بنت العاملة اللي عندها 3 سنين قلدت

لمحة نيوز


الليلة كل حاجة هتتغير. عندي الأدلة اللي جمعتها من شهادات العمال، ومن تسجيلات صوتية، ومن حسابات بنكية تثبت إن كريم دفع أموالًا لمن قام بالفعل. كل حاجة جاهزة.. بس ناقصة شهادة منكِ يا سارة.
نظرت إليه بدهشة
أنا؟!
أنتِ زوجة الضحية.. وصوتكِ هو اللي هيكمل الصورة. بس لازم تكوني مستعدة.. الموضوع مش سهل. كريم هيدافع بكل ما يملك، وممكن يتعرض ليكي وللمريم لخطر كبير.
ترددت.. فكرت في مريم الصغيرة، في مستقبلها، في الأمان الذي نعيشه. ثم تذكرت أحمد.. ابتسامته، كلماته، كيف كان يحلم ببناء بيت صغير نعيش فيه بسلام. قلت بثبات لم أكن أعرف أين وجدته
أنا جاهزة. ما عادش يهمني الخطر.. المهم الحق يرجع لصاحبه. وأحمد ما يبقاش مات ميتة باطلة.
اقترب مني باحترام شديد، ووضع يده على كتفي برفق
شكرًا يا سارة.. أنتِ أقوى بكثير مما تتخيلي.
بدأنا نجهز كل شيء.. أخذ يشرح لي بالتفصيل ماذا سيحدث، وأين سنذهب، ومن سنتواصل معه. وفي خضم كل هذا، لمس شيء بارد يدي.. التفتت، وجدت مريم واقفة عند الباب، تحمل دبدوبها وتنظر إلينا بعينين نائمتين
ماما.. إيه اللي بيحصل؟ ليه بتعيطي؟
جرت إليها واحتضنتها بقوة، وكأنني أودعها قبل رحلة طويلة. مسحت دموعي بسرعة وابتسمت لها
ما فيش حاجة يا حبيبتي.. بس كنت متعبتة شوية. تعالي نروح ننام، بكره يوم مهم جدًا.
نظرت لسامح قبل أن أخرج، ورأيت في عينيه دمعة يحبسها بصعوبة.. وكأنه يرى في مريم وجه صديقه القديم.

