوت أثقلته الذكريات
أحمد كان عايزني أبلغ عنه للشرطة من أول يوم. بس أنا خفت.. خفت على عائلتي، وخفت عليه هو شخصيًا. كريم ما كانش راجل عادي.. كان عنده رجال، وعلاقات، ومستعد يعمل أي حاجة عشان يغطي على جرايمه. اتفقنا أنا وأحمد إننا نجمع الأدلة كلها أولًا، وبعدين نقدمه للنيابة متكاملة، بحيث ما يقدرش يهرب ولا يضر حد.
سكت مرة أخرى، وبدت كلماته تتعثر
في اليوم المشؤوم ده، كان المفروض أحمد يروح الموقع ده.. المكان اللي الصورة متلقط فيه.. عشان يستلم ملفات مهمة كانت تثبت كل شيء. كريم عرف بالخبر بطريقة ما. أرسل رجاله.. قالوا لعمال الموقع إن السقالة معطوبة وممكن تقع في أي لحظة. أحمد وصل، وما كانش يعرف.. صعد فوق عشان ياخد الملفات.. وقع السقالة تحته.
صرخت من أعماقي
كذب! قالولي الحادثة كانت خلل في الصيانة! قالولي ما كانش في سبب!
دمعة سقطت على خده.. أول مرة أرى رجلًا بهذا الصلابة يبكي.
عرفت بعد فوات الأوان.. كريم دبر كل حاجة. أغلق التحقيق بفلوسه، واشترى ذمم الشهود، وخلق قصة الحادثة العادية. ولما عرفت الحقيقة، كان متأخر جدًا.. جثته كانت دفنت، والكل اقتنع إنها نهاية قدر ومكتوب.
اقترب مني خطوة أخرى، وفي عينيه توسّل
ما كنتش أقدر أقولك الحقيقة يا سارة.. في الوقت ده بالذات! كنت خايف عليكِ.. وعلى مريم! كريم كان لسه طليق، وكنت عارف إنه لو عرف إنكِ زوجة أحمد، ممكن يستخدمكِ ضدي.. أو يأذيكِ عشان يخلص عليّ. سكت عشان أحميكِ.. وعشان أحمي مريم اللي ما ذنبها في حاجة.
بكيت بصوت مرتفع، كل كلمة منه كانت تفتح جرحًا ظننته التأم، فإذا به ينزف من جديد.
فجيتني هنا؟.. خليتني أشتغل عندك؟.. شفتني كل يوم وما قلتليش كلمة؟!
عشان قلبي ما كانش يصبر عنكِ! صدقيني.. من أول يوم شفتكِ فيه، عرفتكِ من عينيكِ.. عينيكِ نفس عينيه اللي كنت بشوفها كل يوم. كنت أتألم كل ما أشوفكِ تعبانه.. كل ما أشوفكِ تحملي هم الحياة لوحدكِ. كنت عايز أقولك كل حاجة من أول ساعة.. بس الخوف كان يملأ قلبي. كنت أراقبكِ عشان أتأكد إنكِ بأمان.. وكنت أتمنى من كل قلبي إنكِ ما تعرفيش الحقيقة أبدًا، وتعيشي في سلام.
فجأة تذكرت مريم.. وكيف بدأت تظهر الأشياء تدريجيًا الألوان، الكتب، الطاولة الصغيرة..
ومريم؟.. كل ده عشان تشبهه؟!
ابتسم بألم شديد
هي نسخة مصغرة منه.. نفس العينين، نفس الضحكة، وحتى نفس التكشيرة الغاضبة اللي شفتيها امبارح! لما شفتها عملت كده، حسيت إن أحمد رجع لي من تاني.. كأن الدنيا ردت لي روحي. ما كنتش أقدر أمنع نفسي من القرب منها.. منكِ.
الباب خبط فجأة.. انقطع الحديث. صوت رامي من الخارج
يا باشا.. كريم المنصور وصل، ومعاه ناس كتير، وقال إنه عايز يقابلك ضروري!
اتسعت عينا سامح.. لقد جاء في اللحظة الخطأ تمامًا. نظر إليّ وقال بسرعة
اختبئي ورا الستار.. متصدرش أي صوت مهما حصل! ده رجل خطير، ولو شافكِ هنا مش عارف إيه اللي هيحصل!
لم أتردد.. هرعت وراء الستار الثقيل، وقلبى يخفق كأنه سينفجر من مكانه. فُتح الباب، ودخل رجل في الخمسينيات من عمره، مبتسمًا بابتسامة لا تصل للعينين، وراءه رجلان ضخمان البنية يقفان بلا حراك عند الباب.

الجزء الرابع
دخل كريم المنصور بخطوة واثقة، وكأنه صاحب المكان. ألقى نظرة سريعة على الغرفة، ثم جلس على الكرسي أمام المكتب دون أن ينتظر إذنًا.
أخبارك يا باشا؟.. وحشتنا يا راجل، ما بنشوفكش!
قالها بنبرة سخرية واضحة. سامح وقف بجانب المكتب، يحاول أن يستعيد هدوءه وصلابته
إيه اللي جابك هنا يا كريم؟ اتفقنا إننا ما نتقابلش هنا.
ضحك كريم بصوت عالٍ
اتفقنا؟! يا سلام.. اتفقنا على إيه بالظبط؟ على إنك تسكت على اللي عرفته؟ ولا على إنك تسيبني آخذ نصيبي ونصيبك من كل حاجة؟
سكت سامح، فأكمل الآخر بلهجة حادة
أنا عارف إنك بتبحث عن ملفات قديمة.. ملفات لشخص كان اسمه أحمد. عايز تفتح مواضيع انقضى زمانها؟
قلبي توقف عن النبض للحظة.. إنه يعرف!
سامح حافظ على هدوئه قدر استطاعته
ما فهمتكش.
نهض كريم واقترب خطوة
تفهم كويس! أحمد مات في حادثة.. انتهى الأمر. واللي بيحاول يفتح الجروح القديمة بيكون عدو لنفسه.. ولغيره كمان.
سكت لحظة، ثم أضاف بتهديد مباشر
واحذر.. الناس اللي بتحيط بيك ممكن يكونوا في خطر لو فضلت تمشي في الطريق ده. فاهمني؟
سامح رد ببطء، وعيناه لم تفارقا عيني كريم
أفهمك كويس.. وأنت كمان افهم ما حدش يقدر يخفي الحقيقة للأبد. مهما طال الزمن، الحق بيرجع لصاحبه.
تغير لون وجه كريم.. عرف أن الكلام وصل لمرحلة لا رجعة فيها.
إذن إنت اخترت طريقك.. تمام. بس متقولش إنني ما حذرتكش.
أشار لمرافقيه بالخروج، وقبل أن يغادر الباب التفت وقال
آخر فرصة عندك لحد بكره الصبح.. فكر كويس.
خرجوا وبقيت أنا وسامح في صمت ثقيل. خرجت من وراء الستار، وقدمي تجرجراني بصعوبة. نظر إليّ سامح بقلق
سمعتي كل حاجة؟
هزأت رأسي بالإيجاب، ودموعي تملأ عيني
يعني هو اللي قتله.. هو السبب فعلاً؟
نعم.. هو القاتل الحقيقي. وكل دقيقة بيمشي وهو طليق، دي جريمة في حق أحمد وفي حق كل من عرفه وأحبه.
سكت قليلًا، ثم اتخذ قرارًا بدا واضحًا في عينيه
خلاص.. مش هننتظر لحد بكره.
 

تم نسخ الرابط