عزومة خطوبتي
أول مرة أروح أتعشى في بيت خطيبي قبل الجواز، أمه سألتني وهي بترفع فنجان الشاي كأنها بتسأل سؤال عادي
يا توتا، إنتِ بتقبضي كام في الشهر من شغلك في المستشفى؟
إيدي اللي كنت ماسكة بيها معالق الأكل وقفت مكانها.
كان لؤي قاعد جنبي، فخبطني برجله من تحت الترابيزة بخفة، كأنه بيقولي إني أقول أي رقم وخلاص.
فكرت شوية، وبعدين رديت
حوالي 18 ألف جنيه يا طنط، وفي الشهور اللي بيكون عندي فيها نبطشيات كتير، ممكن أوصل لعشرين ألف.
الحقيقة إن الشهر اللي فات، مرتبي اللي قبضته كان 34 ألف جنيه.
أنا كنت دكتورة أخصائي أول في قسم الطوارئ بمستشفى المدينة المركزي، ومرتبي مع النبطشيات وبدلات العمليات والحوافز كان أكبر بكتير من 18 ألف جنيه.
لكن مكنتش حابة أفتح موضوع فلوسي بالتفصيل وأنا قاعدة على سفرة الأكل.
ساعتها، حماتي مظهرش على وشها أي تعبير غريب، واكتفت إنها قالت
آه، كويس.
وبعدين حطت قطعة لحمة في طبق لؤي.
افتكرت إن الموضوع انتهى عند كده.
لكن اللي حصل بعد كده كان أبعد بكتير عن أي حاجة ممكن أتخيلها.
تالت يوم بعد الجواز.
كان يوم إجازة، ولأول مرة من فترة طويلة مكنش عندي نبطشية، فكنت نايمة في الأوضة بعوض السهر والإرهاق اللي متراكم عليا.
وفجأة سمعت خبط على الباب.
توك توك توك.
لفيت الملاية حواليا وقمت أفتح.
لقيت حماتي واقفة قدامي، وفي إيدها دفتر توفير أحمر.
قالت بابتسامة هادية
يا توتا، أنا عايزة أتكلم معاكي في موضوع كده.
دخلت وقعدت على الكنبة اللي في الصالة، وحطت دفتر التوفير على الترابيزة اللي قدامها.
وبعدين بدأت تتكلم وهي بتشاور على الشقة حواليها.
بصي يا حبيبتي، الشقة دي أنا وأبو لؤي اشتريناها كاش، بأربعة مليون وستمية ألف جنيه.
شاورَت على الصالة، وبعدين على البلكونة.
والتشطيبات لوحدها كلفتنا 300 ألف جنيه. غير العفش والأجهزة الكهربائية، اللي أنا اخترت كل قطعة فيها بنفسي. يعني في الآخر، الشقة دي كلفتنا تقريبًا خمسة مليون جنيه.
فضلت ساكتة، مستنية أشوف هي عايزة توصل لإيه.
كملت كلامها بكل هدوء
وإنتِ لما اتجوزتي لؤي، جيتي تعيشي معانا في البيت. بتاكلي وبتشربي وبتستخدمي كل حاجة موجودة هنا، وعمرنا ما طلبنا منك تدفعي إيجار ولا حتى طلبنا منك فلوس الكهربا والميه ومصاريف العمارة.
سكتت لحظة، وبعدين بصتلي مباشرة.
وعشان كده أنا شايفة إن من أول الشهر الجاي، مرتبك يتحول ليا وأنا اللي أتصرف فيه.
بصيت لدفتر التوفير الأحمر اللي قدامها.
مكنتش مصدقة إنها بتتكلم بجد.
سألتها بهدوء
حضرتك تقصدي إني كل شهر أحوّل مرتبي كله على دفتر التوفير ده؟
ردت من غير تردد
أيوه طبعًا. إنتِ بتقبضي 18 ألف جنيه في الشهر، وده مبلغ مش قليل. وأنا اللي هبقى مسؤولة عن مصاريف البيت، وإنتِ كده هترتاحي من ۏجع الدماغ ومش هتشيلي هم أي حاجة.
سندت ضهري على الكنبة، وبصيت ناحية المطبخ.
كان لؤي واقف جوا بيعمل قهوة، وضهره لينا.
مش عارفة كان فعلًا مش سامع كلامنا، ولا كان عامل نفسه مش سامع.
أخدت نفس عميق، وبعدين سألتها
طيب يا ماما، عندي سؤال واحد.
