وهي في الشهر السادس من الحمل نسرين
الحيطة الخامسة والأخيرة.. الجدة قالت إنها الأهم
الجزء الرابع
اليوم الخامس.. الساعة كانت 6 الصبح، والشمس لسه ما طلعتش كويس.. وقفت قدام الحيطة الخامسة في أوضة الاستقبال القديمة، اللي كانت أكبرهم وأعمقهم.. قلت لمنى
خليني أفتحها لوحدي.. عشان أعرف إيه آخر سرّ سابتوه ليا
بدأت أكسر المحارة ببطء.. كل قطعة بتسقط كانت بتكشف طبقة جديدة من الماضي.. ولما اتسعت الفتحة، لقيت صندوقًا خشبيًا ضخمًا، محفور عليه زهور ونجوم.. جوته كان وصية رسمية موثقة، ورسالة طويلة بخط الجدة فاطمة، ومغلف مغلق عليه اسم لخالد إن رجع يوم.
قرأت الرسالة ببطء، وكل كلمة كانت بتدخل قلبي زي المطر
حبيبتي نسرين..
لو قريتي الكلام ده، فده معناه إن الخيانة ظهرت، والحق اتخفى سنين وطلع للنور أخيرًا. ما تحزنيش.. اللي جرىلكِ مش عشانكِ غلطانة.. ده عشانكِ طيبة أكتر من اللازم، والطيبة في زمن القسوة بتتعرض للجروح.
خالد ما ورثش طبع أهلي.. ورث الجشع اللي جاء من برة. حذرته كتير وما سمعش.. فقررت أسيب الحق لمن يستحقه. كل ما أملكالأراضي، المحلات، الشقق، والبيت دهكتبته باسمكِ من قبل ما أموت.. أنتِ الوحيدة اللي تستاهليه لأنكِ اللي خدمتيه بصدق من غير ما تنتظري مقابل.
وما تنسى حاجة واحدة يا بنتي اللي باعكِ بلا ثمن، أنتِ اللي ربحتي حريتكِ منه. والبيت ده مش مجرد حيطان.. هو ملجأكِ وملجأ اللي جاي منكِ. احميه واحمِ نفسكِ.. وربكِ هيكفكِ شرهم.
جدتكِ المحبة
فاطمة
وقعت الوصية باسمي أنا.. كل شيء لي! ما خالدش يملك ورقة واحدة.. كل ما كان يظنه ملكًا له، كان في الحقيقة أمانة سلمتها الجدة ليا!
مسكت المغلف المكتوب عليه اسمه.. كان لازم أقرر هأبعتهله وأكشفه؟ ولا أسيبه يكتشفه بنفسه؟
قررت أبعتهله.. لما يفتحه يعرف إن كل خطته انقلبت عليه، وإن الجدة كانت أذكى منه بكتير.
في نفس اليوم، كلمت محامية عائلة قديمة.. قالتلي
الوثائق دي قاطعة يا نسرين.. كل حاجة راجعة ليكِ.. وحتى اللي نقلهم لحساب داليا ممكن نسترجعهم بالقانون
مش عايزة أخذ حاجة ما ليا.. بس عايزة حقي.. وكل قرش تعبنا فيه مع بعض
هيرجعلكِ.. وبأسرع وقت
مر يومان.. لم يأتِ خالد، ولم يتصل.. لكن في صباح اليوم التالت، سمعت دقًا عنيفًا على باب البيت.. لما فتحت، لقيته واقفًا، وجهه أحمر من الغضب، والمغلف مفتوح وممزق في إيده
أنتِ اللي عملتي كده؟!
أنا ما عملتش حاجة.. الجدة فاطمة سابت الأوراق دي قبل ما تموت.. وأنا اكتشفتها زيك بالظبط
كدابة! أنتِ خططتي كل حاجة!
دخل من غير إذن وبدأ يصرخ في الحوش
دي بتاعتي! كل حاجة لي!
