جوزي جاب أمه وأخوه العاطل بقلم ساندي احمد

لمحة نيوز

وده سبب هروبهم من شقتهم القديمة وجيئتهم لشقتي بالذات لأنها المكان الأخير اللي أحد ممكن يفكر يلاقيهم فيه!
في يوم الجمعة، لما كانوا كلهم نازلين يشتروا حاجات، قررت أتحقق بنفسي من مكان الفلوس. رفعت الكنبة ببطء، ووجدت الكرتونة القديمة بالظبط كما وصفها مدحت. فتحتها.. وقلبي توقف للحظة.. كانت مليانة أوراق نقدية، مكدسة بانتظام، مبلغ ضخم لم أره في حياتي كلها. كانت الأوراق مرتبة، وفيه أظرف صغيرة مكتوب عليها تواريخ وأرقام. أخذت صورًا لكل حاجة بسرعة، وقمت رجعت الكنبة لمكانها بالظبط كما كانت، وخرجت من الصالة قبل ما أحد يحس بشيء.
كنت عايزة آخذهم وأروح أبلغ الشرطة، بس المحامي كمال نصحني أستنى لحد ما نتأكد من كل التفاصيل، لأن الموضوع ممكن يكون معقد وأي خطأ ممكن يضرني أنا شخصيًا.
الجزء الرابع
بعد أسبوع، جاءني اتصال من كمال، صوته كان جادًا جداً
يا منار.. الموضوع أخطر بكثير مما توقعنا. الشخص اللي اختفى واختفت فلوسه معاه، ماټ قبل شهرين في ظروف غامضة، والشرطة تعتبر حسام ومدحت المشتبه بهم الرئيسيين في القضية! كل الأدلة تشير إليهم، بس ما كانوش عارفين مكانهم لحد دلوقتي. لو بقيتي معاهم في نفس الشقة، حياتك في خطړ حقيقي.
دموعي نزلت من الخۏف.. أنا عايشة مع أشخاص متهمين في قضية قتل وسړقة ملايين الجنيهات، وهم بيخططون للهرب وربما التخلص مني لو شكلت لهم عائقًا!
اتفقنا مع كمال على خطة محددة
في اليوم المحدد لسفرهم المفترض، ستكون الشرطة في انتظارهم في المكان اللي حددوه.
سأبقى في البيت ليلة تانية بس عشان أتأكد من موعد سفرهم وطريقتهم، وبعدها أخرج من الشقة فورًا قبل ما ينفذوا خطتهم.
سأحمل التسجيلات والصور معي دائمًا، ولن أتركها في الشقة أبدًا.
في الليلة الأخيرة قبل التنفيذ، كنت مستيقظة حتى الساعة الرابعة فجرًا، أسمعهم يجهزوا الحقائب ويتكلموا عن السفر إلى ميناء السخنة ومن هناك على متن سفينة خاصة لدولة مجاورة. سمعت حسام يقول
منار هتصحى وتلاقي رسالة إني سافرت لظروف طارئة وهرجع قريب. هسيب لها مبلغ كويس يكفيها فترة، وبعد ما نكون بأمان، نتواصل وننهي الإجراءات رسميًا.
وفاء ردت بقلق
وإن قررت ترفع قضية؟
مش هتعرف تثبت أي حاجة.. كل حاجة مسجلة بأسمائنا، وهي ما عندها دليل على شيء.
ما عرفوش إن الدليل كان في جيبتي، وإن كل خطوة بيتخذوها متسجلة بالصوت والصورة.
في الصباح الباكر، حوالي الساعة الخامسة، سمعتهم يخرجوا بالحقائب. انتظرت دقيقتين، ثم فتحت الباب ببطء ورأيتهم يصعدوا سيارة أجرة كانت بانتظارهم. أغلقت الباب، أخذت نفسًا عميقًا، التقطت حقيبة أوراقي وتليفوني، وخرجت من الشقة للمرة الأخيرة.
الجزء الخامس
وصلت لمكان اللقاء مع كمال والضباط المختصين، وسلمتهم كل ما أملك من تسجيلات وصور وأدلة. في تمام الساعة التاسعة صباحًا، أبلغوني أنهم ألقوا القبض على حسام ومدحت وفاء في الطريق إلى الميناء، والفلوس كانت معهم بالكامل، ولم يتمكنوا من تهريب أي شيء.