قالت
اتفضلي يا حبيبتي.
مرتب لؤي كمان بيتحول على دفتر التوفير ده؟
اتغيرت ملامحها للحظة، وكأنها مكنتش متوقعة السؤال ده.
وبعدين ردت بسرعة
لؤي وضعه مختلف. هو راجل، وعنده مصاريف شغل وعزومات وعربية، ومصاريفه كتير.
بصيتلها باستغراب.
يعني هو مش مطلوب منه يسلّم مرتبه، وأنا مطلوب مني أسلّم مرتبي كله؟
ردت بنبرة فيها استنكار
إنتِ ست يا حبيبتي، هتصرفي على إيه يعني؟ شوية لبس وشوية مستحضرات تجميل؟ ممكن تقللي الحاجات دي وخلاص.
مسكت نفسي، وقمت من مكاني أجيب كوباية ميه.
وبعدين رجعت وقعدت قدامها.
قلت بهدوء، رغم إن جوايا كان فيه ڠضب بيزيد مع كل كلمة بتقولها
يا ماما، أنا مقدّرة إن الشقة دي إنتِ وأبو لؤي اللي اشتريتوها، ومش ناسية إنكم تعبتوا وصرفتوا عليها فلوس كتير.
لكن مرتبي ده مش فلوس جاتلي بالساهل. ده مقابل نبطشيات ليل طويلة، وحالات طوارئ ممكن أفضل فيها بالساعات، ومرضى حياتهم بتكون متعلقة بقرار لازم آخده في ثواني.
أنا كل شهر عندي من تمانية لعشرة نبطشيات، وساعات بشتغل ستة وتلاتين ساعة متواصلة من غير ما أعرف أنام كويس.
بصيتلها وقلت
الفلوس دي أنا تعبت فيها، ومقدرش أسلّمها كلها لأي حد.
الابتسامة اختفت من على وشها تمامًا.
وقالت بنبرة حادة
يعني إنتِ عايشة في بيتنا، وبتستخدمي حاجاتنا، ومش بتدفعي إيجار، وبرضه عايزة تحتفظي بمرتبك لنفسك؟
رديت من غير ما أرفع صوتي
أنا مستعدة أشارك في مصاريف البيت. ممكن أدفع جزء من الكهربا والميه ومصاريف العمارة والأكل، ونتفق على مبلغ مناسب كل شهر.
لكن إني أسلّم مرتبي كله، ده مش ممكن.
حطت فنجان الشاي على الترابيزة پعنف، وقالت
هو ده أسلوبك معايا بعد ما بقيتي مرات ابني؟!
وفي اللحظة دي، كان صوت تقليب القهوة لسه جاي من المطبخ.
ولؤي لسه مخرجش.
بصيت ناحية المطبخ للحظة، وبعدين رجعت أبص لحماتي.
حطيت كوباية الميه على الترابيزة وقلت
يا ماما، أنا اتجوزت لؤي، مش اتجوزت الشقة.
ولو العيشة في البيت ده معناها إني لازم أتنازل عن مرتبي كله عشان يبقى من حقي أشرب كوباية ميه وأنا مرتاحة، يبقى بصراحة شروط دخول البيت ده أصعب مما كنت متخيلة.
قامت من مكانها مرة واحدة، وبصتلي پغضب.
طب روحي اسألي صاحباتك وزميلاتك، وشوفي مين فيهم اتجوزت ومش بتسلّم مرتبها لحماتها!
كل الناس اللي أعرفهم بيعملوا كده!
فضلت باصة لي تلات ثواني، وبعدين لفت ودخلت أوضة النوم الرئيسية، وقفلت الباب وراها بقوة هزت الحيطة.
بعدها بلحظات، لؤي خرج من المطبخ وهو شايل فنجان القهوة.
بصلي باستغراب مصطنع وسألني
هي ماما كانت بتقولك إيه؟
بصيتله من غير ما أرد للحظات، وبعدين قلت
إنت كنت واقف في المطبخ، ومسمعتش حاجة خالص؟ هو إنت معندكش ودان؟
حط القهوة قدامي وقعد جنبي.
يا توتا، ماما تفكيرها تقليدي شوية. متكبريش الموضوع وخليه يعدّي.
بصيتله باستنكار.
هي قالتلي إني لازم أسلّمها مرتبي كله كل شهر. وإنت شايف إن ده مجرد تفكير تقليدي؟
رد بسرعة
خلاص، أنا هتكلم معاها.
