رد الجميل بالسم الجزء الثاني حكايات مني السيد
حق عياله ومراته.. والأهم من ده كله، إنه يعرف إن محمود من غير سعاد ولا يسوى في السوق نكلة! محمود طول عمره كان بيجيلي المحل بعد الظهر ياخد الفلوس ويحطها في البنك، لكن مين اللي كان بيفرز التوب؟ مين اللي كان بيعرف نوع الخيط والنسيج؟ مين اللي كان بيسدد في ميعاده وميرجعش في كلمته؟ أنا! والحاج كامل عارف ده كويس أوي!
الساعة تسعة ونص، كنا راكبين تاكسي في طريقنا للغورية. القاهرة بالليل زحمة، ونور المحلات في شارع المعز والغورية كان بيعكس على وشوش الناس اللي رايحة وجاية. ريحة البخور والتوابل والأقمشة المعتقة ملت مناخيري، ريحة السوق اللي ربتني وشيلت همومه.
نزلنا قدام الوكالة القديمة. طلعت السلالم الحجرية الضيقة اللي باقية من عصر المماليك، لحد ما وصلنا لمكتب الحاج كامل. راجل عنده حوالي سبعين سنة، لابس جلابية صوف بيضا، وقاعد ورا مكتب خشب أرو عريض، وپيدخن الشيشة وبيرص في أوراق الحسابات.
أول ما شافني داخلة، رفع عينه من فوق النظارة الطبية، وملامحه اتغيرت من الهدوء للدهشة أبلة سعاد؟! خير يا بنتي في إيه؟! جاية في وقت متأخر كده ليه ومعاكي الدكتور حازم؟! لا إله إلا الله، مال وشك متغير كده؟!
قعدت على الكرسي الخشب قدامه، وسبت حازم واقف ورايا، وحطيت شنطتي الجلد القديمة على المكتب جاية في شرف وعرض ومستقبل ولادي يا حاج كامل.. وجاية أقولك كلمتين، لو مسمعتهمش مني الليلة، بكرة هتكون شريك في خړاب بيتي ودخول ابني طالب الطب السچن!
الحاج كامل ساب ليّ الشيشة من إيده بسرعة، وبص لحازم وبعدين بصلي، ونبرة صوته بقت جادة جداً فال الله ولا فالك يا سعاد! حبس إيه وخړاب بيوت إيه؟! استهدي بالله وقولي في إيه، محمود جوزك كان لسه عندي من يومين بيرتب لنقلة بضاعة تقيلة للمحل الجديد بتاعكم!
المحل الجديد مش بتاعنا يا حاج كامل.. المحل الجديد باسم أخت الست اللي محمود اتجوزها عليا في السر وأنا
في الجبس! والبضاعة اللي إنت هتسلمها له بكرة بميتين وخمسين ألف جنيه آجل، طالعة بضمان إيصالات أمانة ممضي عليها حازم ابني بعد ما أبوه نصَب عليه ومضاه على توكيل عام غدر بيه!
الحاج كامل فتح عينيه على وسعهم، وشه احمر من الڠضب إيه الكلام الفارغ ده؟! محمود يعمل كده في ضناه؟! ده قايلي ده مشروع مشترك بينه وبين ابنه عشان الدكتور حازم يبدأ حياته بدري ويسيب الطب لو ملقاش فيه مصلحة!
حازم اتكلم بصوت مهزوز من القهر أسيب الطب يا حاج كامل؟! أنا في تانية طب وبطلع من الأوائل، أبويا استغل طيبتي وجهلي بالقوانين ومضاني على بياض، والقروض اللي سحبها بضمان الشقة اللي بنسكن فيها عشان يمول مشروعه مع عيلة مراته التانية! ولو البضاعة دي طلعت باسمي وماتسددتش، أنا اللي هتحبس وأمي وأخويا هيترمتوا في الشارع!
الحاج كامل خبط بإيده الاتنين على المكتب خبطة طيرت الأوراق اللي قدامه يا ولد الكلب!! بقى محمود الهلفوت اللي مكنش لاقي ياكل يوم ما جيتيلي بيه من تلاتة وعشرين سنة وتقوليلي اكفله يا حاج وعلمه أصول التجارة معايا، يوصل بيه الفجر إنه ېغدر بيكي وبابنه؟! ده أنا كنت مديله البضاعة دي بسعر التكلفة وبالأجل المفتوح إكراماً لعينك إنتِ وكلمتك اللي عمري ما شفت منها هفوة!
وأنا مش جاية أطلب منك تشيل عني خساير يا حاج كامل..