مرت الأشهر التالية ببطء وثقل. كنت أذهب للتحقيقات، أدلي بشهادتي، وأجيب على الأسئلة. اتضح بالكامل أن حسام ومدحت استغلوا ثقة رجل الأعمال، قاموا بتحويل المبالغ لحسابات وهمية تحت إشرافه، ولما ټوفي فجأة، قرروا يأخذوا كل شيء ويهربوا. وفاء كانت تعرف كل شيء وتشجعهم، وجاءت لتعيش
معنا عشان تراقبني وتتأكد إنني ما اكتشفش حقيقتهم.
أثبت التحقيق أن ۏفاة الرجل كانت طبيعية ولا علاقة لهم بها، لكنهم مذنبون باختلاس الأموال، ومحاولة الهرب، واستغلال الموقف لتحقيق مكاسب غير مشروعة. حُكم على كل منهم بالسجن لمدة طويلة، وأُعيدت الأموال لورثة صاحبها.
بقيت وحدي في الشقة الكبيرة التي شهدت على كل هذا الألم. كنت أجلس في الليل وأفكر في ال 12 سنة اللي ضاعت.. كنت أتساءل هل كان يحبني يومًا؟ أم كنت مجرد ستار يخفي ورائه حقيقته طوال كل هذه السنين؟ ولم أجد إجابة تريحني.
كمال المحامي ساعدني في إنهاء إجراءات الطلاق، واسترداد كل ما لي من حقوق في الشقة والممتلكات. أصبحت الشقة ملكي بالكامل، لكنني لم أستطع البقاء فيها لفترة طويلة. كل ركن فيها بيذكرني بوجوههم، بأصواتهم، بالخۏف اللي عشته في صمت.
الجزء السادس والأخير
بعد سنة، قررت أبيع الشقة وأسافر لمدينة أخرى، أبدأ حياة جديدة من الصفر. احتفظت ببعض الذكريات الجميلة من قبل كل هذه الکاړثة، وبعت الباقي. في يوم التسليم، وقفت أمام الباب للمرة الأخيرة، شكرت الله على سلامتي، ومشيت دون أن أنظر للوراء.
بدأت عملي من جديد، تعرفت على ناس جدد، وبنيت دائرة علاقاتي من الصفر. لم أندم على ما فعلته، ولم أشعر بالذنب تجاههم أبدًا. كنت أعلم أنني فعلت الصواب، وأن العدالة وإن تأخرت لا تضيع أبدًا.
ذات يوم، وبينما كنت جالسة في مقهى صغير أقرأ كتابًا، رأيت في الجريدة خبرًا صغيرًا حُكم على ثلاثة أشخاص بالسجن لمدة خمسة عشر عامًا في قضية اختلاس أموال ومحاولة هرب.. قرأت الأسماء، ومررت عليها بسلام، لم أعد أشعر پغضب ولا حزن. مجرد خبر، جزء من ماضي انتهى.
تعلمت من هذه التجربة دروسًا لن أنساها طوال حياتي
الثقة لازم تكون لها حدود.. حتى مع أقرب الناس لنا.
المال السريع بيجي بسرعة ويروح بسرعة أكتر، وغالبًا بيدمر صاحبه قبل ما يفيده.
الصمت على الخطأ مش حكمة، بل مشاركة في الچريمة.
أقوى سلاح تمتلكه المرأة هو عقلها والصوت الذي لا ېخاف أن يقول الحقيقة في وجه أي كان.
وأهم درس إنك تخرج من مكان لا يُحترم
فيه وجودك، خسارتك فيه بسيطة مقارنة بثمن بقائك فيه.
اليوم أنا أقوى وأكثر حكمة مما كنت عليه. حياتي هادئة، عملي يملأ يومي، وأصدقائي الحقيقيون حولي. لم أعد أحتاج لشريك يكملني، لأنني اكتملت بنفسي. وعندما أتذكر ما حدث، لا أشعر بالندم.. بل أشعر بالامتنان لأنني نجوت، ولأن الحق ظهر في النهاية.
الحياة مستمرة، والطريق طويل، والغد دائمًا أجمل وأكثر إشراقًا لمن يختار السير في طريق الحق مهما كان وعرًا. فمن سار على الدرب وصل، ومن صبر ظفر، ومن خاف الله خافته كل شيء.
تمت بحمد الله
كتبت لكم ساندي أحمد

تم نسخ الرابط