جوزي اداني

لمحة نيوز

فضل أحمد شريف واقف قدام الشباك، والتقرير في إيده.
كان الرقم اللي مكتوب قدامه واضح
100 مليون جنيه خسائر أولية.
لكن الغريب إن الرقم ده، رغم ضخامته، ماكانش أكتر حاجة شاغلاه.
الجملة اللي قالها محمود كانت بتتردد في دماغه
الموردين مش عايزين فلوس... عايزين مريم.
أحمد قفل عينه للحظة.
ولأول مرة من سنين، افتكر تفاصيل صغيرة كان دايمًا بيتجاهلها.
افتكر مريم وهي قاعدة آخر الليل على السفرة، قدامها ملفات كتير.
كان بيرجع من الشركة، يلاقيها لسه صاحية.
يسألها باستهزاء
لسه بتشتغلي في الورق ده؟
فترد بهدوء
أيوه، فيه مشكلة في شحنة جاية من أسوان ولازم أحلها قبل الصبح.
كان بيرد عليها
اعملي اللي إنتِ عايزاه.
وبعدين يدخل أوضته.
ولا مرة سألها خلصتي إزاي.
ولا مرة عرف إنها كانت بتكلم الموردين بالساعات.
ولا مرة عرف إنها كانت بتسافر لمخازن الشركة.
ولا مرة عرف إن بعض كبار الموردين كانوا بيرفضوا يتعاملوا مع أي حد غيرها لأنها الوحيدة اللي كانت ملتزمة بكلمتها.
هو كان فاكر إنها مجرد ست قاعدة في البيت.
دلوقتي فهم إن الست دي كانت شايلة جزء كبير من شغله على كتفها.
محمود قطع أفكاره
أستاذ أحمد؟
نعم؟
نبدأ ندور عليها فين؟
أحمد سكت.
وبعدين قال
مش في المستشفيات.
أمال؟
مريم مش هتروح مكان يخليهم يلاقوها بسهولة.
محمود بص له باستغراب.
يعني حضرتك شايف إنها عايشة؟
أحمد رد من غير تردد
أيوه.
كانت أول مرة يقولها بصوت واضح.
مريم عايشة.
وكأنه محتاج يصدق الجملة دي علشان يقدر يتنفس.
في مكان بعيد عن القاهرة، في مدينة هادية على البحر، كانت مريم قاعدة قدام شباك صغير.
الشمس كانت داخلة بهدوء.
قدامها فنجان قهوة.
وعلى الترابيزة كان فيه لابتوب مفتوح.
وشوية ملفات.
لكن مريم ماكانتش مريم اللي خرجت من بيت أحمد وهي شايلة شنطة قماش صغيرة.
كانت لابسة هدوم بسيطة وأنيقة، شعرها مربوط للخلف، ووشها هادي.
قدامها عقد إيجار شقة جديدة.
وجنبه مفتاح.
وعلى المكتب ظرف كبير.
فتحت الظرف.
جواه نسخة من مستندات قديمة.
شهادة زواج.
تقارير طبية.
صور من علب الدواء.
ورسائل كانت محتفظة بيها.
مريم بصت للمستندات، وبعدين قفلت الظرف.
كانت عارفة إن اللحظة دي هتيجي.
اللحظة اللي أحمد هيبدأ يدور عليها.
لكنها ما كانتش عايزة ترجع.
مش بعد اللي حصل.
قبل ما تخرج من بيتها، كانت قد اكتشفت الحقيقة كاملة.
مش بس إن الحبوب اللي كانت بتاخدها طول السنين مش فيتامينات.
كانت اكتشفت إن أحمد كان عارف.
وعارف من البداية.
عرفت ده من رسالة قديمة كانت موجودة على جهازه اللوحي.
رسالة من مساعدته قبل سنتين، بتقول
الجرعة الشهرية وصلت، زي ما حضرتك طلبت.
وتحتها رد أحمد
خليها تاخدها بانتظام. مش عايز أي مفاجآت.
وقتها مريم حسّت إن قلبها اتكسر.
لكنها ما عملتش مشكلة.
ما صرختش.
ما راحتش تواجهه.
لأنها لأول مرة قررت إنها مش هتديه فرصة يلف ويدور بالكلام.
بدأت تجمع الأدلة بهدوء.
وخلال أسابيع، اكتشفت تفاصيل أكتر.
