صحوة بعد فوات الاوان الجزء الثالث حكايات مني السيد
صاحبة الشأن هي اللي هتنزل تطلب شروطها، وإن وافقت عليها بالورقة والقلم، كان بها.. موافقتش، يبقى المأذون هو الحل.
دخلت الصالون.. كنت لابسة أحسن ما عندي، راسي مرفوعة، وباصة لطارق بقوة وثبات مكنش متعود يشوفهم فيا زمان لما كنت بستحمل وأعدي.
طارق أول ما شافني عينيه لمعت بلهفة ووقف على حيله، وكان عايز يقرب مني، بس شاورت بإيدي بهدوء وقعدت جنب أبويا.
بصيت لطارق وقولتله بصوت هادي ورزين، بس كل حرف فيه كان طالع زي السيف
حمد الله على السلامة يا طارق.. زمان كنت فاكرة إن الحب والنية الطيبة كفاية عشان أعيش في بيتك، بس اكتشفت إن النية الطيبة مع اللي مبيتقيش ربنا بتعتبر سذاجة وقلة حيلة.. وعشان نفتح صفحة جديدة، عندي شروط مفيهاش فصال ولا نقاش.. تقبل بيها وتنفذها قبل ما رجلي تخطي عتبة بيتك، يا إما نخلص بالمعروف.
طارق رد بلهفة وعينيه عليا
قولي يا نورهان، رقبتي سدادة لكل اللي
هتقوليه!
عديتهم على صوابعي قدام عمه وقدام أبويا
أولاً العمارة دي أنا مش هعيش فيها دقيقة واحدة تانية!
طارق اتفاجئ وبصلي، فكملت بحسم
شقتنا اللي فوق تتقفل أو تتباع، وتنقلني في شقة تانية مستقلة بعيد عن بيت أهلك.. شقة ميكونش لحد فيهم مفتاح ليها، ولا يقدروا يدخلوها من غير إذني واستئذاني، زيي زي أي غريبة!
طارق بلع ريقه وبص لعمه، وعمه هز راسه بالموافقة وقال
حقها يا ابني.. البيت اللي فيه فتنة لازم تبعد عنه، وده أول طريق النجاة لبيتك.
طارق بصلي وقال
موافق يا نورهان، دافع مقدم شقة إيجار في الحي الجديد من تلات أيام ومستني بس موافقتك.
ابتسمت بهدوء وكملت
ثانياً خدمتي وواجبي في الدنيا دي هو لبيتي ولك إنت وبس! أهلك ليهم مني الاحترام من بعيد لبعيد، الزيارات في المناسبات وبحضورك، مفيش حاجة اسمها نزول فجر ونزول سوق ونقور محشي وخدمة عزومات! بنتها تخدمها، وإنت تصرف عليها وتبرها من جيبك وصحتك، ده فرض عليك وأنا مش همنعك عن بر أمك.. بس أنا مش شغالة مجانية في البيت الكبير!
طارق قال بندم حقيقي
أنا اللي كنت حمار وظالم يا نورهان لما شيلتك فوق طاقتك وخليتهم يستقووا عليكي، والله العظيم حقك، ومن النهاردة أمي هجيبلها واحدة تخدمها باليومية على حسابي، وإنتِ ملكيش علاقة بأي شغل في بيتها نهائي!
بصيتله في عينه وقولت الشرط الأخير
ثالثاً والأهم مفتاح بيتي ده خط أحمر.. والشك فيا خط أحمر أكبر! الكلمة اللي تتقال عليا متتصدقش، والراجل اللي ميكونش ضهر لمراته ميبقاش راجل في نظري. الشروط دي تتكتب في وصل أمانة وتعهد في ورقة رسمية بينك وبين أبويا، عشان لو يوم فكرت ترجع في كلامك، يبقى حقي محفوظ في المحاكم قبل ما يكون في البيوت.
طارق قام من مكانه، ومسك إيد أبويا باسها، وقرب مني وحط راسه في الأرض قدام عمه وقال
كرامتك على راسي يا نورهان، والله العظيم ما هكسرلك كلمة طول عمري، والدرس اللي اتعلمته في الشهر ده كفاني لآخر يوم في عمري.. عرفت مين اللي بيحبني بجد ومين اللي
كان عايز ېخرب بيتي عشان أنانيته!
عم طارق طلع ورقة وكتب فيها التعهد وكل الشروط اللي طلبتها، وطارق مضى وبصم عليها وهو راضي ومبسوط، وحط دهب جديد في إيدي كان شاريتهولي هدية صلح ورد اعتبار غير شبكتي الأصلية.
بعد يومين اتنين، كنت بنقل عفش شقتي في عربيات النقل الكبيرة..
نزلت في مدخل العمارة القديمة عشان أودع الجيران اللي حبوني، ولقيت حماتي واقفة ورا باب شقتها، باصة عليا من ورا الستارة، مکسورة وعينيها مدمعة ومليانة خزي، وأسماء بنتها قاعدة وراها ساكتة زي الميتين بعد ما الڤضيحة اتعرفت في العمارة كلها إنها اتهمت مرات أخوها بالباطل.
حماتي حاولت تفتح الباب وتقول كلمة
يا نورهان يا بنتي.. مسامحاني؟
وقفت وبصيتلها من على عتبة الباب، راسي مرفوعة في السما، وقولت بابتسامة هادية بس توجع
ربنا بيسامح في حقه يا ماما، بس العباد ليهم حقوق مبتتسيبش.. وأنا حقي أخدته تالت ومتلت بفضل الله.. ربنا يهديلك نفسك ويهدي بنتك، والمحشي اللي كنتي عايزة تطرديني عشانه، بنتك أهي قاعدة جنبك تشبعي بيها وبطبيخها!
سبتها ولفيت ضهري، وركبت عربية طارق اللي كانت واقفة مستنياني تحت، وطارق فتحلي الباب بنفسه وقفل ورايا بكل احترام وتقدير.
وصلنا شقتنا الجديدة.. شقة واسعة ومنورة، والشمس داخلة فيها من كل مكان، بعيد عن المنور الكئيب والمؤامرات الرخيصة.
دخلت وقفلت الباب ورايا بإيدي، وبصيت لطارق وقولتله بضحكة
ها يا سي طارق.. الساعة كام دلوقتي؟
طارق ضحك من قلبه، وشالني ولف بيا في الصالة وهو بيقول
الساعة عندك إنتِ يا ست البنات.. نامي براحتك واصحي براحتك، والبيت ده ملكك، وساعة النوم اللي كانوا عايزين يطردوكِ عشانها، بقت هي الأساس اللي بنى بيتنا من جديد على الصح والعدل!
ومن اليوم ده، اتعلمت إن الست الطيبة مش الضعيفة، وإن الصبر على الظلم مبيجبش غير المهانة.. لكن لما الصبر يكون معاه ذكاء وكرامة، الحق بيرجع لصاحبه ڠصب عن عين أي حد، والبيت اللي اتبنى بالظلم بيتهد، والبيت اللي يتقام على رضا النفس وعزة النفس هو اللي بيعيش ويعمر.
النهاية