عزة نفس في بلاد الغربة الجزء الثاني حكايات مني السيد
المحتويات
ومعاهم رغيف عيش بلدي طازة سامح نزل جابه من الفرن أول ما فتح الفجر.
على الساعة سبعة الصبح، كانت أميمة خلصت تقفيل 25 وجبة كاملة، متغلفة بالسلوفان ومحطوطة في كراتين نظيفة محكمة عشان تحتفظ بسخونتها، ومكتوب على كل علبة بخط إيد أميمة البسيط ألف هنا وشفا.. أكل بيتي مصري.
أميمة كانت مهدودة من التعب، عينيها حمرة من الدخان وقلة النوم، بس لما شافت الكراتين مرصوصة حسّت بفخر غريب مكنتش حاسة بيه وهي بتنضف في المطعم.
سامح جه الساعة سبعة وربع، شرب شاي مع أم رضا على السريع، وشال الكراتين حطها في كابينة العربية جنبه في مكان نظيف ودافي، وبص لأميمة وقالها بضحكة طالعة من القلب ادعيلي يا أميمة.. أنا طالع على موقع إنشاءات كبير في أكتوبر، في هناك مهندسين ومقاولين أعرفهم كويس، وربنا يجعله فاتحة خير.
أميمة وقفت في البلكونة تتابع عربيته وهي بتبعد في الشارع، وفضلت تدعي من كل قلبها ودموعها في عينيها يا رب.. استرها معاه واجبر بخاطرنا يا رب.
الساعات اللي بعد نزول سامح كانت أطول ساعات مرت في حياة أميمة. دخلت أخدت دش، ونضفت المطبخ ورجعته أحسن مما كان عشان تشكر أم رضا، وقعدت في الصالة مستنية، عينيها على الساعة الحايطة، كل دقيقة بتمر كأنها سنة. تليفونها اللي كان حاطاه على الشاحن رن فجأة الساعة اتناشر الظهر!
قلبها دق بسرعة لدرجة إنها حست إنه هيطلع من صدرها. مسكت التليفون وفتحت الخط وإيدها بترتعش ألو.. إيه يا سامح؟ طمني ونبي!
صوت سامح جه في التليفون بيضحك بأعلى صوته، ضحكة خلت روحها ترد مبروك يا ست الكل! قسماً بالله الوجبات خلصت في ربع ساعة! المهندسين والمشرفين والعمال اتخانقوا عليها، وأول ما فتحوا العلب وشموا ريحة البطاطس والرز، كان ناقص ياكلوا صوابعهم وراها! وفي مهندس مدني اسمه باشمهندس طارق، مسؤول عن قطاع كامل، طلب مني أرقامك وقالي بكرة عايز خمسين وجبة مخصوص لرجالته كلهم على حسابه عشان عنده تسليم صبة خرسانة!
أميمة مقدرتش تمسك نفسها، قعدت على الأرض وبكت، بس المرة دي كانت دموع فرح وراحة، دموع زوال الکابوس.
سامح رجع الساعة اتنين ومعاه تمن الوجبات كلها بالمليم، مكسب صافي خلاها ترجع ألف جنيه سلفة سامح، ويفضل معاها مبلغ يعيشها ويخليها تشتري بضاعة تكفي خمسين وجبة لليوم التاني!
وهكذا، بدأت العجلة تدور..
يوم ورا يوم، الشغل كبر بسرعة الصاروخ. أميمة كانت بتنام تلات ساعات بس في اليوم، ومطبخ أم رضا مبقاش مكفي، فاضطروا يشتروا بوتاجاز تاني مستعمل وحطوه في البلكونة الكبيرة عشان يسعفهم، وسامح مبقاش ملاحق يوصل، فبقى معاه صاحبه بعربيته التانية ينقل معاه الوجبات للمصانع والشركات اللي سمعت عن أكل أميمة البيتي وبقوا يحجزوا باليومين مقدماً.
بعد أسبوعين اتنين بس من يوم طردها من المطعم، كان مع أميمة في الكيس القماش مبلغ مكنتش تحلم بيه.. جمعت تمن ماكينة الري وزيادة!
في ليلة جمعة، أميمة قالت لسامح وأم رضا أنا لازم أنزل البلد بكرة الصبح، أشتري الماكينة بنفسي وأوصلها لأبويا وأفرح قلبه، وأرجع على طول عشان منوقفش الشغل.
سامح قالها أنا مسافر معاكي بالعربية، منها نوصل الماكينة لحد الغيط، ومنها تشوفي أهلك وماتتأخريش في المواصلات.
الفجر، ركبت أميمة جنب سامح في العربية النص نقل، وحاطين ورا ماكينة ري إيطالي جديدة بالكرتونة بتاعتها، ماكينة ممتازة أبوها كان بيحلم بربعها. الطريق الزراعي كان الصبح بدري مليان ندى، وأميمة كانت باصة من الشباك وهي حاسة إنها طايرة، مش مصدقة إن ربنا كرمها بالشكل ده
بعد القهر اللي عاشته.
وصلت العربية مدخل القرية في المنوفية، والشمس كانت لسه طالعة. الناس في البلد أول ما شافوا عربية سامح وأميمة راجعة والماكينة الكبيرة محطوطة ورا، بقوا يضربوا سلامات ويباركوا أهلاً ببنت الأصول.. ما شاء الله يا أميمة، نورتي بلدك!
دخلت العربية عند بيت عم إبراهيم المتواضع.. البيت المبني بالطين والمسقوف بالخشب. خرج عم إبراهيم من الباب على صوت العربية، لابس جلابيته وماسك عكازه، وعينيه مش مصدقة.
أميمة نزلت تجري من العربية، وارتمت في حضڼ أبوها، وباست راسه وإيديه المشققة وهي پتبكي حقك رجع يا أبا.. وماكينتك اهي، جديدة ومن أحسن نوع، والأرض مش هتعطش تاني أبداً طول ما أنا عايشة!
عم إبراهيم دموعه نزلت على لحيته البيضا، وحضن بنته جامد وقال بصوت بيترجف يا بنتي.. أنتي جبتي الفلوس دي منين؟ أنتي لحقتي يا أميمة؟ ده بقالك شهر بس في مصر!
أميمة ابتسمت وقالتله بفخر من عرق جبيني يا أبا.. شقا حلال، ربنا فتحها عليا وبقيت أعمل أكل بيتي وأبيعه للشركات والمصانع في القاهرة، وبقى ليا اسم وزباين بيستنوني بالاسم!
أمها خالة فاطمة خرجت تزغرط، والبيت كله اتقلب فرح، والجيران اتلموا وعم إبراهيم دبح جدي صغير كان حابسه للموسم عشان يفرق لحمته على الغلابة شكر لربنا على نجاة بنته ونجاحها.
سامح ساعد الشباب ينزلوا الماكينة الجديدة ووصلوها للترعة، وركبوها وشغلوها.. وصوت الماكينة وهي بتدور وتضخ المية الصافية للغيط كان أحلى لحن سمعه عم إبراهيم في حياته، المية جرت في القنوات ووصلت للزرع العطشان، كأن الروح رجعت للأرض من تاني.
قضت أميمة اليومين في البلد وسط فرحة أهلها، بس في اليوم التالت، كان لازم ترجع القاهرة عشان زباينها وشغلها اللي مستنيها. ودعت أبوها وأمها بعد ما سابتلهم قرشين محترمين لمصاريف البيت
متابعة القراءة