اكتشفت إن العلبة الأخيرة مش مجرد حبوب منع حمل.
كانت مادة تجريبية.
وإن نورا كانت عارفة.
وإن أحمد كان المفروض يتأكد من محتوياتها قبل ما يسيبها في البيت.
لكن مريم ما كانتش عايزة تموت.
فكان لازم تختفي.
وفي الليلة اللي خرجت فيها من البيت، هي ما أخدتش الأربع حبات.
كانت حطت في فمها أربع حبات من أقراص عادية كانت مجهزاها من قبل.
وبعدها خرجت.
أما العلبة الأصلية...
فكانت موجودة في شنطتها.
أخدتها معاها علشان تبقى دليل.
أما الرسالة اللي كتبتها
يا أحمد... إنت كسبت.
فكانت متعمدة.
علشان تخليه يصدق إنها ماتت.
علشان يبعد عنها.
وعلشان تاخد وقتها بعيد عن كل حاجة.
لكنها ما توقعتش إن اختفائها هيخليه ينهار بالشكل ده.
بعد أسبوع، بدأت شركة شريف تخسر عقود جديدة.
بعد أسبوعين، البنوك بدأت تطلب ضمانات إضافية.
والسبب إن سمعة الشركة في السوق بدأت تتأثر.
لكن أحمد ماكانش مهتم بالسهم.
ولا بالأرباح.
ولا حتى بالخسائر.
كان عايز يعرف حاجة واحدة
مريم فين؟
بدأ يدور بنفسه.
راجع كل تحويل مالي.
كل حجز فندق.
كل سيارة أجرة.
كل حركة حصلت في الأيام الأخيرة.
لكن مريم كانت أذكى مما توقع.
ما استخدمتش بطاقة البنك.
ما حجزتش باسمها.
ما فتحتش حساب جديد باسمها.
لكنها عملت غلطة صغيرة.
اتصلت بشخص واحد.
عمها.
مكالمة مدتها 42 ثانية.
أحمد عرف عنها.
ولما راح له، كان الرجل العجوز قاعد في محل صغير.
أحمد دخل.
عمي...
الرجل رفع عينه.
إنت جاي ليه؟
عايز أعرف مريم فين.
الرجل ضحك بسخرية.
بعد ما ضيعتها، جاي تسألني عنها؟
أحمد سكت.
هي قالتلي إنها مش عايزة حد يعرف مكانها.
حتى أنا؟
خصوصًا إنت.
أحمد قرب منه.
أنا محتاج أشوفها.
ليه؟
علشان أعتذر.
الرجل بص له فترة طويلة.
الاعتذار مش هيغير اللي حصل.
عارف.
ولا هيرجع لها السنين اللي ضاعت.
أحمد هز راسه.
عارف.
ولا هيخليها تنسى إنها كانت بتاخد دوا كل يوم وهي فاكرة إنه فيتامين.
صوت أحمد اتكسر
عارف.
الرجل لأول مرة شاف الندم الحقيقي في عينه.
لكن رغم كده قال
وأنا مش هقولك مكانها.
أحمد خرج من المحل.
ركب عربيته.
وسند رأسه على الدركسيون.
وبكى.
بكى للمرة الأولى من سنين.
مش علشان الشركة.
ولا علشان الفلوس.
ولا علشان الوصية.
كان بيبكي علشان افتكر كل مرة مريم قالت له
أنا تعبانة النهارده.
وهو كان يرد
كلنا تعبانين.
افتكر مرة كانت حرارتها عالية، وحماته قالت لها
متعمليش نفسك مريضة علشان تلفتي انتباه أحمد.
ومريم سكتت.
افتكر يوم عيد ميلادها.
كانت مستنياه يرجع.
حضرت أكل.
اشترت كعكة صغيرة.
لكنه ما رجعش.
وفي الآخر، أكلت قطعة صغيرة لوحدها.
هو وقتها كان في اجتماع.
ولا حتى افتكر عيد ميلادها.
افتكر كل ده مرة واحدة.
وكأنه بيتعاقب على كل لحظة.
في نفس الليلة، مريم كانت بتبص للبحر.
جالها اتصال من عمها.
أحمد جه عندي.
مريم سكتت.
عرف مكانك؟
لا.
كان عايز يعرف.
مريم أخدت نفس طويل.
قال إيه؟
قال إنه ندم.
ابتسمت مريم ابتسامة حزينة.
الندم بييجي دايمًا بعد ما الناس تخسر الحاجة.
عمها سألها
 

تم نسخ الرابط