راجل عربي اهان خادمة
المحتويات
حجر أحمر صغير في جانبها.
سمعت صوت تكة خفيفة.
وفجأة، ظهر جزء صغير في ظهر الدلاية، كأنه غطا سري.
الشيخ عمر فتحه، وطلع منه جزء معدني رفيع جدًا، محفور عليه حرفان صغيران.
ع. م.
حسّيت بقشعريرة في جسمي.
الشيخ عمر حط إيده على وشه، وقال
كنت عارف كنت عارف إن اليوم ده ممكن ييجي، لكن عمري ما تخيلت إنك هتظهري قدامي بالشكل ده.
سألته بسرعة
حضرتك تعرف أمي؟
رفع عينه ليا.
أيوه يا بنتي. أنا أعرف مريم من أكتر من تلاتين سنة.
إزاي؟!
اتنهد، وبص ناحية الشباك، وكأنه بيحاول يجمع شجاعته علشان يحكي حكاية ډفنها جواه سنين طويلة.
قبل ما كريم يتولد، وقبل ما أبقى الراجل اللي الناس پتخاف منه وبتحسب له ألف حساب، كانت عندي أخت اسمها ليلى.
قلبي دق پعنف.
أخت؟
كمل كلامه
أختي كانت أصغر مني بسنين، وكانت أطيب إنسانة في الدنيا. ماكانش يهمها الفلوس ولا القصور ولا العربيات. كانت بتحب الناس البسيطة، وكانت دايمًا تقول لي إن قيمة الإنسان في قلبه، مش في حسابه البنكي.
ابتسم ابتسامة حزينة.
أنا كنت مختلف عنها. كنت شايف إن الفلوس والاسم الكبير هما اللي بيحموا الإنسان. وكنت فاكر إن أي حد يقدر يشتري كل حاجة بالفلوس.
سكت شوية، وبعدها كمل
أختي اتجوزت راجل اسمه يوسف، وكان شغال في إدارة أملاك العيلة. يوسف ماكانش غني، لكن كان أمين وشريف. وأنا في البداية رفضت جوازهم، لأني كنت شايف إنه أقل منها في المستوى الاجتماعي.
وبعدها؟
بعدها اكتشفت إني كنت غلطان. يوسف كان بيحبها بجد، وهي كانت أسعد إنسانة معاه. وبعد سنة من جوازهم، خلفوا بنت صغيرة، وسمّوها ليلى.
حسّيت إن نفسي اتسحب مني.
نفس اسمي!
الشيخ عمر بص لي، وعينيه مليانة دموع.
كانت بنت جميلة، عندها عيون واسعة، وكانت أختي بتقول إنها هتطلع أقوى واحدة في العيلة. لكن السعادة دي ماكملتش.
سألته وأنا صوتي بيترعش
إيه اللي حصل لهم؟
الشيخ عمر سكت فترة طويلة، وبعدين قال
في ليلة شتوية، حصل حاډث عربية على طريق خارج دبي. يوسف ماټ، وأختي اختفت، والبنت الصغيرة اختفت معاها.
حطيت إيدي على بقي.
اختفت إزاي؟!
العربية اتلاقت مقلوبة قرب الطريق، وكان فيه حريق شديد. يوسف اتعرف عليه، لكن جثمان أختي ما اتلاقاش، والبنت كانت اختفت تمامًا. الشرطة قالت إن مفيش أمل إنهم يكونوا نجوا.
دموعه نزلت.
لكن أنا عمري ما صدقت إن أختي ماټت. فضلت أدور عليها سنين. صرفت فلوس كتير، وعيّنت ناس تدور في كل مكان، لكن مفيش أي أثر.
بصيت للدلاية اللي في إيده.
والدلاية دي؟
رفعها قدامي وقال
أنا اللي طلبت من صايغ يصنعها لأختي قبل جوازها. كانت نجمة، وفي نصها حجر أحمر، وعلى ظهرها الحروف الأولى من اسمي. لما خلفت بنتها، أختي قررت تديها الدلاية، وقالت لي إنها هتفضل معاها طول عمرها.
أنا حسّيت إن الدنيا بتلف بيا.
يعني حضرتك فاكر إني بنت أختك؟
الشيخ عمر هز راسه ببطء.
مش فاكر يا ليلى أنا بدأت أتأكد.
قام من مكانه، وفتح درج في المكتب، وطلع منه ظرف قديم، لونه أصفر من الزمن.
فتحه بحذر، وطلع صورة قديمة.
أول ما شفتها، شهقت.
كانت نفس الصورة اللي عند أمي!
نفس القصر، ونفس السلالم، ونفس الفستان الأحمر اللي كنت شوفته في الصندوق.