سألته
وهتقولها إيه؟
سكت شوية، وبعدين قال بكل بساطة
هقولها إن مرتبك مش كبير، وإنك لسه في بداية حياتك، وممكن تديها نصه مثلًا بدل المرتب كله.
شربت رشفة من القهوة، وحطيت الفنجان على الترابيزة.
وبعدين بصيتله مباشرة وقلت
لؤي، هو مرتبك إنت كمان هتسلّمه لمامتك؟
اتلخبط، ورد بنفس الجملة اللي سمعتها منها من شوية
ظروفي مختلفة يا توتا...
ابتسمت ابتسامة صغيرة من غير أي فرحة، وقمت من مكاني.........
و ساعتها عرفت أن اللى جاى سواد عليا و على أهله..........
2
الساعة كانت تلاتة العصر، وكنت بجمع حاجتي في شنطة الشغل جوه أوضة النوم.
تاني يوم كان عندي عملية الساعة تمانية الصبح، وكنت محتاجة أروح المستشفى أراجع الأشعة المقطعية الخاصة بالمړيض قبل العملية.
لؤي فتح الباب ودخل.
قال وهو بيحاول يهديني
يا توتا، متزعليش نفسك أكتر من كده. أنا اتكلمت مع ماما وقلتلها متفتحش الموضوع ده تاني.
وقفت عن ترتيب حاجتي وبصيتله.
وهي قالتلك إيه؟
قعد على طرف السرير ومد إيده يمسك إيدي.
قالت إنها هتفكر في الموضوع وتشوف.
بصيتله باستغراب.
يعني إيه هتفكر وتشوف؟ هو فيه إيه أصلًا محتاج تفكير؟
شد إيدي برفق، وكمل
بصي يا حبيبتي، ماما لسانها طويل شوية لما تتعصب، لكن قلبها طيب ومش بتقصد حاجة وحشة.
إنتِ بس كبّري دماغك وعدّي الموضوع. وفي الآخر، إحنا قاعدين في بيت أبويا وأمي، يعني لازم نراعي إن دي قواعدهم.
قفلت السوستة بتاعة الشنطة، وبعدين بصيتله وقلت
لؤي، هسألك سؤال، وعايزاك
تجاوبني بصراحة.
قال
اسألي يا حبيبتي.
إنت مرتبك خمسة وعشرين ألف جنيه في الشهر، صح؟ وماما عمرها ما طلبت منك إنك تسلّمها مرتبك، صح؟
فضل ساكت.
وسكوته كان كفاية عشان أعرف الإجابة.
كملت كلامي
أنا قلتلها إني بقبض 18 ألف جنيه بس. ومع ذلك، تالت يوم بعد الجواز، لقيتها جاية تطلب مني مرتبي كله. إنما مرتبك اللي خمسة وعشرين ألف جنيه، ولا جابت سيرته من قريب ولا من بعيد.
حاول يدافع عن نفسه
أنا قلتلك إن ظروفي مختلفة. أنا عندي عربية ومصاريف شغل وعزومات...
قاطعته بهدوء
عربيتك قسطها الشهري تلاتة آلاف وتمانمية جنيه. ومصاريف الشغل والعزومات الشركة بترجعهالك.
أنا بقى الشهر اللي فات دفعت ألفين وستمية جنيه مواصلات وتاكسيات عشان أروح نبطشيات الليل وأرجع منها. مين رجّعلي الفلوس دي؟
لؤي سحب إيده من إيدي، وملامحه اتغيرت.
وقال بضيق
إنتِ ليه بتتكلمي كأنك بتعملي حسابات عليّا؟ هو كل حاجة لازم تتحسب بالطريقة دي؟
بصيتله وقلت
أنا مش اللي بدأت أحسب يا لؤي. أنا بس برد على الحساب اللي مامتك فتحته من الأول.
في اللحظة دي، سمعت صوت شبشب حماتي في الطرقة بره الأوضة.
كانت ماشية، لكنها وقفت قدام الباب لحظات، وكأنها بتسمع كلامنا، وبعدين كملت طريقها.
قمت من مكاني، وشيلت الشنطة.
أنا رايحة المستشفى. عندي عملية بكرة الصبح.
لؤي بصلي باستغراب.
مش النهارده إجازتك؟
رديت وأنا بلبس الجاكيت
أيوه، إجازتي. بس واضح إن حتى وأنا في إجازة، مش بعرف أرتاح في البيت ده.
وأنا بلبس الجزمة عند باب