فتحت الشنطة وطلعت علبة قطيفة حمراء قديمة، فتحتها قدامه.. كان فيها أساور دهب، وسلسلة تقيلة، وخاتمين، كل اللي حيلتي في الدنيا ده دهبي يا حاج، وده شقا سنيني.. البضاعة اللي محمود جاي يستلمها بكرة، أنا عايزاها متخرجش من مخازنك باسمه!
الحاج كامل بص للدهب وبصلي بعتاب شديد لمي دهبك يا سعاد! عيب عليكي تحطي دهبك على مكتبي، إنتِ ناسية أنا مين؟! أنا الحاج كامل اللي رباكي في السوق! دهبك ده يفضل في رقبتك وفي جيبك لعيالك.. لكن محمود... حسابه معايا أنا!
هتعمل إيه يا حاج؟! ده معاه توكيل ومعاه عقود التوريد!
الحاج كامل ابتسم ابتسامة مكر تاجر عتيق، ورجع ضهره لورا وسحب نفس من
الشيشة العقود اللي معاه دي مشروطة بدفعة مقدمة نقدية بتتدفع عند استلام البضاعة من باب المخزن.. ومكتوب في البند الرابع، إن التاجر له حق الفسخ والتحفظ على البضاعة لو تبين وجود شبهة تدليس أو إعسار مالي في أوراق الضامن! ومين الضامن؟! الدكتور حازم!
بص لحازم وقاله بكرة الساعة عشرة الصبح يا دكتور، هتيجي معايا المحكمة ومعانا محامي من كبار رجالتي، ونعمل محضر رسمي بإلغاء التوكيل وبلاغ بوقف التعامل على أي شيكات أو إيصالات باسمك صادرة من تاريخ معين، وهناخد شهادة تفيد الڼزاع القضائي ونخطر بيها البنك فوراً عشان يتجمد حساب القرض!
ومحمود والبضاعة؟! سألته وأنا قلبي مشدود.
الحاج كامل ضحك بصوت خشن محمود هييجي بكرة المخزن الساعة حداشر بالليل زي ما اتفقنا، عشان يحمل العربيات ومعاه أخت مراته الهانم عشان يشوفوا الفرحة الكبيرة.. وهناك، هيتفاجئوا بالمفاجأة اللي مش عاملين حسابها!
في اللحظة دي، تليفون حازم رن. بص للشاشة وشه اتخطف بابا بيكلمني تاني!
الحاج كامل شاورله افتح الاسبيكر يا حازم، وسمعنا الباشا عاوز إيه، بس اوعى تنطق بحرف يبين إنك عارف حاجة!
حازم فتح الخط وإيده بترتعش ألو.. أيوة يا بابا؟
صوت محمود جه من السماعة، بس مكنش صوت هادي
ولا ندمان.. كان صوت واحد شارب الغرور ومقرر يدوس على كل حاجة إنت فين يا زفت إنت وأمك؟! أنا روحت البيت ملقيتكوش! اسمع يا حازم، نيرمين بلغتني باللي حصل في العمارة، وشغل البلطجة والولولة بتاعة أمك دي مش هتمشي عليا!
إحنا برة بنجيب طلبات يا بابا.. خير في إيه؟
خير؟! مفيش خير ليك ولا لأمك بعد النهاردة! بكرة الساعة تسعة الصبح تجهز نفسك عشان هتيجي معايا البنك تمضي على شريحة القرض التانية وتسحب الفلوس كاش وتسلمهالي، وإلا قسماً بالله العظيم التوكيل اللي في إيدي ده هخلي البنك ينفذ بيه ويبيع الشقة بالمزاد الأسبوع الجاي، وأمك دي مش هخليها تلم كرتونة واحدة من محلي القديم! فاهم ولا لأ؟!
محمود قفل الخط في وش ابنه من غير ما يستنى رد.
الهدوء ساد في مكتب الحاج كامل، بس الهدوء ده كان
هدوء ما قبل العاصفة اللي ھتحرق الأخضر واليابس.
الحاج كامل طفى الشيشة، وقام وقف، ولبس عبايته الصوف ونظرته كانت باردة وصارمة كده اللعب بقى على المكشوف.. وهو اللي بدأ بالغدر، والبادي أظلم يا سعاد. اسمعي بقى الخطة اللي هتمشي بيها من الدقيقة دي.. بكرة في نفس الوقت ده، محمود ونيرمين وأختها هيقعوا في الحفرة اللي حفروها لعيالك بإيديهم، بس إنتِ لازم تكوني جاهزة للضړبة القاضية!