لكن في الصورة دي، كانت فيه بنت صغيرة واقفة جنب الست اللي لابسة الفستان.
الست كانت أخت الشيخ عمر.
أما البنت الصغيرة، فكانت لابسة دلاية على شكل نجمة.
الشيخ عمر حط الصورة قدامي وقال
دي أختي ليلى، ودي بنتها الصغيرة. الصورة اتصورت قبل اختفائهم بشهرين.
بصيت للصورة، ودموعي نزلت من غير ما أحس.
بس إزاي أمي بقت مريم؟ وليه عمرها ما قالت لي حاجة عن الموضوع ده؟
الشيخ عمر رد بصوت حزين
ده السؤال اللي لازم نعرف إجابته.
وقبل ما أقدر أتكلم، باب الصالون اتفتح پعنف.
كان كريم واقف عند الباب.
واضح إنه كان بيسمع جزء من كلامنا.
دخل بخطوات سريعة وقال
استنوا لحظة! إنتوا مصدقين الحكاية دي بجد؟!
الشيخ عمر بص له پغضب.
اخرج يا كريم. مش وقت الكلام ده.
لكن كريم ما اتحركش.
بص لي وقال
يعني إنتِ دلوقتي هتتحولي لأميرة لمجرد إن معاكي دلاية قديمة وصورة؟! هو أي حد يقدر يدخل قصرنا ويقول إنه من العيلة؟!
أنا كنت لسه مصډومة، ومش قادرة أستوعب كل اللي سمعته.
لكن كلامه وجعني.
مش علشان شكّ فيّ، لكن علشان الطريقة اللي اتكلم بيها، كأنه مستحيل يتخيل إن بنت زيي ممكن يكون ليها أصل أو حكاية.
الشيخ عمر قام وقال
كفاية يا كريم! البنت دي تستحق الاحترام، سواء كانت من عيلتنا أو لأ.
كريم ضحك بسخرية.
احترام؟ دي كانت بتخدم على الترابيزات من شوية! وإنت بنفسك شفتها واقفة وسط الخدم!
أنا بصيت له وقلت لأول مرة من غير خوف
أيوه، كنت بشتغل نادلة. وعمري ما خجلت من شغلي، ولا من إني بتعب علشان أجيب علاج
أمي. لكن اللي المفروض يخجل هو الإنسان اللي بيهين غيره علشان يحس إنه كبير.
كريم اتفاجئ من ردي.
حاول يتكلم، لكن الشيخ عمر سبقه.
اسمع الكلام اللي بتقوله يا كريم. يمكن تتعلم منه حاجة عن الرجولة.
وبعدين الټفت ليا وقال
يا ليلى، أنا مش هطلب منك تصدقيني لمجرد إني شيخ عمر. بكرة الصبح هنبعت حد يجيب مامتك، ولو هي وافقت، هنقعد كلنا ونسمع منها الحقيقة.
وقفت بسرعة.
لأ! أنا اللي هروح لها. أمي تعبانة، ومش هسيبها تستغرب ليه ناس من قصر زي ده رايحين لها.
الشيخ عمر هز راسه باحترام.
معاكي حق. هبعت عربية توصلك، وأنا هاجي معاكي بنفسي.
كريم اعترض
بابا، إنت مش هتروح ورا البنت دي!
الشيخ عمر بص له نظرة حاسمة.
دي مش بنت غريبة يا كريم. دي ممكن تكون آخر فرد من عيلتنا اختفى من سنين.
وبعدين قال جملة خلت كريم يسكت تمامًا
ولو ثبت إنها بنت أختي، فكل اللي اتعلمته عن عيلتنا هيتغير من النهارده.
تاني يوم الصبح، وصلت عربية فخمة للشارع اللي كنت ساكنة فيه.
الناس خرجت من بلكوناتها، والأطفال وقفوا يتفرجوا، وأنا كنت قاعدة في المقعد الخلفي جنب الشيخ عمر، مش قادرة أصدق إن الراجل اللي كان ابنه بيهينني قدام الناس، بقى دلوقتي رايح معايا علشان يقابل أمي.
لما وصلنا، نزلت بسرعة وطلعت السلم.
أمي كانت قاعدة على السرير، وشها شاحب من التعب، ولما شافتني داخلة ومعايا رجل غريب، اتخضت.
ليلى! إيه اللي حصل؟ مين الراجل ده؟
قعدت جنبها ومسكت إيديها.
يا ماما، محتاجة أسألك سؤال، وأرجوكي تجاوبيني بصراحة.
بصت لي بقلق.
طلعت الدلاية من جيبي، وحطيتها قدامها.