وقفت قدامه بكل ثبات، ويدي على بطني اللي بيكبر كل يوم
خالد.. اسمعني كويس.. البيت ده بتاعي بالوثائق الرسمية.. والفلوس اللي سحبتها لازم ترجعها.. وكل ما فكرت إنك تقدر تاخد حاجة مش بتاعتك، هتخسر أكتر
وأنا مش هسيبكِ تاخدي حاجة!
القانون هيفصل بيننا.. وأنا واثقة إن الحق هيرجع
الجزء الخامس
بدأت المعركة القانونية.. خالد وداليا حاولا كل حيلة أنكروا التوقيع، ادعوا إن الوصية مزورة، وحتى حاولا يهددوني بالهاتف في الليل.. بس كل محاولة كانت بتفشل، والدليل كان أقوى من كل كلام.
وفي خضم المعركة، اكتشفت حاجة تانية.. داليا كانت حامل في الشهر التالت فعلاً، بس لما عرفت إن كل ما كان خالد وعدها بيه مش موجود، وإن كل حاجة بتاعتني، اتغيرت تمامًا.. اتصلت بي ذات يوم بصوت مهزوز
أنا آسفة يا نسرين.. ما كنتش أعرف إنه كذاب عليّ كمان
ما تآسفيش مني.. اسأفي نفسكِ
هو قاللي إنكِ طردتيه وإنكِ أخذتي كل حاجة.. وإن محدش بيحبكِ
وأنتِ اكتشفتي الحقيقة بنفسكِ دلوقتي
أيوة.. وعايزة أبتعد عنه.. بس خايفة على جنيني
الطفل بريء من كل ده يا داليا.. وربنا هيكفلكِ شره
مرت الأشهر ببطء.. حملي كبر، وقلبي كان بين الخوف والأمل.. المحكمة أصدرت حكمها الأول الوصية صحيحة ونافذة، وكل الممتلكات تعود لي، ويلزم خالد بدفع المبالغ اللي سحبها بغير حق.
خالد رفض يستسلم.. حاول يقتحم البيت مرة، بس سيف الولد الصغير شافه وصرخ لجده اللي جاب الشرطة فورًا.. منعوه من الاقتراب مني بمسافة مائة متر.
وذات ليلة وأنا قاعدة في الشرفة بشوف النجوم، فهمت معنى كلام الجدة.. ما كانت بتحميني بس.. كانت بتحميني من نفسي لما كنت أختار الغلط، وبتديني القوة أبدأ من جديد.
جاء يوم الولادة.. كنت وحيدة في المستشفى في البداية، بس منى كانت جنبي، وسيف جابلي باقة ورد صغيرة من الحديقة بتاعت بيتهم، وقال مبروك يا ست نسرين.. جبتِ إيه؟
بنت يا حبيبي.. سميتها فاطمة
بكت من السعادة لما شفتها.. بنت بملامح هادئة، وعيناها بتشوف الدنيا بفضول.. كانت أول نسمة حياة جديدة بعد ما كنت فاكرة الدنيا قفلت في وشي.
بعد أسبوع من الولادة، وصلني خبر.. داليا انفصلت عن خالد، وسافرت لبلدها الأصلي، وتركته وحيدًا.. والبنوك بدأت تطالبه بالديون اللي تراكمت عليه، لأن كل ما كان يملك تبين إنه مستعار أو محول بطرق غير قانونية.
رأيته مرة من بعيد في الشارع.. كان قاعد على رصيف، ملابسه قديمة، وشكله تعبان ومتهالك.. شافني وأنا ماشية ومعايا فاطمة في عربتها، وبص ليا بندم وحسرة.. ما كرهتهش.. بس ما شفيتهش رحمة كمان.. كل إنسان يحصد ما يزرع.
الجزء السادس النهاية
مرت خمس سنوات.. البيت القديم في شبرا ما بقيش زي ما كان.. رممته وفتحت
فيه مركزًا لتعليم الفتيات الحرف اليدوية، سميته بيت فاطمة.. مئات البنات تعلمن فيه الخياطة والتطريز والنجارة، وكل واحدة بتخرج بتعمل مشروعها الخاص.