الجزء الخامس
مرت الليلة كده كأنها قرون.. لم أذق طعم النوم. كلما أغمض عيني أرى وجه أحمد، وجه كريم، وجه سامح.. كلهم يختلطون في كابوس لا ينتهي. الساعة السادسة صباحًا، سمعت دقًا خفيفًا على باب غرفتي. فتحت، فوجدت سامح واقفًا، بملابس رسمية، وجهه جاد تمامًا
جهزتِ؟ السيارة تحت.. والطريق طويل.
مريم؟
رتبت لشخص تثق فيه تجي تأخذها وتقعد معاها في مكان آمن لحد ما نخلص.. ما تحمليش هم.
نظرت إليه بامتنان.. لقد فكر في كل شيء. ودّعت مريم بصعوبة، وخرجت معه. كانت الشوارع فارغة، والسماء لا تزال داكنة، وكأن الدنيا كلها في انتظار ما سيحدث. في السيارة، سلّمني ملفًا سميكًا
ده كل الأدلة.. تقارير هندسية تثبت أن السقالة تعرضت لتخريب متعمد، وشهادات عمال تم شراء ذممهم واعترفوا، وتسجيلات تثبت التهديدات والتحويلات المالية. الجزء الأصعب مش تقديم الملف.. الجزء الأصعب هو مواجهته شخصيًا.
وصلنا لمبنى النيابة العامة بعد ساعة. لم يكن هناك أحد غير الموظفين.. لكننا كنا نعلم أن الوقت لا يزال مبكرًا، وكريم لم يصل بعد. دخلنا مكتب النائب العام، وبعد التأكد من هويتنا، بدأنا سرد القصة من البداية للنهاية. كل ما كنت أتكلم، كنت أشعر بثقل يرفع عن صدري.. كلمات كانت محبوسة فيّ لسنين طويلة خرجت أخيرًا، حرة نقية.
فجأة.. انقطع الحديث عندما دخل رجل بملابس رسمية وقال بصوت حازم
السيد كريم المنصور وصل، وطلب مقابلة النائب العام فورًا.
نظر إليّ سامح بقلق
هو عرف.. جاء ليسبقنا.
دخل كريم، وما إن رآني حتى تغيرت ملامحه، لكنه سرعان ما استعاد وقاره وابتسامته المزيفة. قال بصوت عالٍ
أيوه.. دي المرأة اللي كنت جاي أتكلم عنها! زوجة الموظف اللي مات في الحادثة.. دي بتقول كلام مش صح، وبتحاول تبتز فلوس، والباشا ده متورط معاها في مخطط مشبوه!
لم يرتعب سامح.. وقف بكل ثبات وقدم الملف للنائب العام
هنا كل ما يثبت كذب كلامك. كل دليل يثبت أنك دبرت الحادثة، وغطيت عليها بالمال والنفوذ.
بدأت المواجهة.. ساعات طويلة من التحقيق، تبادلنا فيها الأدلة والاتهامات. كريم حاول إنكار كل شيء، ثم حاول التشكيك في الأدلة، ثم هدد بكل ما يملك من نفوذ.. لكن كل حجة كان يقدمها، يأتي دليل من الملف ينسفها من جذورها.
في اللحظة الأكثر حسمًا، عندما بدا اليأس يتسلل لقلبي، دخل رجل مسن يحمل حقيبة قديمة.. وجهه مألوف! إنه كبير العمال في الموقع الذي مات فيه أحمد!
قال بصوت مرتجف لكنه واثق
أنا شايف كل حاجة.. شفت بعيني راجل من رجالته بيقطع حبال السقالة قبل ما يصعد الأستاذ أحمد. خفت أتكلم ساعتها.. هددوني بقتل عيالي. بس ما قدرتش أسكت أكتر.. الضمير ما يرتاحش.
الكلمة كانت الصخرة التي سقطت في الماء الراكد.. لم يعد هناك مفر. انهارت ملامح كريم، وبدت عليه الهزيمة للمرة الأولى. صرخ بصوت أجش
كل ده مش يثبت حاجة! أنا عندي محامين.. عندي فلوس.. محدش يقدر يمسني!
قال النائب العام بجدية تامة
الفلوس ما تشتري العدالة يا سيد كريم. الأدلة كاملة، والشهود موجودين. أنت متهم بالقتل العمدي، والتآمر، وتزوير تقارير رسمية.. حقوقك محفوظة، والآن معكوناً معنا.
خرجوا به مكبلًا.. لم يعد الرجل المتباهي الذي رأيته من قبل. خرج منكسرًا، خاسرًا، يواجه مصيره الذي طالما هرب منه. بقيت واقفة في مكاني لا أصدق.. انتهى الكابوس! أخيرًا انتهى!
لم أشعر بنفسي إلا وأنا أبكي بين ذراعي سامح.. دموع فرغ، دموع ارتياح، دموع لمن رحل ولن يعود. قال لي بصوت هادئ
انتهى يا سارة.. أحمد راح في سلام أخيرًا.