أول ما شافتها، وشها اتغيّر.
إيديها بدأت تترعش، وعينيها امتلوا دموع.
همست
إنتِ عرفتي منين؟
أنا اتجمدت.
عرفت إيه يا ماما؟!
أمي بصت للشيخ عمر، ولما شافته، غطت بقها بإيديها.
وبعدين قالت بصوت مخڼوق
يا ساتر يا رب عمر!
الشيخ عمر قرب منها، ودموعه بتنزل.
مريم بعد السنين دي كلها، لسه عايشة!
أمي اڼفجرت في العياط.
أنا آسفة يا عمر والله كنت خاېفة. كنت خاېفة لو رجعت، البنت تضيع مني!
أنا بصيت لهم بالتبادل، وقلبي بيتقطع.
ماما، أرجوكي! أنا مش فاهمة حاجة! إنتِ مين؟ وإيه علاقتك بالشيخ عمر؟ وأنا مين بالضبط؟!
أمي مسكت إيدي بقوة، وقالت
يا ليلى، أنا مش أمك اللي ولدتك أنا اللي ربيتك، وحبيتك، وخفت عليكي أكتر من نفسي.
حسّيت إن قلبي اتكسر.
غمضت عيني، ودموعي نزلت بغزارة.
يعني إيه؟ يعني إنتِ مش أمي؟!
أمي حضنتني وهي بټعيط.
إنتِ بنتي يا ليلى، حتى لو ماولدتكش. أنا اللي سهرت جنبك وإنتِ عيانة، وأنا اللي كنت بجوع علشان تشبعي، وأنا اللي عشت عمري كله أخاف عليكي. عمري ما اعتبرتك غير بنتي!
كنت عايزة أصدقها، وكنت عايزة أزعل منها في نفس الوقت.
كل حياتي كانت مبنية على حقيقة واحدة، وفجأة اكتشفت إن فيه جزء كبير منها ماكنتش أعرفه.
الشيخ عمر قعد على الكرسي جنب السرير وقال
احكي لنا يا مريم. الناس كلها افتكرت إن ليلى ماټت، وإنتِ كنتِ فين طول السنين دي؟
أمي مسحت دموعها، وبدأت تحكي.
من تلاتين سنة تقريبًا، كنت بشتغل ممرضة في مستشفى صغير. في يوم، جابوا ست مصاپة في حاډث عربية، وكانت حالتها خطېرة جدًا. كان معاها طفلة صغيرة، عندها حوالي سنتين، ومفيش حد من أهلها وصل المستشفى.
الشيخ عمر كان بيسمعها وهو حابس نفسه.
كملت
الست كانت بتفوق وتغيب عن الوعي، وكل مرة تفوق كانت تطلب مني أحافظ على بنتها. كانت بتقول لي إن فيه ناس عايزين ياخدوا البنت منها، وإن حياتها في خطړ.
مين الناس دول؟ سأل الشيخ عمر بسرعة.
أمي هزت راسها.
ماعرفش. كانت مړعوپة، ومقدرتش تقول لي أسماء. قبل ما ټموت، ادتني الدلاية دي، وقالت لي إنها العلامة الوحيدة اللي هتثبت هوية بنتها لو حصل لها حاجة.
حسّيت پصدمة جديدة.
يعني الست دي كانت أمي الحقيقية؟
أمي هزت راسها والدموع بتنزل على وشها.
أيوه يا بنتي. اسمها ليلى، وكانت أخت الشيخ عمر.
الشيخ عمر حط إيده على صدره، وكأنه بيحاول يستوعب إن أخته ماټت بعد كل السنين دي.
أمي كملت
بعد الحاډث، الشرطة ماقدرتش توصل لهوية الطفلة بشكل مؤكد. وأنا كنت عارفة إن فيه ناس بتدور عليها، لكن ماكنتش أعرف مين ولا ليه. خفت لو سلمتها لأي حد، تكون في خطړ.
طب ليه ماقلتيليش الحقيقة لما كبرت؟ سألتها وأنا بعيط.
بصت لي بۏجع.
حاولت يا بنتي، والله حاولت. لكن كل مرة كنت ببص لوشك، كنت بخاف أخسرك. كنت خاېفة تعرفي إن فيه ناس ممكن يدوروا عليكي علشان فلوس أو أملاك، بدل ما يحبوكي علشان إنتِ ليلى.
الشيخ عمر هز راسه بحزن.
كان لازم أعرف إنك عايشة. كنت ممكن أحميكم.
أمي بصت له وقالت
أنا كنت خاېفة عليك إنت كمان يا عمر. كنت عارفة إن فيه حد جوه العيلة مش عايز
متابعة القراءة