فاطمة بنتي كبرت قدام عينيّ.. ذكية وشجاعة، بتحب البيت وتجري في حوشه، وكل ما شافت حيطة بتقول ماما.. دي حيطة سرّ؟
أضحك وأقول لها كل حيطة فيها حكاية يا حبيبتي.. بس السر الحقيقي ما يكونش مدفون.. يكون في القلب
وذات يوم، كنت قاعدة في الحديقة بتاعة المركز، جالي خالد.. تغير كتير، شعره شاب، وملامحه هبطت
ممكن أتكلم معاكِ دقيقة؟
ترددت بس قلت
اتفضل
قعد على حافة الكرسي كأنه خايف يأخذ مساحة
جيت أقولك.. آسف.. عرفت قيمتكِ لما خسرت كل حاجة.. وما فيش يوم مرّ من غير ما أتمنى إنني رجعت للوراء
الندم ما بيصلح الماضي يا خالد
أعرف.. بس حبيت تعرفي إن الجدة كانت محقة في كل كلمة قالتها.. كنت أتمنى أسمع كلامها
كانت بتخاف عليكَ زي ما كانت بتخاف عليّ.. بس ما حدش يقدر يغير الطريق غير صاحبه
عايز أسألك سؤال واحد بس..
اتفضل
لو رجع الزمن.. كنتِ تسامحيني؟
فكرت شوية ثم قلت بصدق
سامحتك من زمان.. مش عشانك.. عشان أنا لازم أعيش بسلام.. بس العودة مستحيلة.. اللي اتكسر ما يتصلحش تاني
هز رأسه بندم وقام
أنتِ تستاهلي كل سعادة يا نسرين.. وآسف إني كنت سبب ألمكِ
مشى وبقى وحيدًا.. لم أتمنى له سوى الهداية.. لأن كل إنسان في النهاية يواجه حساب نفسه.
مرت السنين.. بيت فاطمة اتوسع، وفتحنا فروع في محافظات تانية.. بنات كتير اتعلمن واستقلن بحياتهن، وصاروا يقولوا نسرين علمتنا إننا نقدر نكون أقوى من كل كذبة تُحكى علينا.
وذات صباح، وأنا بتمشي مع فاطمة في حوش البيت الأصلي، وقفت قدام الحيطان الخمسة اللي غيرت حياتي
تعرفي يا فاطمة.. هنا كنت وحدي ومكسورة.. وهنا قويت وبدأت من جديد
مسكت إيدي الصغيرة
مش لازم نكسر الحيطان عشان نعرف الحقيقة يا ماما؟
ابتسمت وقبلتها
أحيانًا لازم.. بس الحقيقة اللي بتحررنا هي اللي نعيشها بصدق، مش اللي نكشفه بس
كتبت في دفتري في تلك الليلة
لا تحزني إذا رموكِ في مكان مهجور.. فالله قادر يجعل من بيتك المهدم معبدًا للنور.
لا تبكي على من باعكِ بثمن بخس.. فهو لم يخسركِ.. أنتِ اللي تخلصتي من قيده.
واعلمي أن الصبر الذي يبدو هزيمة في أعين الناس، هو القوة التي تبني المستقبل حين لا يتوقع أحد شيئًا.
كل حيطة كسرتها كانت بابًا فُتح لي.. وكل سرّ اكتشفته كان درسًا تعلمته.. وأغلى ما امتلكته لم يكن ذهبًا ولا ورقًا.. بل نفسي التي استعدتها من جديد.
وكانت النهاية.. قصة بدأت بطرد وانتهت بقيادة، بدأت بوجع وانتهت بشفاء
الذي يُرمى لا يُهان.. بل يُعطى فرصة ليبني نفسه من جديد.
والبيت الذي يظنه الناس سجنًا، قد يكون مهد الحرية الحقيقية.
وأسمى انتقام ليس تدمير من أساء إليك.. بل أن تعيش بكرامة وسعادة في المكان الذي أراد أن يخزيك فيه.
تمت بحمد الله وتوفيقه