وهي في الشهر السادس من الحمل نسرين

لمحة نيوز


ده، وسبب كذبه اللي بناه فوق راسكِ عشر سنين.
وأهم حاجة لا تخبريه بشيء حتى تكملي الكل.. الصبر يا نسرين.. الصبر مفتاح الفرج، والحق بيطلع مهما طال الزمان.
سقط الجواب من إيدي على الأرض الطينية.. سيف الولد الصغير كان واقف عند الباب ومش عارف يفهم إيه اللي حصل
هي أنتِ حزينة يا ست نسرين؟
بصيت له ودمعي نزلت على خدي
لا يا حبيبي.. مش حزينة.. بس مصدومة.. ومستغربة قوي لحد ما أستوعب
منى مسحت دمعتي بكمها
تعرفي إيه يعني ده؟ يعني الجدة فاطمة كانت عارفة.. كانت عارفة إنه هيكسركِ ويخونكِ قبل ما تموت!
أيوة.. بس ليه ما قالتلهوش هي بنفسها؟ ليه سابت الأمانة ليا أنا؟
لأنها عرفت إنكِ الوحيدة اللي هتصونها.. وإنكِ اللي هتقف قدامه لما يخرب كل حاجة
نظرت للحيطة اللي فتحناها.. الفتحة كانت صغيرة بس عميقة، والصندوق اللي طلعنا منه الجواب كان محتاج نرجعه مكانه بحرص
هنكمل.. قلت بتصميم نابع من عمق وجعي هنفتح الحيطان الأربعة التانيين بالترتيب.. واحدة كل يوم.. ونعرف إيه اللي جواهم
بس نسرين.. أنتِ حامل في السادس.. ده مجهد ومتعب قوي
والوجع اللي في قلبي أثقل وأقسى يا منى.. ده بيتكلم.. وبيقولي إن حياتي ما كانتش كذبة بس.. كانت مخططة من ورايا
بدأت من اليوم التالي.. الحيطة الثانية كانت في أوضة النوم القديمة، اللي كانت نافذتها موصدة بقطع خشب من سنين.. لما بدأت نكسر المحارة، شعرت بيد بتمس كتفي بصوت خفيف، كأنها بتقول اقتربي.. الحقيقة جاية.
جوة الحيطة التانية لقينا صندوق جلدي قديم، وجواه دفتر مذكرات بخط الجدة فاطمة.. أول صفحة كانت بتاريخ من 15 سنة، وبتقول
اليوم كمل خالد 22 سنة.. قلتله إني خايفة عليه من الطمع اللي بيلعب في عينيه.. ضحك وقال لي أنتِ بتخافي عليّ من الهوا يا تيتة! بس أنا شايفة الطمع واضح زي الشمس.. هو بيحب الفلوس أكتر من أي حاجة.. وأخاف يوم يبيع كل حاجة عشانها.. حتى ضميره
قلبت الصفحات بتردد.. كل يوم كان بيكتب فيها ملاحظة صغيرة عنه، وآخر مدخل كان قبل وفاتها بشهر واحد
عرفت إنه بيتقابل مع واحدة اسمها داليا.. شفتها من الشباك مرة.. وملامحها مش بتوحي بخير. خايفة يا رب.. خايفة يخون اللي اختارته من بين الكل.. نسرين البنت الطيبة اللي جابها من وسط الناس دي هتتعذب وما حدش هيدري بيها.. سبتلها المفاتيح والأماكن.. عشان تيجي يوم وتكشف كل حاجة.
قلبي اتقطع.. الجدة كانت عارفة حتى اسم داليا!
يعني ده كله كان مخطط؟ سألت نفسي بصوت مسموع يعني هو عرف داليا من قبل ما يتجوزني؟
مش بس عرفها.. كان متواصل معاها طول السنين ردت منى بمرارة السؤال بقى إيه اللي جوا باقي الحيطان؟
الجزء الثالث
اليوم التالت كان لفتح الحيطة التالتة.. كانت في ناحية الصالة القديمة، جنب مدخل المطبخ.. لما سقطت قطعة المحارة الكبيرة، لمحت لمعان ورق سميك ومُعطّر.. كانت أوراق رسمية، مختومة وموثقة من الشهر العقاري، ومؤرخة قبل زواجنا بثلاثة أشهر!
قرأت الكلمات بصوت مهزوز
إقرار وتعهد.. أنا خالد أحمد عبد الرحيم، أتعهد بأن كل ما أملك من أموال وممتلكات أكون قد ورثتها بالكامل عن جدتي فاطمة.. وأتعهد بأن أي زواج لي يكون بشرط أن تُقسم كل الممتلكات بالتساوي بين الزوجة والزوج.. وإن حدث خلاف أو انفصال، فللزوجة الحق في نصيبها كاملاً غير منقوص
وقعت على الورقة توقيع خالد بنفسه، وشهادة الجدة فاطمة بصفتها الوصية..
يعني إيه ده؟ سألت منى وهي مشدوهة يعني من الأول كان ملزم إنه يديكِ نصيبك؟
أيوة.. وده معناه إنه كان عارف.. عارف إن لازم أخذ حقي.. وده سبب إنه حاول يخفي كل حاجة وينقل الفلوس ويطلقني بسرعة قبل ما أعرف
بس الجدة عملت إيه؟
حطت الإقرار ده في مكانه.. عشان لما يضيع الطريق، ألاقي الدليل اللي بيرجعلي حقي
دموعي نزلت بحرارة على الورق الأصفر.. الجدة ما سابتنيش وحدي حتى وهي رحلت.. كانت حارسة حقي من ورا الحجب.
اليوم الرابع جى بثقل وقلق.. الحيطة الرابعة كانت في حوش البيت، تحت الدرج القديم اللي بيؤدي للسطح.. كان المكان مظلم ورطب، ولما كشطنا طبقات الجبس، لقينا ظرفًا سميكًا مختوم بالشمع الأحمر.. جوته كان تسجيل صوتي قديم مسجل على شريط كاسيت، ورسالة قصيرة بتقول
اسمعي ده لوحدكِ يا نسرين.. واعرفي إن الكذب ما يلبس إلا لفترة قصيرة، ثم يكشف نفسه بنفسه.
طلبنا من سيف يجيب لنا جهاز تسجيل قديم عند جده في الشارع.. لما سمعنا الصوت، تجمدنا في مكاننا.. كان صوت خالد بنفسه، وسط حديثه مع داليا
لا تقلقي.. الجدة ماتت وما حدش هيعرف.. نسرين مسكينة وهتقبل أي حاجة.. هطلقها وأرميها في البيت القديم ده، ونعيش كل حاجة لنفسنا
وإذا اكتشفت؟ سألت داليا بصوتها الحاد.
إيه تكتشف؟ ما عندها دليل ولا شاهد.. هتبقى وحيدة ومفلسة.. وأنا أملك كل حاجة!
الشريط انتهى بصوت ضحكتهم اللي اتردد في المكان كله.. سقطت على ركبتيّ، وقلبي كان بيوجعني لدرجة ما كنتش قادرة أتنفس.. عشر سنين! عشر سنين من الحب والتفاني والصبر.. وكل ده كان مجرد مسرحية متقنة من البداية للنهاية!
منى عانقتني بقوة
كفاية يا نسرين.. كفاية تعب.. ده كفاية عشان نروح للمحامي ونرفع عليه قضية ونرجع كل حاجة
لسه واحدة فاضلة.. قلت وأنا بمسح دموعي بكمي
 

تم نسخ الرابط