الجزء السادس
مرت الأشهر التالية ببطء، لكنها كانت مختلفة.. مشرقة بضوء جديد. كريم حُكم عليه بالسجن مدى الحياة، وكل من ساعده في جريمته نال جزاءه. عاد اسم أحمد ليُذكر بكرامة وتقدير.. أقيم له حفل تكريم في الشركة، وسامح سرد قصته بكل فخر، كأنه يرد لصديقه الاعتبار الذي سُلب منه.
بقيت علاقتي بسامح في البداية على حذر.. كنا نعيش في نفس المكان أحيانًا، نرى بعضنا يوميًا، لكن حاجزًا خفيفًا لا يزال بيننا. كان يخاطبني باحترام، ويوفر لي كل ما أحتاجه، ولا يطلب مني شيئًا. ومريم كانت الجسر الذي لا ينقطع بيننا.. كانت تركض إليه كلما رأته، وتمسك بيده، وتحكي له كل ما فعلته في اليوم. وهو يستمع إليها بكل انتباه، وعيناه تلمعان بالحب الذي لا يستطيع إخفاءه.
ذات مساء، كنا نجلس في الحديقة بعد أن نامت مريم. القمر كان مشرقًا، والهواء نقيًا. التفت إليّ وقال بصوت هادئ
عايز أقولك حاجة.. من زمان، وما كنتش أقدر أقولها.
قلت بصوت ناعم
أسمعك.
تردد قليلًا، ثم أكمل بصدق
من أول يوم عرفتكِ، وحبّكِ ينمو في قلبي.. ما جاش فجأة.. جاء ببطء، مع كل يوم أشوفكِ فيه بتتحملي، بتكافحي، بتبتسمي رغم كل شيء. حبيتكِ لأنكِ شبهته.. ولأنكِ غيره تمامًا. حبيتكِ أنتِ يا سارة.. بكل ما فيكِ من طيبة وقوة.
سكت، وانتظر ردي بقلق
أعرف إن الكلام ده صعب.. وإن جرحك لسه طري. مش عايزكِ تجاوبيني دلوقتي.. خذي وقتكِ، ومتتسرعيش. اللي يهمكِ يهمّني. لو عايزة تفضلي هنا بأمان، فأهلاً وسهلاً.. ولو عايزة تبتعدي، هكون راجل من وراكِ يحميكِ من بعيد.
بكيت.. لم أكن أعرف أن قلبه يحمل كل هذا الحب. نظرت إليه ورأيت فيه الأمان الذي كنت أفتقده، والصدق الذي ندر وجوده. قلت ببطء، وأنا أختبر الكلمات بنفسي
أحمد كان حب عمري.. ومكانه محفوظ في قلبي للأبد. بس الحياة مستمرة يا سامح.. والقلب ممكن يتسع لأكثر من حب. أنا مش عايزة أكون معاكِ عشان خاطر أحد.. عشانك أنت.
ابتسم..
أوسع وأصدق ابتسامة رأيتها على وجهه. مد يده وأمسك بيدي برفق
إذن نمشي مع بعض؟
هزأت رأسي موافقة
نمشي مع بعض.
تزوجنا بعد أشهر قليلة.. حفل صغير دافئ، حضره من يحبنا فقط. وقف سامح بجانبي، وأمسك بيد مريم الصغيرة في يده الأخرى، وقال لي بصوت خافت لا يسمعه غيري
وعد مني.. هحافظ عليكِ وعليها بكل ما أملك. وهعوضكِ عن كل ما مضى.
لم يكن الأمر سهلًا دائمًا.. كانت ليالٍ أستيقظ فيها من نومي وأبكي افتقادًا لأحمد، وكان يحتضنني بصمت دون أن يسألني لماذا أبكي، يتركني أفرغ ما في قلبي ثم يهمس أنا هنا. كانت مريم تكبر وتشبه أبويها معًا، تجمع بين صفاء عيني أحمد وقوة شخصية سامح. كانت تناديني ماما وتناديه بابا بكل حب، وكأن قلبها الصغير عرف مكانه منذ البداية.
مرت السنين.. أصبحتُ شريكة سامح في حياته وفي عمله، أساعده في إدارة المشاريع، وكنا نخصص جزءًا كبيرًا من أرباحنا لدعم أبناء العمال والمحتاجين، تكريمًا لذكرى أحمد. علّمنا مريم أن الشجاعة ليست في ألا نخاف، بل في أن نمضي قدمًا رغم خوفنا. علّمناها أن العدالة تُناضل من أجلها، وأن الحب يبقى ولا يموت مهما ابتعد من نحبهم.
ذات يوم، وبينما كنا نمشي معًا في الحديقة، توقفت مريم فجأة ونظرت إلينا بابتسامة ماكرة.. ضمّت حاجبيها، قفلت شفتيها، ورفعت دقنها لفوق! انفجرنا جميعًا في الضحك.. نفس الحركة التي جمعتنا أول مرة، أصبحت رمزًا لقصة بدأت بالخوف وانتهت بالحب.
نظرت إلى السماء، وكأنني أرى أحمد يبتسم لنا من هناك.. عرفت أنه راضٍ، لأننا لم ننسه، ولأننا أكملنا الطريق الذي بدأه. الحياة لم تكن لتعطيني كل شيء دفعة واحدة.. أخذت مني الغالي، لكنها أعطتني القوة لأستمر، وأعطتني الحب من جديد، وأعطتني عائلة أعيش من أجلها.
وهكذا انتهت القصة.. ليس نهاية لما مضى، بل بداية لما سيأتي. فالحب لا يموت، والصدق لا يهزم، والحق مهما طال ليله لا بد أن يشرق فجره. ونحن ماضون في دروب الحياة، ممسكين بأيدي بعضنا، نحمل في قلوبنا ذكرى من أحببنا، ونبني بأمل لمن سيأتي بعدنا.. وهكذا تكون الحياة، وهكذا تكون النهايات الحقيقية 

تمت بحمد الله

 

تم نسخ الرابط